العراق الثاني: أم العراق المفبرك؟

عبدالامير الركابي
2017 / 10 / 25


اكثر مايثيرحفيظة المرء وسخطه، الممتزج بالامتعاض والاستهانة احيانا، اذا خطر له ان يحاكم الممارسة المعتبره "حديثة"، على مستوى الافكار وتجلياتها، عبر متابعة حضور من تصدروا مهمة تاسيس السردية "الوطنية" الحديثة، بالاخص من زاوية احجامهم عن ابداء اي قدر مهما كان، من الاعتراض البديهي، على الغاء الاليات التاريخية البنيوية العراقية، ومحوها من الوجود، لصالح الاليات الغربية المستعارة، فقد قبل هؤلاء كون العراق لم يكن له وجود قبل عام 1920، وانه لم يمتلك ديناميات استثنائية، نجم عنها بناء حضاري، هو الاول والارفع في التاريخ الانساني، على صعيد المنجز، ناهيك عن الخاصية الامبراطورية الملازمة، وتكرارها بعد الامبراطوريات الاولى، عدا عن صعود بغداد، عاصمة العالم، والموضع الشرقي المشارف على العبور الى مابعد الزراعة، ويلفت النظر مستوى جهل هذه المجموعة من الكتبة الحفظة، من امثال "فهد"، وزكي خيري، وكامل الجادرجي، وغيرهم، ممن نسج على مقربة منهم، من القوميي النزعة * واكثر من ذلك، مستوى استعدادها لقبول الاستهانة بكينونتها التاريخية والوطنية، لدرجة اعتمادها نهج لايمكن وصفه باقل من الخنوع الغريب اذا لم يكن "العمالة الفهومية " للغرب ونموذجه الغالب.
ليس هذا فحسب، بل وقد درج هؤلاء على اعتبار الاقتراب من "الخصوصية" بمثابة انحراف عن المفاهيم الجديدة المتغلبة عالميا، او مايسمونه الموقف التقدمي الحديث، مؤكدين بهذه المناسبة كون اقدامهم على اعدام تاريخهم، لم يات سهوا، بل كممارسة متعمدة مشفوعة بسبق الاصرار والترصد، مع انهم حتى في هذه الحالة الاخيرة، لايرقون لاكثر من مستوى الببغاوات..وعلى فرض ان العراق انتقل عام 1920 كما يرى "المستحدثون" فورا الى الراسمالية، وصار بلدا تنطبق عليه منظومة قوانين الغرب، فهل يمكن او يجوز باي عرف، او اي نوع من التحري العلمي، افتراض انتقال مجتمع خلال بضعة عقود، من مرحلة تاريخية الى اخرى، هذا عدا عن كونه سيكون وقتها مجبرا على تدبر اشتراطات نمطه المعترف بها على حسب ماركس وانجلس، بملاحظتها الشهيرة عن "غياب الملكية الخاصة" في الشرق، واعتبارها دالة تفسر حتىا لحضور المبالغ به ل "الله".
هذا في اقل الاعتبارات، وبالحد الادنى،وانني شخصيا لا اكاد اصدق، او استطيع تخيل مثقف عراقي، لايخطر له ان يتساءل، ترى كيف امكن لسرجون الاكدي، ان يصل بنفوذه الامبراطوري، الى ليبيا، محتلا ساحل الشام، والاناضول غربا وشمالا، وعيلام الى الشرق، قبل 24 قرنا قبل الميلاد ولاكيف يمكن لكلمة "حرية/ امارجي" ان تظهر في نص مكتوب لاول مرة في التاريخ الانساني، ومفهوم العدالة وكل بنود حقوق الانسان المعروفه اليوم، عام 2355 قبل الميلا في شريعة وثورة كوراجينا، التي هي اعظم بالقياس النسبي، من الثورة الفرنسية، وثورة اكتوبر مجتمعتين، هذا غير تبلور اول وابقى رؤية كونية مفارقة للدولة التمايزيبة القاهرة، غير مالا يحصى من المنجزات، ومنها الكتابة، والدولاب، اعظم منجز تكنولوجي الى اليوم. هذا في القديم، عدا عن منجز الجوهرة الحضارية، للامبراطورية العابرة للقوميات والامم الصاهرة لها، في بغداد، درة التاريخ. ولا لماذا تكررت في هذا الموضع الصغير، اقوال من قبيل ماقاله سرجون الاكدي: "انا حاكم زوايا الدنيا الاربع"، وماقاله بعده هارون الرشيد بذات المعنى مخاطبا الغيوم: "امطري حيثما شئت فانت في ارضي".
اية بنية نفسية واخلاقية دونية، يمكن ان يتحلى بها شخص، هذا ماضيه، وهو يفخر بمنجز غيره بحماس، وبقطعية انتمائية، معيبة ومخجلة، للاخر، من دون اي " غيرة" او نبض من وطنية، في حين هو يعتبر نفسه ممثل "الوطنية" الاوحد، الذي لايشق له غبار. لقد ان الاوان، بعد ان تاخر كثيرا، لان يحاكم هؤلاء كعار، وكلحظة مكملة لمسار الانحدار الحضاري، وقرون الظلمة، طرأ في الفصل الاخيرعلى تاريخ العراق، وعلى العقل والثقاقة، والعبقرية العراقية الكونية، وليس هذا الاهم، بل الاهم منه هو متابعة وتحري، ماقد تسببوا به من اضرار، ومن تشويه للعقل، وللرؤية الوطنية والتاريخية، وماقد نجم عن سلوكهم بناء عليه، من كوارث، اودت في الحصيلة واخير، لما هو واقع حاليا.
لايحتاج المرء الى الكثير من التامل، لكي يدرك بيقين، بان العراق موقع كوني، وقمة من قمم الفعالية الحضارية الكبرى، الى جانب الهندية والصينية، والاوربية، الاميل لان تكون حضارة تقنية لامفهومية، والمتاثر مفهوميا والمتنازع داخليا مع الرؤية الكونية الابراهيمة/ العراقية، وان تسمية العراق المصطنع العشريني، تخفي وراءها عراق، كان في طريق التشكل منذ القرن السابع عشر حين توقفت مفاعيل " الانقطاع الحضاري العراقي الثاني" / استمر الاول من سقوط بابل عام 539 ق ـ م الى 636 ميلادية واستمر الثاني ممن 1258 مع سقوط بغداد على يد هولاكو الى القرن السابع عشر يوم بدات " الاتحادات القبلية" بالظهور في ارض سومر مجددا، واولها "اتحاد قبائل المنتفك" مؤرخا لبيداية صعود الدورة الحضارية العراقية الحالية الثالثة بعد الاولى السومرية البابلية والثانية العباسية القرمطية.
الدورة الحالية المستمرة الى اليوم والتي تقترب حاليا من مشارف الانقلاب الكبير التعبيري عن ذاتها، بعد ان مرت بالحقبة الثالثة "الايديلوجية" خاتمه الحقب القبلية الاولة والدينية التجديدية الثانية، كان من اهم مايميزها وقائعيا وفي العمق، اضطرارها للعبور وسط هيمنه الغرب المفهومية، عبر الايديلوجيات والدولة المركبة من الخارج، ماقد استغرق قرابة قرن من الزم انتهت عام 2003 مع انهيار الدولة " الحديثة" بعد 82 عاما من عمرها وبدء انهيار الايديلوجيات المرافقة، وانفتاح الافق على سيرورات استكمال التشكل الوطني العراق تحت شعار ومفهوم كوني هو الاعلى والارقى من كل ماعرفه هذا المكان من فعالية حضارية كونية عنوانها وما تنص علىه... المغامرة الكونية البشرية الكبرى الاخيرة عبر :
( مابعد غرب)...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المرجع الشيرازي امتازت حياته بجملة من المواقف "الوطنية" بالمفهوم المناسب لوقته، اولها موقفه قبل مرجعيته من زيارة ناصر شاه للنجف، ورفضه زيارته في مقرة الذي حل فيه، او استقباله على مشارف المدينه او ابعد من ذلك، او استلام الاعطيات منه، كمال فعل سواه من رجال الدين، مااجبر الشاه على قبول اللقاء به في الصحن العلوي الشريف، والزيارة بمعيته وخلفه، ماعزز مكانة الشيرازي، ثم انه قام ابان المجاعة التي حلت على النجف بالاشراف على ادارة شؤون المدينه خلالها، ونجح في اخراجها من الازمة بنجاح.
وبعد انتقاله لسامراء، اقام اول جسر هناك من اموال المرقد، وتنازل عن حقه، حين تعرض ابنه للاعتداء بالضرب من قبل بعض الاخوة السنه، مصرحا "انهم اخوة يتعاركون اليوم ويصطلحون غدا"، مع ان اصابة ولده كانت ثقيلة ، ولما قرر الحاكم العسكري الانكليزي، زيارة الشيرازي ابان المشكل، بغرض استغلال الموقف، رفض الشيرازي استقباله قائلا : " نحن مسلمون، شؤوننا تخصنا، فمادخل الحاكم الانكليزي"، ولا ننسى فتوى تحريم التنباك التي اصدرها المرجع في حينه، تلبية لنداء العلامة المجدد الشهير"جمال الدين الافغاني"، بعدما وصلته رسالة خطية منه.
ولو ان الشيرازي استمر حيا، ولم يتوفى قبل ثورة 1920 باشهر، واصدر هو فتوى الجهاد بدل تقي الشيرازي، خلفه، لاصبح ارفع قمة وطنية عراقية في العصر الحديث.
*لم يمل القوميون اجمالا للتركيز على التشكلات الوطنية فوسعوا اهتمامهم ليشمل " الامة". ولاتعرف لمحمد مهدي كبه، زعيم حزب القومية العربية العراقي "الاستقلال"، او لفؤاد الركابي زعيم البعث المؤسس، مقاربات واضحه على هذا الصعيد. فشكل نزوعهم الايديلوجي الفج، موجود في حقل آخر غير مختلف في الجوهر، يحيل " العروبة" الى "قومية" على النمط الغربي.