طقوس الهذيان

رولا حسينات
2017 / 10 / 16

هو يعلم كيف تعيش هوام الليل ومخلوقاته، وتلك التي فضلت القاع على السطح، هي قادرة على التكيف مع ما حولها بأن تخضع حواسها لتستقرئ العالم حولها، كما تلك الحواس خاضت مخاضها ، ورجت جسدك رجاً، وجعلته متمكنا من قول الشعر...
رداؤها الأزرق... عيناها بحران، هذا عذاب فرات وهذا آخر مخضب بالحناء...صبابة الصبا فيه، وشعرها الكستنائي يتناثر أمام عينيه كحورية من الجنان... وقد سال سكون الحزن طافقا يطوي معالمها، يتذكرها بمعنى الوجود ...
كونها لا تصلي مثله، كونها لا تسجد لذات القبلة... كونها تجلس أمام صورة العذراء والسيد المسيح، وتضيء الشمعدان، وتتلو ما تردده مريم وإميل، وكونها لا تلقي بوشاحها الأبيض ليغطي كتفيها... لا يجعلها بعيدة عنه... هي تتعبد بسكون وخشوع وهو كذلك، هي تذوب بسكون وهو كذلك، هي تلتهم الأدعية إلى الرب وهو كذلك، هذا كله لا يجعلها إنسانا آخر في عينيه، فهي لا تختلف عنه كثيرا، إنها تصلي من أجل الرب والرب محبة الذي اختاره قلبها، ولو أنها أبصرت الكون حولها لوجدته أكبر من كونه صورة في إطار ذهبي يضيء على جنبيه شمعدانان... لن يكون الرب في قلوب غير قلوب الطهارة والعفة، مهما كانت قدسيتهم المطالبون بسلبه من الفقراء الموجوعين المحتسبين عنده...
رغم كل شيء هي خاشعة كما هو خاشع قلبه منفطر، نفسها والدموع لكليهما تفيض توسلا عله يحلها والآخرين من الظلم والقهر، عائشة ومريم وإميل جميعا أسرة واحدة تحت سقف واحد... يرفعون أيديهم إلى السماء حيث تكمن الرحمة.
كلهم يتوسلون بصوت وأنين إلا أم إياس، كانت تتوسل بصمت دفين، أم إياس التي فضلت أن تؤوي الجميع إلى بيتها ورحلت، أغمضت عينيها بسكون وبرودة وتيبس في يديها، وكأنما فارقت إياس للتو، لقد ورثوا البيت بكل ما فيه؛ بكل ذكرياته، أم إياس، وابنها الذي فقدته في الحرب الأهلية اللبنانية... قبل سنين.
أقرت بعدها أن ليس هناك أمل بأن يدفنوها في مقبرة المدينة، التي اتخمت بالقتلى من الأبرياء لقد افترشتها داعش والشبيحة والنظام والروس والأمريكان والإيرانيون واستحلت الأرض والسماء، ما أبشع أن تتكالب الكلاب إلى قصعتها على حين غفلة منك فيقع المحظور بأنك أنت هذه القصعة... تعددت الفرق والهدف واحد اختاروا مكانا واحدا ليوحدوا مآربهم فيه..
كما اختار ثلاثتهم مكانا واحدا ليجعلوه قبرا لأم إياس... رقدت تحت شجرة النارنج حتى تسقيها برائحة النارنج وتبقيها غضة، حفروا قبرها بمعول قد ركن إلى إحدى زوايا الحديقة المربعة التي تسكنها النباتات من كل صنف ولون، الخزامى... الياسمين... إكليل الجبل، وأصابع زينب ومخلب القط، وعطر الريحان يفوح في الأجواء...حفروا قبرها في الروض، وأنزلوها فيه ثلاثتهم يتلون آيات من القران والإنجيل... ما أعظم جنازتك يا أم إياس التي اجتمعت عليها الأديان مؤمنة إياك في مثواك الأخير...
لقد استطاعت عائش أن تحفر القبر بسرعة كبيرة...
أتتلمذت على حفر القبور يا عائش؟؟
يرن صوت الفأس في صدى البيت الفارغ إلا من الخوف...أعق وصيتك فأسقط نظري عليك وأنت تنبشين في المتر المحيط ببيتنا، لقد سحبته يا عائش، وكأنك تسحبين قطعة خردة بالية ورميته في الحفرة، والليل لم يكن ليفضح من تستر بوشاحه...وقد غاب ليلتها ضوء القمر...لم يكن هناك أي أثر يا عائش لأي شيء...
عندما أشرقت الشمس كنت تحتسين فنجانا من القهوة، وأنت تجلسين في برندة بيتنا الصغير والياسمين يغمس وروده البيضاء في فنجان قهوتك...كم من القبور نبشت يا عائش بدم بارد؟.
سرت إليك على مهل وقلبي منقبض لقد بدا صغيرا...
من أي شيء سأقلق؟... من صورة وجهك، من صورة يعقوب، أم من يدي المرتجفة؟؟!!
قد أجفل عما في الدنيا بأسرها لأجد من يطمئنني...عندها شعرت بي، فأدرت وجهك ليأسرني بابتسامة من الأعماق، وهرولت تحملينني يا عائش... وأنت ترددين...:ها هو البطل.
-عائش أين قبر أبي؟؟ فتبهت ابتسامتك وتنزلقين في جليد، وحزن عميق ومزيدا من الانكسار.


دُفنت ام إياس بسلام قبل أن تُدفن أجسادهم وهم أحياء...ما أن انتهوا من طقوسهم حتى حدث ما لم يكن بالحسبان، لقد احترقت المدينة من حولهم، وأجنحة الدخان تلقي بظلالها على ما تبقى من أناس...لقد غدت السماء قرمزية وقد أعتمت برمادها...
اختبئوا في البيت، وأوصدوا الأبواب، والنوافذ، ورائحة الموت تنسل إليهم من شقوق الجدران...
طائر الموت حلق فوقهم وهم يعدون الساعات...وقبر أم إياس تُرك يتيما من دون أن يكملوا وضع حفنة التراب الباقية، وبقي جزء منه شاهدا على أن هناك كائنا قد سكن في هذا المكان ولكن ما انزلق من كسف من أرضية البيت القديم جثم فوق القبر، وقد آذن له بالنسيان...
وأنت تتوسدين ذراعي يا ريحانة، ولم يكن لدينا ما نفعله سوى الغرق في الصمت، وكلانا قد استبعد من لعبة الدفن...

...تحت شجرة النارنج كان ثلاثتهم كل في فلك يسبحون..حتى أضاءت عتمتهم وهج قنبلة زلزلت المكان ...وانتهىت ببحر لزج من الدماء...
لقد كانوا جميعا تحت الركام...
لم عليه أن يبقى الناجي الوحيد...؟!
هو يرفض تلك القدرية هو يريد حبا... دفئا... هو يريد عائلة...لكنه الآن دون شيء.
ريحانة يأتيه صوتها من بئر عميقة، نبش تحت الركام حتى أدمى اللحم تحت الأظافر المنزوعة... لقد خرجت حية مضرجة بالدماء، وقد استحال جسدها إلى اللون السكني، وشظية ما رقدت في ساقها، مزق قميصه ليوقف الدماء... امتلأت باللون الأحمر والأنين قد فارقها...
أراد أن ينقذها... سكنت بهدوء قرب الجذوع المنحنية، المكللة باللون السكني... أمه... إميل... مريم لم يكن هناك صوت ولا أنين...
الركام فقط يعلم مكانهم، الأمكنة تشابهت تحت الركام حيث لا بشر، ولا صور، ولا ذكريات...
ارجع الصوت فلم يسمع شيئا... أخذ يزيل الأنقاض الواحد تلو الآخر...
أي كائن فيه هذا الذي يحمل الركام من صخور وحديد وأسياخ؟
أي كائن استحال وهو لم يتجاوز العاشرة بعد؟؟
يطفق والدمع في عينيه يغسله ولا يترك له شيئا...
سنوات تمضي لتكون رجولته... أظافره قد انتزعها الصخر الشرس بأنيابه، وهاهي تنزف دما لكم من الوقت سيبقى؟؟ وكم من الساعات قد هرست بين يديه؟...
أصواتهم ترن في أذنيه، وصورة السنونو الذي ملأ أرجاء البيت والمدينة والساحات...
لقد هاجر السنونو... ليعيش باحثا عن حبات القمح... لا هو وجدها... ولا هو عاد...
أنصاف الحلول..
يمقتها التي لا تجعله سوى مخبول... لا يقدر على أمر ...تلك الشعيرات التي نبزت في وجهه لا تمنحه صفة الرجولة بعد... إن لم يستطع فعل شيء.
عليه أن يعيدهم للحياة، لكنه ليس الذي منحهم الموت بسخاء، صنبور الدماء ينضح أمامه يغوص فيه بيديه، لقد رآهم مهشمين بلا أعين لتبصره...لم ترتعد أوصاله، ولم ينهزم يريد أن يجمع منهم كائنا بشريا يكمل وإياه الحياة...
لم يعد هناك ما يعرفه من صفة الجسد، لقد انتهى الأمر...
ها قد آن أوانك يا زفرة الفراق.. لقد ارتاحوا من همِّ الهروب، والبحث عن طوق النجاة، تلك الخطوط التي خطها في الجدار الأصم، وهو مغمض العينين حفظها وعليه أن يحفظ لريحانة حياتها، لا يعرف عن الطب الكثير وليس لديه الكثير ليحملها عليها، الشظية تعلن عن انتصارها في ساحتها، إخراجها قد يعني قطع الكثير من الأنسجة، وإبقائها يعني أنها قد تموت في أية لحظة...
أيًّا كان الخيار، لن يكون سوى قرار صعب، وعليه أن يتخذه مهما كلفه الأمر...




دوار ما أصابني وصورة مشوهة هذيت بها... أين أنا وريحانة قد أصابتها شظية في ساقها والدماء تنزف وأمي وإميل ومريم واراهم الركام...؟!!
أم إياس سبقتهم بكثير... وشجرة النارنج عارية وقفت شاهدة على تلك الدماء... والأرجوحة بقيت تروح وتجيء دون أن تذرف دمعها على من مات... صرت أبحث...و أبحث عنك، وأنا أهذي بين الصحوة، والغفوة...
والغشاوة البيضاء لا تراوح مكانها فوق عينيّ...من غرفتيها مددت حبلا طويلا يتنفس أنفاسك.. لكنه بالكاد استند بنظره على جذع من الحجارة المتهاوية... وكانت يوما شاهدة على العصور التي سبقت...
إلى أين يذهب ورائحة الدماء تشتهيها الذئاب؟؟
حمل ريحانة مواريا جسديهما في الأزقة المتهاوية، وهو يرقب السماء المرصعة بالرصاص... كان السنونو غافيا غفوته الأبدية...
.....
.....
يا أمي لقد أسلم الروح... وكثير من السنونو تساقطت إلى جانبه...
أمي إنها تمطر سنونو كالفراش في كل مكان...
لقد مات السنونو وماتت الفراشات ورائحة الموت تقترب والبنادق والمدافع تدوي..
دويّها...زحفها... يؤمنا... قيل ارجعوا ورائكم...
ولكن إلى أين الرجعى فإلى أين المستقر؟؟
و عن أي سور نبحث لنضربه بيننا ...باطنه فيه الرحمة ومن قبله العذاب؟؟
حيث لا يوجد سوى العذاب...
فما عادت هناك أسوار، وما عادت هناك مصاريع لتغلق وتفتح...
لا تهمه الفوارق...فلا فوارق بينهما...كل منهما آية ولكل آية..
ريحانة وجميل ستكتب لهما النجاة صدقيني لا تيأسي من مدام الصبر...
لقد صفت أم عينه وهو يكتم لهاثه وهو يشم أنفاسها التعبة...
ريحانة ستعيشين ثقي بذلك ...إن لم يكن فسأمنحك حياتي لتعيشي، ولتلدي صبيا تسميه باسمي...
هاأنذا يا قدر فامضي بي ما شئت وأينما اشتهيت ولا ترحم... فإني لن أرحم أحدا أبدا!!