طرف من خبر عائلة ال سوادي الشيوعية

سلام إبراهيم
2017 / 11 / 1


في النصف الثاني من سبعينيات القرن الفائت، همس بأذني صديقي الشاعر ـ علي الشباني ـ بعزمه على كتابة حدث شهير جرى في الديوانية أوائل الخمسينات، عن سجين غريب في ـ نقرة السلمان ـ أصيب بالتدرن الرئوي فنقل من ذاك السجن الصحراوي إلى مستشفى المدينة، لكنه قضي نحبه فيها، فدفنته السلطات سرا في مدفن ـ أبو الفضل ـ الكائن خارج المدينة وقتها على طريق الدغارة والمخصص لدفن الأطفال ممن لم يبلغ سن الحلم بعد. ولما عَلِمَتْ منظمة ـ الحزب الشيوعي ـ في المدينة، بدفن رفيق سرا كلفت عدة أشخاص تسللوا ليلا إلى القبر ونبشوه وأتوا بالجثة في تابوت إلى مسجد المدينة. في صبيحة اليوم التالي جرى تشيعه في مظاهرة عاصفة هتفت بشعارات وطنية ضد السلطة الملكية أخترقت المدينة عبر جسرها الخشبي، تضخمت المظاهرة في القرى والنواحي طوال الطريق إلى النجف. حيث جرى تشيعه في الشامية وأبي صخير، والنجف. عن هذا الحادث الشهير سيكتب علي الشباني قصة بأسلوب شعري ستنشر في طريق الشعب وقت الحملة في عام 1979 في أعدادها الأخيرة التي لم توزع في مدن الجنوب التي صفيت فيها تنظيمات الحزب وقتها وسيخبرني الشاعر ـ وليد جمعة ـ الذي بقى صامدا يحرر أخر أعداد ـ طريق الشعب ـ العلنية عن أشرافه على طبع العدد الذي نشرت فيه هذه القصة التي لم أقع عليها منشورة إلى هذه اللحظة. لما بحث الشاعر علي الشباني أكتشفنا أن أبي ـ عبد سوادي النجار ـ هو من قاد المجموعة التي تسللت ليلا وجلبت جثة رفيقهم الميت. وقتها تخيلت أبي شابا يافعا قويا لم يدمن الشرب بعد، في قمة حماسه الثوري يتهامس مع زملائه ويتسللون تحت جنح الظلام ليزيحوا التراب عن قبر ذلك الغريب الذي لم نتمكن لا أنا ولا علي الشباني من معرفة أسمه الحقيقي، فهو لم يكن من أهل المدينة. قيل مسيحيا من الموصل، معلما من بغداد، و و ولم نقع على خبرٍ يقين. تخيلتُ أبي يحضن ذاك الجسد الغريب الملفوف في كفنٍ مترب كي يحمله إلى التابوت غير آبه بعطن الموت المثير للغثيان، بل تخيلته منشيا بالنصر وهو يساهم في فضح سلوك السلطة التي حاولت أن تخفي موت سجين، تخيلته وقت كتابة الشباني نصه، وذهبت ليلتها نحوه منتشيا، فخورا، شربت معه كأسا وطلبت منه سرد تلك الواقعة فسردها بالتفصيل، ومقامها ليس هنا. سردها وهو لايدري بأنه سيعاني من ضياع أبنه أخي الذي يصغرني بثلاثة أعوام ـ كفاح ـ سوف يضيع مثل الغريب الذي نبشه، ليس أبنه فحسب بل ولديّ أختيه ـ علي عبد الباقي ـ إبن أخته ـ نعيمة ـ وصلاح مهدي الصياح
إبن أخته الصغيرة ـ سهام ـ.وحفيده إبن بنته ـ وداد ـ، ـ محمد حازم مرتضى السراج ـ.
سألت أمي عن تلك الحادثة. أردت وقتها شهادتها وهي تمثل النصف الآخر من القصة. لما علمت بأني نبشت تلك القصة القديمة إلتفت نحوي وقالت:
ـ أخاف أنت تصير مثل أبوك.. لا أبالي..
سألتها:
ـ كيف؟
قالت:
ـ أتذكر الليلة تلك وكأنها البارحة. لم يخبرني بشي. لبس ملابسه وطلع بالظلام، ما نمت ليلتها. كنت أنت بعدك ما صاير بالدنيا، بقيت سهرانه حسبه أجيبني وحسبه توديني، سهرت وحدي ويه أخواتك الثلاث النايمات حتى الفجر. دخل الغرفة كانت ثيابه كلها تراب ومبلل . نزعها ونام على فراشنا. وكان وجهه سعيد مثل طفل فرحان. ما عرفت ليش لكن بعدين بالضحى عرفت لمن شيعوا جثة الغريب وضجت المدينة!.
هذه التفاصيل كانت مخفية، ولم يكن أبي مهتما بها البتة، لكن لما حاول صديقي الشاعر علي الشباني نبش الحوادث المهمة في تاريخ الديوانية أسمعني ـ عبد سوادي ـ تلك الحادثة وكأنها شيء بسيط من حكايات المقاهي وجلسات السمر والسكر غير داركٍ بأهميتها. ما سمعته وما أشتهر به ـ عبد سوادي ـ كموقف معروف ومعلن في المدينة هي النتائج المترتبة على تلك الفعالية. أخبرتني أمي شاكية من حماقة ـ أبي ـ
ـ أسمع أبوك يتصرف وما يعرف النتائج. اللي بالحزب رجعوا من النجف عن طريق نجف ـ حلة، عمك موسى وخليل، وأبوك وعمك عيسى رجعوا عالطريق العادي وبالشامية لقطوهم، أبعدوهم إلى الشنافية ـ وقتها كانت ناحية الشنافية منفى ـ ظل بالحجز. ولما توسطنه إله قريبه ـ كاظم جاسم ـ وأعيان المدينة، وطلبوا منه التبرء مما فعله حتى ما يسفروه خارج العراق!.
صمتت أمي قليلا قبل أن تسألني:
ـ تعرف أش كال أبوك!.
سألتها:
ـ أش كال!.
كنت أنصت بلهفة، فرغم مرور أكثر من عشرين عاما وقت رويها على الحدث، لكن أمي بدت منفعلة وكأن ما حدث حدث البارحة. فهدرت وهدر أمي هادئ يرصده السماع في ملامحها وليس في صوتها:
ـ تعرف أش رد عليهم أبوك؟!.
ـ ..
ـ أخذ سلال التمر والعنب وشدّات الخبز ووزعها على رفاقه المحتجزين ورد بلا مبالاة :
ـ أني أتسفر ليش؟!. أني عراقي، لكن الملك هو اللازم يتسفر يرجع لبلده السعودية.. هو دخيل على العراق أجه وي الجيش البريطاني، أنا عراقي واللي يحكم العراق مو عراقي!.
رفض كتابة التعهد لكنهم أطلقوا سراحه لاحقا بعد أن تيقنوا عدم علاقته بتنظيم ما. هذا ما كنت تعيبه أمي عليه. كونه لا يحسب ردودا للفعل الذي يفعله. هذا الداء سوف يرثني أياه. وسأغامر في خضم مختلفٍ أشد وطأة وأعسر وسأنجو بمحض صدف وسأحاول كتابة كل ما رأيته من زواية تشبه زاوية أبي ـ عبد سوادي النجار ـ الحيادية والصريحة أجمل داء ورثته عنه كانت تعيبه امي عليه.
كنت أنصت لأمي وهي تبدي عجبها من موقف أبي رغم مرور أكثر خمسة وعشرين عاما
لما وعيت وتشكلت ذاكرتي لم يسجن أبي ـ عبد سوادي ـ مرة فسألت أمي:
ـ كيف تخلص من الشبهة!.
ـ لمن إجه عبد الكريم قاسم وأنقلبت الأمور. عرفوا أبوك ما عنده تنظيم بالحزب الشيوعي، بتلاثة وستين لمن قتلوا القوميين عبد الكريم قاسم ما أخذوه!.
كانت تلك الحوارت تجلب لي المتعة والخيال، فأمي ـ علية عبود ـ التي كانت تحدثني في أوائل السبعينيات، تورطت في السياسة زمن قاسم، ونشطت في تنظيم ـ رابطة المرأة العراقية ـ الواجهة النسائية للحزب الشيوعي العراقي وقتها زمن المد اليساري الذي عمَّ العالم. لا زلت أتذكر ـ مقر رابطة المرأة في الديوانية ـ وكان يقع في مدخل شارع السراي في الجهة اليسرى للداخل من جهة محلة الفاضيلة أي من جهة جامع ـ الحاجم ـ الذي لم أجد أثرا له لدي زيارتي للمدينة في شتاء 2004، كانت أمي تصطحبني معها وكنت أبن الخامسة ـ لا يستغرب القارئ فأنا أتذكر أحداثا قبل هذا العمر تبدو مثل حلم لكنني تحققت منها لاحقا ـ وكان المشروع فتح مشغل خياطة لتعليم النسوة تلك المهنة. كان الوقت مساءً وأمي هي اللولب في المشروع، ليس هذا فحسب بل ما علق بذاكرتي وأراه الآن واضحا وجليا هو أحتفال أقيم بمناسبة تأسيس ـ أتحاد الطلبة العام ـ في قاعة مدرسة التهذيب الأبتدائية. كانت تجاور بيت جدي في محلة ـ الفاضلية ـ على بعد فرعين، حيث أقيم أحتفال فخم، لم أتذكر أي عام بالضبط، لكن لما أستفسرت ممن كان ناضجا أو مشاركا أخبروني أنها كانت عام 1959 أتذكر بوضوح وأنا في لحظة الكتابة أرى أختى الكبيرة ـ ساجدة عبد إبراهيم سوادي ـ شابة يافعة تقف جوار إبن عمتي ـ سعد عبد الباقي البناء ـ وهما يشرفان على لعبة من اللعب المقامة بذلك المهرجان.. ( سأعلم لاحقا أنهما يحبان بعض، سيعتقل سعد في بغداد وكان مسؤولا لتنظيم الحزب الشيوعي في الكاظمية، سأضطر لما عدت سرا من كردستان عام 1983 إلى الأختباء في بيتهم في تكريت، والمشهد الذي وصفته في روايتي ـ رؤيا الغائب ـ التي صدرت عن دار المدى 1996 عن المختفي الذي يراقب في عمق الليل مفارز التفتيش، وهي تفلي البيوت بيتا بيتا وجواره أخته هو مشهد واقعي تماما كنت جوار أكبر أخواتي ـ ساجدة ـ زوجة ـ سعد ـ إبن عمتي في تلك الليلة المرعبة التي كادت أن تكون النهاية كما حدث لكثير من أبناء تربتي ).
علمت لاحقا أن أختي ـ ساجدة ـ كانت عضوة في الحزب الشيوعي العراقي، وأمي كذلك، والمفارقة أن أبي ـ عبد سوادي ـ لم يكن له أية علاقة تنظيمية بالحزب الشيوعي. لما جاء البعثويون في شباط 1963 جاءت معهم كل أساطير القتل وفنون التعذيب وأرثه الكامن في التاريخ، أضطرب وقتها كل شيء. تغيرت أحوال الديوانية بعيني وكنت وقتها أساعد عمي ـ خليل الحلاق ـ في دكانه الكائن أمام مقهى اللواء في رقبة جسر الرابط بين شارع علاوي الحنطة وشارع الصيدليات. لا زلت أتذكر أبي في بيتنا القديم في منطقة ـ حي العصري ـ المنشأة قبل سنوات خمس من وقت وقوع الإنقلاب. غرفة شباكها يطل على الشارع العريض، وحوش شاسع في طرفة غرفة طين. كل غروب يمكث ـ عبد سوادي ـ خلف باب البيت ماسكا فأسه، متوترا، شبه مجنون بعد كأسين من العرق الزحلاوي، رادا على توسلات أمي بعنف قائلا:
ـ مال ياخذونج أنت وساجدة أمام عيني.. مستحيل! أقتل واحد لو أثنين منهم بفاسي قبل ما يقتلوني واللي يصير وراي ما يهمني!.
أدركت سر ذلك الجنون لما كبرت وسمعت قصص أغتصاب النسوة العراقيات المعتقلات التي أرساها البعث كثقافة في وقتٍ مبكر!. أدركت لم كان يكمن خلف باب بيتنا الخشبي في مدخله غير المبلط. كنت إبن التاسعة الداخل في حيرة العراق للتو من باب أبيه ـ عبد سوادي النجار ـ .
لم يحدث ما كان يخشاه. عرفت لاحقا أن شخوصا من العائلة كانت فاعلة في السلطة الجديدة كان لها فضلا في عدم إعتقال أمي وأختي الكبيرة. والشخص الفاعل ذاك هو ـ كاظم جاسم الحبيب ـ ( أبو فائز ) الذي ورد ذكره في كتاب كتاب ـ فضائخ الفاشست والمنحرفين ـ الذي صدر عقب سقوط حكومة الحرس القومي في تشرين 1963. هذه العائلة ترتبط بعائلة ـ آل سوادي ـ بصلة قرابة وتداخل من جهة جدتي ـ أم أبي. سيستمر أبنه ـ فائز ـ في هذا الخضم السياسي، سيختلف مع صدام وزمرته، سيهرب إلى الشام ويصبح عضوا في قيادات البعث القومية في ـ سوريا ـ سيعود نادما في أوخر السبعينيات من القرن الماضي سيطلب ـ صدام مقابلته ـ هو أخبرني ـ فائز ـ بتلك القصة. سيجهر لصدام تعبه ورغيته بحياة هادئة في مدينته ـ الديوانية ـ سيوفر له ـ صدام ـ ذلك مقابل أعتزاله حقا السياسة. فائز فعل ذلك حقا وتزوج قريبة له هو أخبرني بذلك ووصف لي مقابلته لصدام شخصيا، قدرت وقتها بأن فائز تحول من رمز وشعله إلى فرد عادي وذلك أدركه الدكتاتور وجعله يعفو عنه. فائز الوديع، زارني لما زرت الديوانية في شباط 2004 في بيت أهلي في الحي العصري. نفس الصفاء والضحكة الهادرة، أخبرته عن عملي في إذاعة صوت العراق من دمشق في عام ـ 1990 ـ وقلت له الكل يتذكرك من رفاقك القدامي. كان بعيدا، جميلا، في وضع بشري تمنيته لنفسي، كان في رحم الديوانية والبيت والعائلة رغم كل ما يجري وهذا ما لم أقدر عليه أبدا. مازلت ذاك المراهق الديواني الثائر الذي يشب ويحترق ولايخفت أبدا. ما زلت كذلك إلى هذه اللحظة.