الروائي المصري الجميل -مكاوي سعيد- وداعاً

سلام إبراهيم
2017 / 12 / 3

الروائي المصري الجميل "مكاوي سعيد" وداعاً
-1-
في مطلع عام 2008 تراسلنا. كنت أحاول طباعة روايتي الثانية "الإرسي" بعدما منعتها الرقابة في سوريا أولا 2001 ثم في العراق 2007، ومن هنا توطدت علاقتنا من خلال الرسائل، وكان وقتها متألقا بروايته الجميلة "تغريدة البجعة" فتحمس لروايتي وأتفقنا على طبعها لدى دار الدار وفي أخر شهر من نفس العام سافرت إلى القاهرة< نزلت في فندق مجاور لساحة طلعت حرب. وإلتقينا أول مرة في مقهى "وردة البستان" وكان معنا صاحب الدار "محمد صلاح"
-2-
ظهرت الرواية وكان من المعجبين بها، وأهداني روايته "تغريدة البجعة" فحبست نفسي في الفندق يوماً كاملا عارضا عن أجواء وسط البلد الساحرة، وحال أن أتيت على أخر سطر فيها، خفت سحر المكان والقاهرة التي أزورها أول مرة إذ كشفت لي ما تخبأه الحياة في ظاهرها من بؤس وسحق لبشرها، وفي الأيام التالية وأنا ومكاوي نلتقي كل يوم في وردة البستان المقهى التي هي عبارة عن كراسٍ في الشارع في نهاية مقهى "ريش" التي كان يجلس فيها نجيب محفوظ. تحاورنا كثيرا حوارات متشعبة عميقة تتعلق بالكتابة والواقع هو كان مذهولا بأجواء الإرسي وأنا مذهولا بأجواء "التغريدة" سألته عن علاقة النص بالواقع وقلت له كأني أعيش ما ترويه فضحك ضحكته العذبة التي تكشف عن فم فقط بعض أسنانه، وقال لي بلهجه مصرية أحبها:
- أستنه حتشوف الود اللي يشم.
هو ولد شوارع طبعا
وفعلا في اليوم نفسه رأيت ذاك الود الذي أخبرني مكاوي بآنه سجل له كاسيتا الكثير من الأحداث التي صاغها في نصه من، وضحك مكاوي طويلا وهو يعلق على عادة المصريين المحببة:
- الود بيستغلني عرف الرواية أشتهرت وديما يطلب مني ويقول حقي أنت أشتهرت من قصتي ملعون!.
-3-
تحاورنا كثيرا عن الكتابة وأجوائها والكيفية التي نوظف بها الواقع ونصيغه أدبا، وسألني كثيرا عن أجواء الجنس في الإرسي كما سألته عن نفس الأجواء في التغريدة فأكد لي وعلى وجهه نشوة الأنتصار والتباهي بأن كل المشاهد التي وصفها واقعية وحدثت له دون أي خيال أكد بجملة قاطعة حينما أستغربت مستفهماً. ولا أدري أنا آفعل أيضا وأقول مثلما أدعى لكن مع نفسي ثلاثة أباع المشاهد التي أصفها في روايتي الجنسية منها هي من مخيلتي أو مخيلة من يروي لي. أبديت عجبي فطار نشوةً أدرك مبلغ ما تبعثه من غبطة عميقة في نفسه<
-4-
ضمن هذه الأجواء خضنا في أوقات الكتابة وظروفها، فسألني:
- بتكتب وأنت صاحي؟
فغرقت في ضحكة عاصفة وقلت له:
- مكاوي أني يومية أشرب، وكل الأفكار والهيكلية؛ تأتي في ساعات التأمل والعزلة والكأس. أما لحظة الصوغ فأكتب منذ بكرة الصباح وأنا في أقصى الصحو!.
تبسم ونظر إلى زحمة رصيف ميدان التحرير كنت أوصله ككل يوم إلى الجسر في طريقه إلى بيته وأعود إلى الفندق، لم يعلق لكنني سألته على الفور:
- وأنت مكاوى تكتب بصحو!.
- لا أحشش وأسيح!.
-5-
جوار مقهى وردة آو زهرة البستان، دكان صغير يبيع فيه رجل كبير في السن سندويشات فلافل وفول، كنت ومكاوي نخوض في حديث طويل ومتشعب عن الأدب والكتابة، وكان الظهر قد مرّ وكنا على حافة العصر سألني فجآة:
- جعت يا كدع وإلا أيه، قلت له:
- أيوه جوعان!.
أوصى سندويج فلافل وسندويج فول كان البائع يحشي نصف الرغيف الأسمر البلدي بالفول والفلافل. رآيت المشهد. تناول السندويجين وسآلني بعد أن تآمل وجهي لدقيقة:
- مالك.. مالك يا سيدي قرفان!.
تلعثمت وقلت مرتبكاً
- لا.. لا مكاوي لكن مو جوعان1.
شملني بنظرة تلوح منها سخرية مبطنة وقال
- أول "قول" من البداية!.
كنت خجلان من نفسي، من ترفعي ومعجبا ببساطته وعفويته.
-6-
النجم الساطع يتوهج بعنفوان وصخب يقول الضوء ويمحي ما يستطيع من ظلمة العالم والكون ويخفت.
-7-
التقينا في 2013 بالمقهى نفسه وسط البلد بالقاهرة، وكانت معي زوجتي. تحاورنا عن الحياة والكتابة، وفي لقطة اشعلت غضب زوجتي حينما نهر "مكاوي" طفلة مشردة أزعجت جلستنا كثيرا، فظللنا نتحاور وكانت تقول كيف بكاتب ينهر متشردة وكانت ناهدة قد أخذتها في زواية فقصت لها المتشردة قصتها، وكنت حائرا ما أقول ومكاوي عانق معنى التشرد بنصوصه، أما في الحياة قلت لزوجتي الماركسية نصيرة الفقراء الأبدية قلت لها:
- هو يرى في وسط البلد كل يوم مئات من أطفال الشوارع المشردين، ونحن نراهم في لحظة تواجدنا الخاطفة. وهذا الفرق
كانت ترد ولم تزل:
- هذا ليس مبرر للسخرية من طفل مشرد ومن كاتب!.
قلت لها العيش وسط البؤس ليس كالعيش مثلنا وسط جنة أسكندنافيا
فردت بقوة:
- سلام لم نسخر من متشرد في أقصى تشردنا.
لم تستوعب أن الإنسان حينما يلمس قاع البؤس دون أن يموت يتحول إلى ساخر من كل شيء أو هكذا أعتقد أنا على الأقل.
-9-
المقهى ووسط البلد ستكون موحشة دونك!.
مكاوي وداعاً.
2-12-2017