الراقصة والطبيب.. قصة قصيرة

عامر هشام الصفّار
2017 / 12 / 8

ظلّت عادة قراءة الصحف صباح كل يوم تلازمني منذ سنوات الصبا.. أتذكّر كيف كنت أذهب مع صديقي وائل في أعظمية بغداد في نهارات الصيف القائظ، لنبحث عن جريدة الملعب أو الملاعب البغدادية أيام الستينيات وبطولة كأس العالم لكرة القدم تجري في مكان بعيد.. أنا اليوم في ساحة الطرف الأغر في لندن أقلّب صفحات الجرائد في مكتبة عامة قريبة.. المناخ في لندن بارد رطب والسماء ملبدة بغيوم تأبى أن تترك مكانها الأثير في أفق داكن غابت عنه الشمس.. يفاجأني خبر الراقصة الملونة التي رفضها الجمهور فأسقطها من مسابقة الرقص التلفزيونية البارحة.. مثال على عنصرية السلوك.. هكذا قالت الراقصة.. ولكنه محرر الفن في جريدة الكارديان من أشار الى فوز فنانة ملونة أخرى (الملونة هي التي أستعملها هنا بدل صفة سوداء اللون).. بجائزة تيرنر للفن التشكيلي الحديث في بريطانيا.. أستغربت وأعتبرت الأمر بشرى خير بالنسبة لي وأنا الذي أبحث عن عمل في مستشفيات أنكلترا... الفنانة تفوز بجائزة تيرنر لأول مرة في تاريخ الجائزة الفنية لأعوام طوال.. يا ترى هل سيضحك الحظ لي هذه الأيام وأفوز أنا بعقد عملي الأول بعد نجاحي في أمتحان البلاب وأمتحانات اللغة الأنكليزية الصعبة..؟.. رددّت ذلك مع نفسي وانا أسرع خطواتي نحو مستشفى في شمال لندن أبحث في مكتبتها عن المجلة الطبية الخاصة بأعلانات العمل.. قال لي صديقي العراقي الذي يبحث هو عن عمل أيضا في مجال الهندسة أنه ما زال يعمل سائقا للتاكسي في لندن منذ عدة اشهر، فلقد تعب من الهرولة وراء فرص عمل في أختصاصه.. ضحكت في سري وأنا اسمع عن محاولاته، ولكنه قال لي شيئا غريبا البارحة بعد أن جمعتنا الصدفة في مطعم مسكوف العراقي في شارع أجورد رود. قال ألم تسمع عن الدراسة التي نشرتها الصحافة هنا قبل عام؟ قلت وما هي هذه الدراسة .. ألتهم عشاءه وتجشأ ثم اردف.. يقال أن أحدهم أجرى دراسة عن عروض العمل للأطباء في لندن وعندما أبدل الأسم بأسم من أسماء غير أنكليزية.. ولنقل عربية أو هندية فأن عروض المقابلات كانت أقل من المتوقع.. وبالتالي لم يحصل أي منهم على عرض عمل واحد، مع العلم أن الأمكانيات العلمية متساوية تقريبا وليس هناك من فرق كبير... لم أعر صديقي أهتماما هذه الليلة وبقيت أنظر من خلل نافذة المطعم المطلّة على شارع عريض تسير فيه باصات النقل العام ببطأ شديد... تراءت لي أمي من بعيد وهي تودعني من على عتبة بيتنا في بغداد وتوصيني بأن أكون طبيبا جيدا كما كان أبي المرحوم...
أستمع الآن لنشرة أخبار السابعة صباحا من راديو 4 اللندني وأنا في طريقي لمقابلة عمل جديدة.. لن أفكر الاّ بالنجاح... أكره العنصرية والتمييز بين البشر.. لا نجاح الاّ للأفضل... يا ترى هل سأكون أنا هذا الأفضل اليوم؟... الشمس بدأت تدفع غيمة سميكة في سماء المدينة.. وها أنا أحس بعض قطيرات المطر وقد لامست وجنتيّ الباردتين..