من بقايا ذاكرة إنسان لاديني...نعمة العقل(2)

حكمت حمزة
2017 / 11 / 18

بدأت أتمرد على كل شيء في وضعي الديني والمنزلي، طفل بسني لم يتجاوز الثانية عشر بعد، من غير المفترض أن يثقل بكل تلك الهموم أو المتاعب. لماذا يجب علي أن أستيقظ منذ الرابعة فجرا، أبلل نفسي بثلج سائل من الصنبور، ثم أتحمل صفعات تلك الرياح التي لا يوجد بين تياراتها أي رحمة، فتلطم وجهي الصغير آنذاك، وتصفع وجنتي المليئتين ببراءة من لم يذق مر الحياة بعد؟ لماذا يجب أن ابقى مستيقظا حتى الصباح، لأذهب إلى مدرستي التي كنت أكرهها بسبب أبي أولا، وبسبب طريقها الذي يرهق أشد الرجال بأسا؟
لم أعد أحتمل أي شيء، انزويت في غرفتي عصر أحد الأيام، متلحفا بغطاء سميك، يومها قلت لنفسي: لن أذهب إلى المسجد لأداء صلاة الصبح مهما كلف الأمر، وليذهب المسجد إلى الجحيم، وكل من سيغضب مني إلى الجحيم...سكتت قليلا، ثم تذكرت، أنا اشتم المسجد!! إنه بيت الله، لا يجوز ذلك!! وفي تلك اللحظة أصبح كل شيء أمامي أسودا، كيف تفوهت بتلك الكلمات البذيئة؟ آه كم أنا حقير وكافر، أكيد أن الله سيدخلني النار...ماذا النار...جهنم...تلك النار السوداء!! يا ويلي و يا سواد ليلي...بدأت أرتجف من الخوف، لدرجة أني خفت من الجلوس بمفردي، فهرعت إلى الغرفة الأخرى التي يجلس فيها أهلي، وقطرات الخوف تتساقط من وجهي، إلا أن أحدا لم يعرني أي اهتمام، كالعادة تماما، فقد اعتدت على اهمالهم لي منذ الطفولة، ولكن تلك اللحظة كانت جد مؤلمة، احتجت فيها لأي أحد أن يقول لي ماذا بك، أو أن يضمني بيديه ويقبلني، لكنهم كانوا مثل نهر الحياة يسير ويقف ولا يهتم لأحد ولا لأحاسيس أحد.
تآزر الخوف والوحدة ضدي، وأصبحت السكينة مع الهدوء في الافق، أراهما ولا أستطيع الوصول إليهما، ألوح لهما من بعيد، أتطلع إليهما بحسرة، لكنهما لم يهتما لأمري أيضا، كأنهم متآمرون مع الآخرين، وفوق كل هذا اختفيا باختفاء الشمس، وعندها لم أستطع النوم أبدا.
عم الظلام الدامس، وحان وقت النوم، يومها بالذات، كان السواد شيئا مخيفا جدا بالنسبة لي، لم أرد النوم وحدي، خفت أن يبعث الله أحدا من أتباعه لينتقم مني بسبب ما تفوهت به، كما خفت أن يأتي الشيطان ليخيفني، فالشيطان قذر جدا كما كنت أسمع، لأنه يريد إخافة الأطفال الصغار الذين لا ينامون مبكرا، وقد يهجم عليهم ويأكلهم أيضا، المشكلة أني لم أكن أستطيع النوم، لذا بات من المؤكد بالنسبة لي في ذلك الوقت أن الشيطان قادم لا محالة.
أذكر أننا أخذنا في المدرسة أن الأجسام تتقلص بالبرودة وتتمدد بالحرارة، ورغم أن الجو كان متجمدا، إلا أن ساعات الليل تمددت، ولم تتأثر وتتقلص بالبرودة، وأنا قلق وغير قادر على أن أغفو ولو لخمس دقائق. كيف للوقت أن يتمدد رغم أن الجو بارد، كيف أصبح أطول؟ لعنت وقتها الأستاذ الكاذب، ولعنت الشيطان ولعنت نفسي على كل ما تفوهت به وأدى بي إلى هنا.
أثناء تذكري لهذه اللحظات بعد أن كبرت، وتركت الدين وأمنت بكذبه، أحسست بالحزن والأسى، ليس على نفسي فقط، بل على الكثيرين، فكم طفلا خشي النوم ليلا؟، وكم طفلا خاف من النار والشياطين والعذاب؟، كم طفلا عانى بسبب ذاك الإله السادي المستبد، وبسبب محدودية عقل أتباعه؟. أجهل أحيانا كيف أن مصافي الحياة قامت بتنقية كل هذه الشوائب مني، مع أن الحياة تافهة جدا وسخيفة أكثر، لكنها أحيانا تقوم بأشياء جيدة ومفيدة، أثناء فترة استراحتها من عملها المعتاد، وهو النبش في مزبلة الذكريات والتاريخ. رغم أني مؤمن بأن العلمانية هي الحل لأغلب مشاكلنا، إلا أني أظن أن بعض الحالات لا ينفعها إلى الالحاد، من قال أن أخر الدواء الكي؟ لا بد أنه يجهل حال ملايين الأطفال التي تعيش قصصا وأفلام رعب أشد مما نراه في هوليوود.
هناك ارتباط وثيق بين أمور ثلاثة، الإله والشيطان والعذاب، الشيء المحير هو أن المؤمنين (على اختلاف مشاربهم)، وبكل بساطة يؤمنون بأن هذه الأشياء الثلاثة المتناقضة تجتمع معا، فالإله بلا عذاب ليس إلها، وإله بلا شيطان ند له ليس إلها، فهل الشيطان موجود ليكون الإله ذا قيمة؟
كل شيء في حياتنا تطور، البيوت، من العراء إلى الكهوف فالخيام فالبيوت الطينية وهكذا إلى المنازل التي نعرفها جميعا، وسائل التواصل والنقل والطعام والشراب، كل شيء تطور باستثناء ذاك الإله. فهو مولع بتعذيب البشر، وسينتهز أقرب فرصة ليفعل وينكل بالناس، لا أدري ما الممتع بالعذاب. كما أني أعتقد أنه من الأجدر
تسمية حب تعذيب الآخرين بـ (الإلهية) وليس (السادية).
كما أن الإله هذا على عداوة قديمة مع الشيطان، لا أدري كم مضى على هذه العداوة، ست أو سبعة آلاف عام، وربما تستمر لألف عام أخرى، فسبحانك أين حرب البسوس أو داحس والغبراء منك يا رب.