لم يصبح أيضاً هذه المرة أدونيس نوبِلي؟

وائل باهر شعبو
2017 / 10 / 20

لم يصبح أيضاً هذه المرة أدونيس نوبِلي؟

لا أدري ما هو المانع الأخلاقي أو أي مانع يمنع المبدع من أن يطمح إلى نوبل خصوصاً إذا كان بحجم الشاعر المفكر السوري أدونيس؟
الذي كان من المفروض حسب رأي العباقرة الثوريين أن ينخرط في لعبة الربيع العربي الاستخباراتية التي للأسف أول ما أجهضت أجهضت طموحات شعوب أرادت الحرية من القلب وليس مجرد شعارات يختبئ ورائها الرجعيون " الإمبريالييون"، الذين دعموا التوجه الديني "الديمقراطي" المسلح بقوة بحجة مواجهة العنف بالعنف رغبة منهم بالوصول إلى السلطة بسرعة، ولم يدعموا بشكل فعلي التوجه السلمي العقلاني الذي تستروا ورائه غيلة ، هؤلاء العباقرة الثوريين الذين أثبت الواقع بعد سبعٍ تدميرية ليس سوء تقديرهم النفطي فقط وإنما أيضاً ضعفهم في البصر والبصيرة الثورية الأخلاقية بل حتى البراغماتية .
ولا أدري لماذا جُعلت عبارة الماغوط (بدّو نوبل) الذي قدمه أدونيس للعالم الإبداعي حجة على أدونيس؟!.
عند حصوله قبل عام أو عامين على جائزة ريمارك للسلام، تفاجأ أدونيس العارف بخبايا السياسة الغربية بشجاعة أكاديميي الجائزة، لأن موقف الغرب السياسي العام ضد موقفه الفكري المتوازن من المحرقة السورية : ( لا تخرج الثورات من الجوامع بل من الجامعات ) كما قال "الجوامع التي دعمها النظام ولا يزال على حساب الثقافة والجامعات"، والكل يعلم مدى انغماس استخبارات أوروبا التابعة لأمريكا في الحرب السورية القذرة، ورغم ذلك تثبت أحياناً بعض الدوائر استقلاليتها عن الأخطبوط الإمبريالي وتعطي كل ذي حق حقه كما فعلت لجنة ريمارك التي استطاعت ما لم تستطعه الأكاديمية السويدية لاحقاً، التي أثبتت حين لم تمنحه جائزتها جبنها أو تسييسها، أو لنقل أثبتت إن لم يكن تبعيتها فعلى الأقل تأثرها القوي بذاك الأخطبوط المتوحش.
والسؤال الأهم هنا : لماذا أودنيس اللي (بدو نوبل) لم يطوّع موقفه الفكري سياسياً من أجل الحصول عليها؟، لماذا وهو يعرف أن موقفه هذا سيؤثر على نيله هذه الجائزة ؟ والإجابة باعتقادي: لأن أدونيس مبدع حقيقي وليس زائفاً أو أمعة أو حاقداً أو مستزلماً لأحد كما صار حال الكثير الكثير من المثقفين العرب والعالمين، ولأن أدونيس يهمه أولاً قبل كل شيء أن يبقى حقيقياً ليستحق نفسه، ويهمه أن يحكي حقيقة الأمور في المجتمع العربي المتخلف العنيف الجاهل، ولأنه يهتم بحال هذا المجتمع الذي خرج منه وعانى منه كما يعاني كل أصحاب العقول التنويرية، هذا المجتمع المحتَقَر من الغربيين حسب أدونيس، لأنه كما نعرف مجتمع هش مريض يخاف التفكير، مجتمع مازال يعيش "نفسياً وعقلياً" في البادية والصحراء ، مجتمع عالة على غيره طفيلي لا ينتج إلا الفقر والجهل والعنف والسخف والتبعية، مجتمع يدور ويدور ويدور حد الدوخان حول الأصنام المادية والمعنوية التاريخية بعيداً عن أي رؤية إنسانية مستقبلية ، مجتمع يبتذل كل شيء حتى الثورات .
لم ينل أدونيس نوبل هذه المرة أيضاً، لأنه لم يقف مع مشروع المنظومة الإمبريالية" الربيع العربي" بالإبقاء على البلاد العربية متخلفة أي مؤسلمة، فالإسلام هو أحد أدوات سيطرتهم على الطاقات الحيوية للأرض والعقل العربيين، لتبقى تحت قبضتهم المطلقة، وموقف أدونيس الثقافي والفكري والشعري يتناقض الآن أكثر من السابق مع مصالحهم الحالية المُشعلة في أرضنا حروباً حقيرة كجشعهم .
أما ما واجهه المناضل الثقافي أدونيس من الكثيرين ــ رغم اختلافاننا معه في جوانب إبداعية أو فكرية و حتى سياسية ــ من لئم وجهل سابقاً، وما يواجه حالياً من انحطاط وبلاهة وتذاكي مصدرها الجهل المقدس والبروباغندا الخسيسة أو حتى الحقد اللاواعي التي يرعاها الغرب المتوحش وعبيده في المنطقة،فأنه يجعله واحداً من أجمل مقاومي هذا الجهل كما كان صاحباه المعري وابن رشد وغيرهما من الأشجار الباسقة المنحوتة في التاريخ، التي ظنت بعض الحشائش بل حتى بعض الأشجار للأسف أن التعلق بثورات البترودولار المصنعة استخبارياً سيجعلها ريحاً يمكن أن تهز شيئاً من صلادتها.
لم يربح أدونيس نوبل هذ العام ا أيضاً، وأظنه لم يتفاجأ، لكن أتمنى ألا يفوت الآوان قبل أن تخسره كحالة فكرية ثورية عربية تحاول الرمال النفطية المتحركة ابتلاعها، والبروباغاندا الإمبريالية تحجيمها .
ربما كان هناك من يستحق الجائزة أكثر من أدونيس، لكن هو يستحقها على الأقل من منطلق أن أدونيس يحمل علم التنوير في محيطات الظلام الديكتاتورية أو الثيوقراطية التي تتحكم بها الديمقراطيات الغربية لخدمة مصالحها النافقة إنسانياً.
وائل شعبو