من بقايا ذاكرة إنسان لاديني...نعمة العقل(5)

حكمت حمزة
2017 / 12 / 4

ابتلعت بضع لقيمات مجبرا، أحسستها أشواكا تنسل إلى حلقة وتجرف معها كل الأنسجة والخلايا الموجودة، صعب جدا أن تتحمل النزيف الداخلي في مثل هذه الحالة، لكن ماذا عساي أفعل، وأنا مخير بين تناول الطعام، وتناول اللطمات.
أحسست بنقمة على كل شيء، نيران الانتقام بدأت تنهش ذاتي شيئا فشيئا، لم أعد أطيق أحدا، العائلة والمجتمع والصلاة والدين والله، وكل شيء كان سببا في وصولي إلى هذه المرحلة، فلولا خوفي من انتقام الله ذاك اليوم، لما نسيت أن اليوم عطلة، كنت أمضيت اليوم منذ الصباح في المنزل، ولم اضطر إلى تحمل عنف أبي، ولسعات الكلام الصادر من أفواه العائلة وهم يلتقمون الطعام بلا هوادة.
أنهيت طعامي وذهبت إلى المغسلة، قمت بغسل يدي جيدا...فجأة نظرت إلى المرآة، كان وجهي في حالة يرثى لها، فقد ضرب التعب والإرهاق جذوره فيه، وعيوني اصطبغت باللون الأحمر من شدة التعب، فليلة كاملة من الاستيقاظ كانت أكبر من أن يتحملها طفل لم يكمل عامه الثالث عشر بعد، تذكرت فجأة أن وقت صلاة الجمعة قاب قوسين أو أدنى، تلبكت، وشعرت بحيرة شديدة، هل أذهب إلى الصلاة وأنا في هذه الحالة التي يرثى لها، أم أذهب للانضمام إلى فراشي الدافئ وأترك الله وعبادته لهذا اليوم؟. فعليا بدأت أفكر في عواقب هذه التصرفات، فإن ذهبت إلى الصلاة سأغفو في المسجد لا محالة، وكيف سأغفو أو بالأحرى أين سأغفو في بيت الله!. لحظتها ترددت في رأسي عبارة فكاهية طفولية، " كيف لذاك الله ألا يحوي سريرا في بيته رغم كل هذه العظمة والملكوت الذي بيده؟؟!" تبسمت قليلا ثم تجاهلت الفكرة، وحاولت نسيانها فلم أكن أريد الدخول في دوامة الخوف التي عشتها ليلة البارحة، وفكرت في الحل الآخر وهو معانقة فراشي والخلود إلى النوم، واصطدمت بظل أبي الطاغية (الذي لا يفرق شيئا في طاغوته عن ذاك الإله المختبئ في السماء، فكلاهما يحب الضرب والعنف، لدرجة أني كنت أتخيل الله يشبه والدي تماما عندما كنت طفلا صغيرا، حيث بدأت أسمع عن الله وعذابه وعقابه، فكان أبي نسخة عنه بفارق بسيط، أن الله في مخيلتي مشابه لأبي لكنه يلبس ثوبا أخضر ويضع تاجا، أما أبي فلم يكن يلبس ثوبا أخضر، وبدون تاج). لقد كنت متأكدا أني سأنال عقابا شديدا إذا تخلفت عن صلاة الجمعة، فوقعت في حيرة شديدة، أذهب أو لا أذهب، ورغم كل شيء فقد كان عدم الذهاب إلى الصلاة أقرب إلى نفسي من الذهاب، وبدأت التفكير في طريقة لأبقى في المنزل دون عقاب.
فجأة خطلات ببالي فكرة شيطانية، بادرت إلى تنفيذها فورا. تظاهرت بأني أقف عند المغسلة وأتوضأ، قمت بسكب القليل من الماء على الأرض، وقمت بإيقاع نفسي على الأرض، وصرخت بأعلى صوت، فهرعت العائلة مسرعة لترى ما الذي حدث، "ماذا حدث لك، لماذا تصرخ؟" فقلت لهم متظاهرا بالألم والبكاء: لقد تزحلقت وأنا أتوضأ، قدمي التوت وأحس بألم شديد في كاحلي. بادرني أبي بالقول: أرأيت، هذه نتيجة الكذب، لقد عاقبك الله
بإيقاعك لأنك كذبت علينا ولم تخبرنا بحقيقة خروجك اليوم من المنزل. ضحكت بيني وبين نفسي على كلام أبي، يا للمسكين، حتى بهذه يظن أن الله سبب هذا رغم أن شيئا لم يحدث، تمثيلية بسيطة اخترعتها لأتخلف عن الصلاة وأنام قليلا. بنفس الوقت حزنت على عدم تصديقهم لي حتى الآن، لكن لا يهم، أريد النوم فقط.
طلبت منه أن يساعدني على النهوض، فأمسكني بيديه ورفعني وقام بمرافقتي إلى السرير، حيث رميت جثتي الصغيرة آنذاك وقام أبي بتغطيتي. سألني وقتها إذا كنت سأذهب إلى الصلاة أم لا، فأجبته بأني أتمنى لو أني كنت أستطيع، ولكن قدمي تؤلمني. لا أدري كيف اقتنع أبي هذه المرة بكلامي، وتركني في السرير، لكنه أكد بأني يجب أن أصلي الظهر في المنزل، الصلاة ثم الصلاة ثم الصلاة، هذا كان هاجس أبي الوحيد، وكأني إذا لم أصلي سأصبح من أشد الناس كفرا، أو ربما سأمرغ سمعة العائلة في الطين، فليس في عائلتنا من لا يصلي، وقد ظننت لوهلة أن أخواتي البنات أيضا سينبت لهم لحية طويلة لتعلقهم بالدين، تلك خيالات الأطفال، رغم صغر سنهم، إلا أن خيالهم الخصب قادر على إنتاج كل شيء.
خلدت للنوم، بعمق شديد لم أعهده من قبل، كنت شبه ميت، رغم أن نومي حساس جدا، أقل حركة تحدث بجانبي كفيلة بإيقاظي، إلا هذه المرة، فقد تمكن مني الإرهاق والتعب، لم أصحو إلا عندما أيقظني أبي بعنف، طالبا مني الاستيقاظ كي أصلي الظهر قبل فوات الأوان، قمت فزعا و أردت الجري بسرعة كي أتوضأ، إلا أني تذكرت اني أتظاهر بألم في قدمي نتيجة السقوط، فقمت ببطء شديد، وبدأت أعرج وأنا ذاهب إلى الحمام كي أتوضأ، حينها سألني أبي إن كانت قدمي لا زالت تؤلمني، فأجبته بأني تحسنت قليلا، وأردفت بأني سأتوضأ وأصلي وسأعود كي أنام، فهز راسه بالموافقة، عندها ذهبت للحمام ومسحت ذراعي وقدمي بالماء مسحا، ولم أقرب الماء من وجهي كي لا أصحو من نعاسي، فعليا لم أتوضأ، فقد قررت هذا اليوم مخالفة التعاليم الدينية، فلا الله يرحم ويعفيني من الصلاة بسبب إرهاقي الشديد، ووالدي نفس الشيء...رغم خوفي من عقاب الله مجددا إلا أن النعاس كان أقوى من كل خوف، انسليت إلى غرفتي وأغلقت الباب، جلست في سريري لبضع دقائق، كي أتأكد من عدم دخول أحد منهم، ثم خلدت إلى النوم العميق مرة أخرى.
استيقظت تلقائيا بعد حوالى الساعتين، سمعت ضجة في غرفة الجلوس، أصوات كثيرة وضوضاء، يتخللها ضحكات غريبة، اقتربت من باب الغرفة وفتحته، لأرى أناسا غرباء في منزلنا، ولم أكد ألقي نظرة حتى صرخت أمي بأعلى صوتها: ( اذهب إلى غرفتك بسرعة ولا تريني وجهك هنا)، طبعا كنت معتادا على توجيه إهانات كهذه من قبل أمي، لذا لم أعر الموضوع أي اهتمام، وعدت أدراجي إلى الغرفة...فهمت لاحقا أن لدينا ضيوفا، هم أقربائنا من جهة أمي، وكان سبب قدومهم هو أنهم يريدون خطبة أختي الكبرى لابنهم، لكني لم أفهم لماذا صرخت أمي ومنعتني من الجلوس معهم.
بعد رحيلهم، اجتمعت العائلة وأنا بينهم، حينها استغليت الفرصة وسألت والدتي عن سبب صراخها عندما دخلت الغرفة، ولماذا منعتني من الجلوس معهم، أجابتني: كيف ستجلس معنا وأنت صغير على هذه الأمور، كنا نتحدث بأشياء تخص الكبار، لا يجب عليك الاستماع إليها. ثم أردفت قائلة: كما أن هناك نساءً لم يكونوا يضعون الحجاب على رؤوسهم، وأنت ذكر وهم إناث، ولا يجب عليك أن تراهم بهذا المظهر فذلك حرام لا يجوز، و سيحرقك الله بالنار إن فعلت هذا.
تساءلت بيني وبين نفسي عن هذا الحديث الذي لا يجب على الصغار الاستماع إليه، ولكن الذي اثارني أكثر هو كلام أمي عن النساء اللواتي لا يضعن الحجاب، فما المشكلة إن رأيتهن بهذا المنظر، أعلمن أن شعر المرأة عورة، ولكني لا زلت صغيرا على هذه الأمور، فلست في سن تتطلب من النساء أن يختبؤوا مني أو أن يغطوا رؤوسهن، ثم لماذا كل شيء عند الله يقابل بالحرق في جهنم ألا توجد لديه طرق عقاب أخرى؟ سئمت سماع اسم النار تلك...وصلت إلى تساؤل طفولي آخر، يخص نار جهنم الموجودة عند الله، وهو أن الله كيف أوقد هذه النار، باستعمال القداحة (الولاعة) أم باستعمال أعواد الثقاب؟، ضحكت كثيرا بسبب هذه الفكرة، لكنها ظلت تشغل بالي، فصممت أن أسأل شيخ المسجد عن هذا الموضوع.
حان وقت صلاة المغرب، وأخبرت أبي أن قدمي تحسنت بشكل كبير، ولم يبقى فيها من الألم إلا القليل، وأخبرته بأني سأذهب إلى صلاة المغرب في المسجد، ابتسم ابتسامة عريضة بوجهي وقال لي: الله يرضى عليك
يا ولدي، توضأت وذهبت إلى الصلاة...بمجرد انتهاء الصلاة والأدعية والأذكار التي تعقبها، مشيت إلى المحراب وجلست بجانب الشيخ، بعد السلام أخبرته بسؤالي عن كيفية إشعال الله لنار جهنم، وهل تم ذلك باستخدام الولاعة أم أعواد الثقاب، فتبسم الشيخ مجبرا، رغم محاولته إخفاء ابتسامته، لكنه أجابني بأن تساؤلاتي هذه حرام، ولكن الله لن يؤاخذني لأني لا زلت طفلا. المهم أخبرني بأن الله لا يحتاج لأدوات أو أشياء كالتي نحتاجها في الدنيا، وأكد لي بأن الله إذا أراد شيئا، يكفيه أن يقول له كن فيكون، مما زاد حيرتي وضياعي، فقلت له: كيف ذلك؟ ماذا تقصد بقوله كن فيكون. عندها أجابني الشيخ: يعني إذا أراد الله إيقاد نار يكفي أن يقول لها كوني نارا، فتخلق النار بإذن الله.
ذاك اليوم الذي سمعت فيه إجابة الشيخ، كان أحد أيام الضياع بالنسبة لي، كنت أتوقع أن أجد إجابة شافية لديه، لكنه زاد الأمور تعقيدا بالكلمات التي تفوه بها، وهذه هي إحدى أكبر مشاكل المجتمع مع الدين، وكيفية إيصاله للأطفال والناشئين، مع أننا ولدنا ضمن وسط يعتبر وجود الله فيه وعبادته وكل مواصفاته من البديهيات، إلا أن الكثير من الأسئلة لا نجد لها جوابا شافيا، وهذا أحدها طبعا، لدرجة أني أشك اليوم في وجود متدين واحد على يقين تام بدينه، لأن هناك الكثير من الفجوات بين الله ودينه، وعقولنا نحن البشر، ويغفل الكثير من المشايخ والمفكرين المتدينين هذه الفجوات، التي التلافيف المخية تتصارع فيما بينها محاولة التفكير والوصول إلى تصور مقبول عن الدين والإله. وبعد أن تحولت إلى اللادينية، استغربت كثيرا من الملايين التي تتقبل هذه الأمور، هل تلك الأمور بالفعل مقبولة عقليا بالنسبة لهم؟ أم أن ميزة التفكير باتت معطلة نتيجة حشو الدماغ بهذا الأفيون اللاهوتي؟ بالنتيجة لا إجابات شافية، حتى وإن كان هناك عدة إجابات فيها شيء من المنطق، إلا أننا سنصل بشكل أو بآخر إلى نقطة لا تجد فيها للعقل مدخلا، عليك تصديقها والقبول بوضعها الحالي كما هي... كنت أصدق كلام الشيوخ وكبار السن في ذلك الوقت، بأن هناك أمورا في الدين لا أستطيع فهمها في الوقت الحالي (أي عندما كنت صغيرا)، وأني يجب أن أنتظر حتى أكبر ويصبح عقلي قادرا على استيعابها، لكن لم أتوقع أبدا أن وصولي إلى مرحلة، سيبقي تلك الأفكار غير مفهومة ومنطقية كمرحلة أولى، وسينفيها ويكذبها في المراحل اللاحقة، فما بين الدين والعقل، أكبر بكثير من المحيط الأطلسي الذي يفصل سواحل أوربا وأفريقيا عن أمريكا، وحاله كحال البعد بين القارتين، يزداد كلما تقدمت السنوات.