المحرمات الخفية داخل الأماكن الدينية

محمد لفته محل
2017 / 11 / 1

لطالما كان المقدس النقيض النوعي للمدنس حتى أن احدها لا تعرف إلا بنقيضها مفصولة كل منهما بمحرمات تمنع اندماجهما، ولا يمكن الانتقال من احدهما إلى الأخرى إلا عبر طقوس عبور أو تطهير أو تكفير، وهذا ما تشتمل عليه جميع الأديان كما أوضحت المدرسة الفرنسية في الإناسة. فالمقدس له طابع القوة الغامضة التي تجذب أحياناً وتنفر أحياناً وفي أحيان أخرى تجذب وتنفّر معاً. وهو ما يثير في النفس الخوف والرهبة والاحترام والخشوع الذي يبعدنا ويرغبنا فيه في نفس الوقت. وينتج عن هذه المشاعر المختلطة من الاندهاش والرغبة والانجذاب والفضول والتحفظ والقلق والفزع والخوف مما يجعلنا نحبه ولا نجرُؤُ عليه في نفس الوقت.(1) ويبرز المقدس كمحظور محفوف بالمخاطر، وكل من يتجاسر على لمسه حلّ به عقاب تلقائي فوري، له القدرة على الانتشار، ويجب حمايته وعزله عن كل ما هو دنيوي.(2) والنجس أيضاً ينبغي تجنبه حتى لا تنتقل رجاسته الينا لان له قدرة على التفشي(3). هذا الفصل بين المقدس والمدنس هو مدخل لظاهرة مسكوت عنها تكسر هذا الفصل هي عمليات ارتكاب المحارم في وسط المقامات والمساجد والكنائس والطقوس. حيث تمارس حالات لواط بين رجال الدين ومصلين واطفال في المساجد والكنائس (بيدوفيليا) والزيارات الشيعية أو التحرش بالنساء في أضرحة الأولياء حتى اضطر بعض مسؤولي الأضرحة للفصل بين الجنسين، وهو المسكوت عنه في الدين، كونه ممارسة للحرام في منطقة المقدس! وهو انتهاك جسيم حتى بمجرد الحديث عنه. فما سبب هذه الظاهرة المتواترة التي يعرفها الكثير منا ويسكت أو يعتم عليها، ولا يجرؤ على الحديث بها إلا بصوت خافت أو بين المقربين مصحوبة بالضحك أو الغضب؟ أو نسمع عنها في بعض الصحف أو في التسقيط الطائفي بين المسلمين.(4) كيف يمكن أن يمارس الحرام في وسط المقدس؟.
تقول (صوفية السحيري) كان بعض الأولياء يسمحون لأنفسهم القيام ببعض الأفعال كخرق القواعد الأساسية للشريعة والأخلاق، فبعضهم يهيم على وجوههم في إفريقيا عراة مكشوفي العورة، وهم على درجة منحطة لدرجة يضاجعون النساء أحياناً في الساحات العمومية كما تفعل البهائم. ومع هذا يعتبرهم العامة من أولياء الله(5). والنبي (اشعيا) ظل ثلاث أعوام عارياً.(6) وأحد الاولياء كان يستقبل زواره وهو عار. فكأن العري من المقومات الأساسية، لولايتهم، ومن المعروف أن عبادة الأولياء كانت وما زالت حجة للعديد من انفلات العواطف والغرائز.(7) إن الدوافع الكامنة وراء زيارة المرأة للأولياء الصالحين لها علاقة بالجسد الأنثوي الذي يبحث عن متنفس أو عن الفرج السحري للولي، وكان بعض الأولياء يلمس النساء ويقوم ببعض الأعمال الخفية إذا اقتضى الأمر ليشفيهن من المرض.(8) وهذا الشيء موجود في المجتمع العراقي حيث يستغل بعض رجال الدين النساء الأرامل جنسياً باسم زواج المتعة او العرفي دون أن يخل ذلك بمكانته الدينية، أو أن بعض النساء "تحبل" من المقام بمجرد الدعاء للقبر مع نية صادقة دون أن يعتبر ذلك الحمل زنا أو طفل غير شرعي من جماع بلا عقد، أو يمارس بعض "أصحاب الكرامة" شبق أو جماع مع المرأة لحل عقدتها (العقدة "مشكلة مستعصية" في العامية العراقية "ﻣﻌﮕوده" بفعل سحر أو حظ نحس)(9). إن الزاوية أو المجال الأوليائي يصبح متنفساً للرغبات المكبوتة والمقموعة، كما كان ملتقى كل المتناقضات، تزول داخل هذا الفضاء المحّرم الممنوعات، فما يحرم خارجه يباح داخله وما يباح خارجه يمنع داخله.(10)
والسؤال كيف يمكن لهذه الممارسات أن ترتكب وتتكرر دون الشعور بالذنب أو الخوف من لعنة الحرام؟ لأنه انتهاك للمقدس في حرمه؟ يجب علينا أن نعود إلى مفهوم المقدس والمدنس إناسيا حتى نقترب من جوهر المشكلة ربما. فالتناقض النوعي بين المقدس والمدنس لم يكن هكذا تاريخياً. لأنهما يشتركان جذرياً باللغة والصفات، ما دعا البعض إلى إرجاعهما إلى أصل واحد (روبنسن سميث). فهي قوة تتحدّد في أحد اتجاهين، فإما أن تكون مصدر خير وبركة أو أن تكون مَجلبةً للشرّ والبلوى. إنها ملتبسة طالما هي حيّز الإمكان، لكنها متى انتقلت إلى حيّز الفعل اتخذت منحىً أحاديّاً(11). انطلاقا من وحدة الأصل هذه سمى (روجيه كايو) هذه الصفة ب(معكوسية الطاهر والنجس).
يقول (كايو) إن مفهومي الطهر والنجاسة يبدوان في غاية الحِراك والتعارض والالتباس، لأنهما قابلان لأن ينسبا إلى هذا الشيء أو ذاك تبعاً للظروف، وبالتالي تصحّان في كل الكائنات والأشياء. لذا كان يشار إلى القداسة والرجاسة بلفظ واحد يدل على كل القوى الفائقة للطبيعة.(12) ولا تدلاّن على تعارض خلُقي، في الأصل، بل على قطبية دينية.(13) وهناك ما يوحي بأنهما كانتا مندمجتين في البداية كل الاندماج للتعبير عن التجليات المتعدد لكل معقد.(14) لذا غالباً ما يُشار إليهما بلفظ واحد، حتى في أكثر الحضارات قدماً.(15) (كلمة حرام بالعربية تشير للمقدس والمدنس، فبيت الله "الحرام" والشهر "الحرام" (مقدس) والخمر والزنى "حرام") واللافت أن المحظورات التي تقي من الرجاسة هي نفسها التي تعزل القداسة وتحمي من ملامستها.(16) لان كلاهما محظور لمسهما، ويمتلكان تأثير العدوى، ويجلبان القدرة على البركة أو اللعنة، وللتواصل معهما ينبغي الخوض في طقوس تكفير أو تطهير تسمح بالدخول والخروج منهما. بذلك تكون مفاعيل الإلهي والملعون، والقداسة والرجاسة، هي نفسها في الأشياء الدنيوية التي يُقضى عليها بالنبذ والسحب من التداول حالما تبثّ فيها قوتها المخيفة.(17). إن هذه المعكوسية موجودة لدى المجتمعات البدائية حيث أن انتهاك المقدس بقتل حيوان مقدس يحاط فاعله بإجلال عظيم، رغم اعتبارهم أنجاس ينبغي تكفير وتطهير فعلتهم بطقوس قبل الاندماج بالجماعة.(18) وبالعكس فإن من يرتكب النجاسة يوهب قوة باطنيةً.(19) والتانترا البوذيون كان عليهم انتهاك المحرمات باكل الحيوانات المحرمة وخلطها بالبراز والبول لكي يصبحوا متمرسون(20) وقد كان الآلهة والملوك يمارسون السفاح دون الإخلال بمكانتهم لأن مكانتهم هي التي أباحت المحظورات عليهم، وفي الأديان التوحيدية، للإله حق في الإبادة الجماعية (البلاء الالهي الذي المدن ويقتلهم جميعاً كما تذكر الكتب المقدسة) دون أن يعتبر جرماً من المؤمنين به. واثناء الحرب الأهلية الطائفية بالعراق 2006 ارتُكبت عمليات قتل وتعذيب داخل المساجد من قبل "مجاهدين" ورجال دين، من دون أن يكون جرما في نظر أتباعهم. أن حيازة القداسة يعني القدرة على انتهاك المحرم شرعا. ولا يعطينا (كايو) تفسيرا لهذه المعكوسية سوى تقارب معنى الكلمتين في المضمون والصفات والسلوك لكونها من أصل مشترك. واستطيع جريا مع المدرسة الفرنسية في الاجتماع الديني أن استنتج أن المقدس هو الجماعة ذاتها التي تبيح الحرام وتحضره بقدرتها الفائقة على الفرد وغرسها النواهي بداخله عبر التنشئة والعرف والعادة. وهي من كانت تبيح له انتهاكها في طقوس دورية مقدسة مثل اكل الطوطم. فالحلال والحرام يستمد شرعيته من الجماعة وهي من تبيح المحظور، وتحظر المباح (مثلا في الأعياد والحروب والاحتفالات والمزاح تباح المحظورات من الجماعة)، ومن هنا وحدة الأصل للمقدس والمدنس إنها الجماعة. بالتالي قد تكون بقايا أثرية لاشعورية لدى الفرد لطقوس قديمة مثل البغي المقدس عند السومريين مثلا حين يمتزج العهر بالقداسة؟ أو مثل انتهاك اقدس المحرمات في الوليمة الطوطمية بأكل المعبود في أقدس الطقوس الدينية؟. وربما تتفاعل البقايا الأثرية مع رغبات الأشخاص بحسب شدتها وكبتها؟ فيكافحها المجتمع لعدم تلائمها مع نظامه؟. والفرد عندما يقوم بالتماهي مع المقدس ليبيح المحظور شرعا، إنما يقلد فرديا طقس الجماعة التي تبيح فيه أقدس المحرمات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_صوفية السحيري بن حتيرة، الجسد والمجتمع، دراسة أنتروبولوجية لبعض الإعتقادات والتصورات حول الجسد، مؤسسة الانتشار العربي، دار محمد علي الحامي، الطبعة الأولى 2008، ص309.
2_روجيه كايوا، الإنسان والمقدّس، ترجمة سميرة ريشا، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى: بيروت، آب (أغسطس)2010، ص37،38.
3_نفس المصدر، ص63.
4_يتبادل السنة والشيعة فيما بينهم تهمة اباحة زنا المحارم في فقه كل منهم او اباحة اللواط، ويتهم السنة الشيعة بحدوث علاقات محرمة بين الجنسين اثناء الزيارة ويعتبرون زواج المتعة (سمسرة/ﮔواده) وينعتوهم (ولد المتعة) او (نغوله) كشتيمة، ويتهم الشيعة السنة بإباحة (جهاد النكاح) الذي تتزوج المرأة بموجبه عدة رجال في اليوم الواحد. وحدثني زميل بانه يشهد او يقوم بممارسة اللواط في بعض الزيارات الشيعية اثناء المبيت في بيوت الزوار، وحدثني آخر ان صاحب موكب يلوط ببعض الزائرين تحت المنبر، وحدثني صديق ان المولد النبوي فرصة لشباب (الاعظمية) لإقامة علاقة مع الشابات. ويحدث في ايام الزيارت عندما تفرغ بعض البيوت من الرجال وتبقى به بعض النساء تسمح بعضهن للصديق ان يدخل معها للبيت، او العكس يجلب بعض الرجال صديقاتهم في ظل خروج زوجته للزيارة.
5_صوفية السحيري، مصدر سابق، ص312.
6_فالح مهدي، البحث عن منقذ، دراسة مقارنة في ثمان ديانات، دار ابن رشد للطباعة والنشر، الطبعة الاولى1981، ص113.
7_صوفية السحيري، مصدر سابق، ص312.
8_نفس المصدر، ص111.
9_بعض الاشخاص في المجتمع العراقي، يظل يحتفظ بلقب (سيد) ومحترم مهما كان منحطاً أخلاقياً لمجرد ان جده نبي الإسلام. أو بسبب كونه (مجاهداً) يتم الغاضي عن جرائمه.
10_صوفية السحيري، مصدر سابق، ص111.
11_روجيه كايوا، مصدر سابق، ص55.
12_نفس المصدر، ص11.
13_نفس المصدر، ص54.
14_نفس المصدر، ص53.
15_نفس المصدر، ص56.
16_نفس المصدر، ص64.
17_نفس المصدر، ص65.
18_نفس المصدر، ص72.
19_نفس المصدر، ص73.
20_جيفري بارندر، الجنس في أديان العالم، الطبعة الأولى 2001، دار كلمة، ص70.
5/11/2016