-صورة صلاح الدين الأيوبي في الآداب الأوربية- بين الأنصاف والتجني.

صلاح شعير
2017 / 10 / 26

صدر عن دار النابغة للنشر والتوزيع كتاب "صورة صلاح الدين الأيوبي في الآداب الأوروبية الوسيطة"، للدكتور أحمد درويش أستاذ النقد الأدبي والبلاغة والأدب المقارن بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة، وتدور فكرة الكتاب حول دور الأدب في رسم صورة الآخر، وتتحرك هذه الصورة في الكتابات الأدبية في الغرب إنطلاقًا من السمات الشخصية للمؤلف، فأذا كانت متعصبًا رسم صورة شديدة السواد، بعيدًا عن الحقائق التاريخية، وأذا كان محتالا زيف معالم التاريخ في الأدب، وأذا كان معتدلا كتب بأمانة، وهذه الصور المتعددة قائمة في الفكر البشري كنموذج للتفكر، لا فرق فيها بين الشرق والغرب، إلا أن الشعوب المتحضرة، والأدباء الناضجين ثقافيًا يفضلون ذكر الحقيقة إيا كانت، وهذا هو المنهج العلمي في علم التأريخ بصفة عامة، وفي الأدب بشكل خاص.

ظهور صلاح الدين: ينتمي صلاح الدين إلى أسرة كردية، من أذربيجان استعربت حين نزلت العراق، ويرى آخرون أنها أسرة عربية تنتمي إلى مروان ابن محمد أخر الخلفاء الأمويين، وينتمي إلى مضر أو عدنان، وكان أبوه حاكمًا لقلعة تكريت، وعمه أسد الدين شيركوه مساعدًا له، وعندما ولد صلاح الدين عين أبيه حاكما لبعلبك.

أنتقل "صلاح الدين" إلى لدمشق في عهد نور نور الدين زنكي، ونجح في قطع دابر اللصوص بها، وتلك كانت بداية صعود نجمه السياسي.

وعندما حدث صراع في مصر بين وزيري الخليفة الفاطمي ضرغام الذي استعان بالصلبيين، وشاور الذي استعان بنور الدين، أسفرت بعدها الأحداث عن سيطرة "صلاح الدين" على مصر وبزوغ نجم الدولة الأيوبية، ومن ثم القضاء على معاقل الصلبين في الشرق في موقعة حطين الشهيرة في 4 يونيو 1181م.

ومن اللافت للنظر أن الحروب على قدر شراستها وقسوتها، قد أسفرت عن امتزاج الحضارة البشرية، بطريقة قسرية، وقد برز هذا التأثير المتبادل في الحروب الصليبية العربية، بيد أن هذه الحروب قد أوضحت عدة نقاط منها:

أولا صورة "صلاح الدين" في الآداب الغربية: تنوعت هذه الصورة مابين الهجوم الحاد على شخصية البطل، وما بين تحريف الصورة، وقليلا من الأنصاف وقد أسفرت بعض النماذج التي اوردها المؤلف عن عرض التالي:

1 - الصورة السلبية للمسلمين في أدب الغرب: أذا كانت هذه الصورة قد انطلقت وقائع تاريخية حقيقة إلا أنها لا تطابق الأصل، وتكررت الصور السلبية التي ترسم صورة "صلاح الدين" ؛ سواء كان ذلك في القصيدة أو الرواية، أو المسرحية، أو الأغنية، وغالبًا ما تنتقل هذه الصور السلبية عبر الترجمة إلى الثقافات الآخرى.

وقد رصد الكاتب في ترجمة العمل الملحمي الفرنسي "أنشودة رولاند" جزءًا من هذه الصور السلبية، وقد قدم الإيطالي فيور "أفانتي" 1981م دراسة حول أسطورة "صلاح الدين" في الأدبين الإيطالي والفرنسي، في العصور الوسطى، حيث برزت قصيدة لشاعر مجهول تدعى أن "صلاح الدين" كان صديقًا لزوجة نور الدين، وبفضلها حظى برضا السلطان، وغيرها من صور شديدة السلبية أتفق فيها الأدب الغربي مع الحملة القذرة التي يتعرض له "صلاح الدين" في هذه الإيام، من بعض الشواذ، أو عملاء الكيان الصهيوني، الذين يرون في حطين صورة للمستقبل العربي القادم، ومن ثم يحاولون وأد فكرة البطل عبر هدم شخصيته الذي يستمد منه تيار المقاومة في العالم العربي النموذج والقدوة.

2- الاحتيال في سرقت نبل صلاح الدين: أم الصورة الآخري في الآداب الأوروبية، فهى صورة الإحتيال غير البرئ، وتتلص هذه الصورة في نسب كل الخصال الحميدة في شخصية البطل على أنها ذات أصول أوروبية أو مسيحية، وفي هذا الصدد تروي "حوليات إرتول" أن ملكة بيت المقدس " رهون فروادي" استجابة لطلب "صلاح الدين" بأن علمته الفروسية، وقال "دانتي" في "الكومديا الإلهية" أن "صلاح الدين" ، والأسكندر الأكبر سيحشران مع كرماء الإنسانية بعد تطهيرهما بالنار، وغيرها من صور متعددة.

أسباب نسب أصول صلاح الدين للغرب: يرجع ذلك للمواقف النبيلة التي ظهرت من "صلاح الدين" في فترة الصراع، وتمتعه بالحس الإنساني، ومنها كرمه مع الأسرى، ومن هذه النماذج أن "صلاح الدين" أمر كاتبه أن يكتب لأحد الفرنسيين مائتي مارك ( أو دينار) فكتب ثلاثمائة، وهَم أن يعدلهاـ فأمره "صلاح الدين" أن يكتبها أربعمائة حتى لا يقال أن القلم اكرم من "صلاح الدين" ، ومن الأحداث التي تستند إلى واقع تاريخي فعلي، معاملة الأسرى، وعدم مصادرة أموال الأثرياء، والملوك، والإفراج عن أزواج النساء، وأولادهن، للم شمل الأسر، ودفع الفدية عن الأسري الفقراء، من ماله الخاص، فقد روى أن "صلاح الدين" تبرع بنحو عشرة آلاف من الدنانير، وتبرع أخيه بنحو خمسة آلاف لإطلاق سراح الأسرى الفقراء، وكان يشرف بنفسه على علاج المسحيين، وكان يقدم لهم الهدايا في أعياد الميلاد.

منطق الاحتيال واحد: كان بعض الأدباء الغربيون يستكثرون هذه الصفات على قائد عربي، فيزورن الحقيقة، وتلك عادة الغزاة على مر العصور، وفي التاريخ الحديث يحاول الكيان الصهيوني سرقت الحضارة المصرية، كما حدث "مناحيم بيجن" رئيس الوزراء الإسرائيلى، أثناء مفاوضات "كامب ديفيد" فى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1978م عندما ادعى أن اليهود هم من قاموا ببناء الأهرامات، وقتها انفعل السادات، وغضب بشدة، ورد عليه بعنف نافياً مزاعمه، وماسبق ذلك بإدعاء أن فلسطين أراض إسرائلية، ومن ثم تتفق كل قوى البغي والعدوان على تزيف الحقائق، إلا أن تزيف التاريخ لا يدوم.

3 - الإنصاف المحايد: وهي نماذج قليلة، وربما حدث ذلك في الأدب الأسباني، الذي رسم صورة جيدة لـ "صلاح الدين" مبنية على الانبهار بنبله، وشجاعته، وقدرته على التسامح.

ثانيا صورة الغرب في أدب العرب: لقد تميزت معالجة الشعر العربي بوصفه ديوان العرب، بالحياد، وخاصة أن الشعر كان من أهم المنتجات لأدبية إنتشار آنذاك، وقد رسم الشعر صورة حقيقة عن الآخر، دون إهمال الجوانب الإيجابية في شخصية المحتل، ومن ثم انتصر الشاعر العربي اسامة ابن منقذ لفكرة الحياد حتى وهو يتكلم عن الغزاة، الذين عبروا البحار للسطو على مقدرات الشرق ومن هذه الصور مايلي:

صور سلبية: ومنها أن الملك العادل حصل لأسامة ابن منقذ نفسه على أمان كتابي من ملك الصلبيين في البر والبحر، وصار ابن منقذ مع أهله في البحر، فلما حاذوا عكا تعرض لهم قراصنة البحر الصلبيين ولم يبأهوا بكتاب الأمان الذي يحمله، وجردوه وأسرته من كل شيئ، وأخذوا الذهب، ونحو أربعة آلاف من الدنانير كانوا بحوزته، أضف إلى ذلك التعرض لقوافل الحج، ونهب ما معها من مال، وقتل الأسرى، وهذه الصورة البغيضة من قبل المحتل الصليبي تذكرنا بخسة الكيان الصهيوني في التعامل مع الأسرى المصريين أثناء حرب 1967م، ويروي د. عبد القادر نهنوش الضابط السابق في سلاح المدرعات بالجيش المصري أنه شاهد بعينيه بعد انتهاء حرب يونيو 1967 قيام جنود إسرائيليين بإبادة ما يقرب من 100 جندي أسير في منطقة "بئر الحمة" قرب مدينة العريش المصرية، أثناء ترحيلهم إلى معسكر "عتليت" الإسرائيلي.

تجلى النبل العربي في العصر الحديث أثناء الصراع العربي الإسرائيلي في معركة القدس بين إسرائيل والجيش الأردني، في حرب عام 1948م، عندما وقع إريل شارون أسيرًا في معارك اللطرون، وبعد أن أسره النقيب حابس المجالي، وكان جريحًا، وتم علاجه، كما فعل "صلاح الدين" مع الأسرى الصلبين بعد معركة حطين.

وفي الأدب العربي قد طرحت ألف ليلة وليلة العربية أسلوب الفرنجة في استخدام النساء والجنس في السيطرة على الآخر، وهذه الظاهرة باتت أداة من الأدوات التي تستخدمها أجهزة المخابرات الحديثة في تجنيد العملاء، أو التأثير على القرارات التي يتخذها الآخر الذي تم أختراقه بالحنس.

2- الصور الأيجابية للصلبين: من عادة القوي، والحكيم دائما أن يذكر القيم الإيجابية حتى وإن كانت في عدوه، لأن هذه القيم تبرز الحقيقة، وتنمي الخصال النبيلة على المستوى الإنساني، كما أنه ترسم صورة مفيدة عن الخصوم تفيد في شتى المعاملات. وقد أشار ابن منقذ إلى قيم الفروسية لدى الفرنجة، وهي صورة تستحق الاحترام أينما وجدت.

ثالثًا: أهم الدروس المستفادة مه هذا الكتاب: على الرغم من أن هذا الكتاب في مجالات الأدب المقارن، إلا أنه يوضح بالدليل التاريخي، الكثير من القضايا التي مازالت مستمرة، وسوف تبقى قائمة ببقاء الحياة على وجه الأرض ومنها مايلي:
1 - الاستغلال السياسي للدين: تلك الظاهرة قديمة قدم البشرية، وقد مورست في مختلف العصور، ففي عام 1071م عندما تمكن السلاجقة من أسر الأمبرطور "رومانوس ديو جينيس" أندفع القساوسة والباباوات في الغرب نحو إثارة المشاعر الدينية، وكان أكثرها إثارة للعاطفة موعظة إريان الثاني في مجمع كلير مونت 1095م، وحث فيها العالم المسيحي على تخليص قبر المسيح من يد المسلمين، ومنح صكوك الغفران للمحاربين، ووزع عليهم الصلبان، وصور الحرب على أنها دينية، في حين أنها كانت ذات طابع اقتصادي، وبهدف التوسع للاستيلاء على خيرات الشرق.

وما زال هذا المنطق متجددا في السلوك البشري حتي اليوم، فعقب هجمات 11 سبتمبر عام 2001 على نيويورك وواشنطن؛ قال الرئيس الأمريكي "جورج بوش" الابن للصحفيين "هذه الحملة الصليبية... ستستغرق فترة من الوقت" وذلك أثناء التمهيد لغزو العراق من أجل النفط، ومن ثم وظف "جورج بوش" الدين لحشد الجماهير خلف الجيش الإمريكي لدعم عملية السطو المسلح على مقدرات الشعب العراقي وثروات العرب.

وأيضًا تقوم بعض الجماعات المتطرفة حاليًا بإثارة المشاعر الدينية لأغراض سياسية، بهدف الوصول للسلطة.

2- النبل البشري مرتبط بالأرث الحضاري: لقد أكدت الأحداث التاريخية في عهد "صلاح الدين" أن تصرفه النبيل أنما جاء كنتيجة من الإرث الحضاري للتاريخ الإسلامي، الذي يعلي من مكارم الأخلاق، وقد تخلف المسلمين جراء الابتعاد عن جوهر الدين، والركون إلى التكاسل، والصراع على السلطة.

3- قضية فلسطين لن يموت: ومن بداهيات السياسية أن القوة المرحلية مهما كانت باطشة لا تستطيع أن تنشأ حقوقًا على حساب أصحاب الأرض الحقيقيين، وأن الحقوق المسلوبة سوف تنتزع يوما ما.

4- السلام هو قمة التحضر: لقد برهنت الأحداث التاريخية أن النبل البشري هو بوابة السلام، وغاية كل البشر الأسوياء، وأيضًا لاسلام بدون قوة تحميه، وهذا هو التحدي أمام كل العرب، للتحصين أنفسهم ببرامج التنمية الشاملة، وأن فرصة الكيان الصهيوني في الاستمرار مرتبطة بالإنسحاب من كامل الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967م.

5- مصر هى القوة الضاربة: برهن التاريخ من خلال "صلاح الدين"، وغيره أن مصر هي القوة الضاربة في منطقة الشرق الأوسط، وأذا مرضت فلا تموت، وسرعان ما تستعيد قوتها من جديد، وأن فترة التراجع الحالية لا تذكر أذا ما قورنت بفترات التعافي عبر القرون، ولن تفلح أي محاولات مهما بلغت قوتها في إزاحة مصر من فوق خرائط صنع التاريخ.