أين العراق الثاني ؟(1/2)

عبدالامير الركابي
2017 / 10 / 14


بين عام 1914 و1921 ،حضر وتفاعل، ان لم نقل تصادم، عراقان، الاول كان بدأ بالحضور والتشكل صعدا منذ القرن السابع عشر، وهو مايمثل الدورة الحضارية التاريخية الثالثة المستمرة الى اليوم، بعد دورتين حضاريتين مرتا على ارض الرافدين: الاولى السومرية/ البابلية، والثانية العباسية / القرمطية، والتي انتهت مثل سابقتها، بحالة "انقطاع حضاري"، هي الثانية، بعد فترة الانقطاع الاولى 539/636 ، والتي استمرت هذه المرة من عام 1258 يوم سقوط بغداد على يدي المغول، الى القرن السابع عشر، حين بدات مفاعيل الانقطاع تتراجع، لصالح عودة التشكل الوطني المجتمعي، في نفس ارض التشكل التاريخي السومرية، مع بدء ظهور الاتحادات القبلية، واولها "اتحاد قبائل المنتفك" السومرية الحديثة.
الدورة الحالية عرفت حقبتين: الاولى قبلية، جسدتها "دولة لادولة" قبلية في "سوق الشيوخ"، والثانية دينية تجديدية، تجلت في "دولة اللادولة المدينية" المقدسة، في "النجف"، واسطورة حمد ال حمود، حسين الصويح. ونظام الاجتهاد والحوزة والتقليد، هما المنجزان الحديثان، المطابقان للحقبتين انفتي الذكرعلى التوالي، واعلى اشكال تمثيلهما المفهومي التنظيمي.
كانت اللحظة الاخطر الثالثة، والاهم من لحظات وحقب التشكل الوطني، تشارف على البدء، حين حدث تطور طاريء، لم يكن واردا في الحسبان، فحركة التشكل الوطني الحديثة الثالثة ( ان تاريخ الدو رات والانقطاعات المذكور هنا، هو تنويه بخاصيات الكيان العراقي المزدوج تاريخيا، وهي ظواهر ملازمة لبنية وكينونة هذا التكوين المجتمعي الحضاري، تناولناها لمرات من قبل، في جملة كتاباتنا تفصيلا، وبالاخص في كتابنا الصادر في بغداد عن "دار ميزوبوتاميا" عام 2015 ]انتفاضة الاهوار المسلحة في جنوب العراق 1967/1968 : 45 عاما ومايزال القتال مستمرا[ وفي مقالات متفرقة)، قد دخلت اولى خطوات الانتقال من ارض السواد، حيت انطلقت وتوسعت لتشمل ارض السواد، باتجاه الاعلى / الجزيرة ـ بحسب تسمية الجغرافيين والبلدانيين للعراق الاعلى /، حيث انطلقت، وتبدا دائما كقاعدة، بحكم تركز وكثافة عناصر الدينامية الحضارية هناك، فالنجف اظهرت وقتها، ومع بدايات القرن العشرين، ميولا واضحه للتمدد شمالا، صوب القبائل العربية في عراق الجزيرة الاعلى، وقام المجتهد الاكبر حسن الشيرازي وقتها، بنقل مقره الى سامراء، ليبدا من هناك عملية الدعوة الاستكمالية ( على عكس الشائع فان التشيع العراقي المنتشر في جنوب العراق اليوم، هو تشيع حديث، ترجع بداياته الى القرن الثامن عشر، وتم على يد النجف والحلة، اللتان كانتا ترسلان الدعاة "الموامنه" ليقيموا وسط القبائل، مستفيدة بالطبع من الظروف، ومن مفعول اساسي وملائم لمفهوم الغيبة اي " نفي الدولة" متولد عن ببنية العلاقات المشاعية والمتلائمه مع مقتضيات " اللادولة")، صوب القبائل السنية، في الغالب، والحديثة الوصول للعراق / المنطقة الغربية الحالية في معظمها، هي من قبائل شمر وعنزه والظفير، التي دخلت العراق بعد الهياج العشائري الجزيري الاخير، بعد القرن الخامس عشر، وامتدت داخل العراق مع القرن السابع عشر، كموجات يزيح بعضها بعضا من السماوة الى سنجار /*، ومارس بالفعل جملة من الافعال المهمة، والتي اثمرت تقبلا اوليا، تجلى في احتضان القبائل السنية لجثمانه عند وفاته، قبيل ثورة العشرين، فقد اضطلعت القبائل هناك ( مع مظاهر الاحتفاء اللازمة)، بايصال جثمان المرجع، تسلما واستلاما، من قبيلة الى اخرى، من مقره في سامراء، حتى مثواه الاخير في النجف. *
ولايمكننا تخيل المسارات التي كان سيتخذها استمرار التشكل الوطني العراقي، وشمول دينامياته عموم البلاد، او كيف كان العثمانيون سيطردون وقتها من العراق، ومتى ؟ وبظل، او مع اية تبلورات مفهومية، عملية او مفهومية على مستويي الدولة والوطنية، لو ان الظاهرة الغربية الحديثة الاستعمارية، لم تحضر،سواء باثرها الاقتصادي المحدود، وهو متاخر وضعيف، ولم يصبح محسوسا، الا في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، او فعلها المباشر العسكري. وكان بدء واساس التشكل، في حقبتية، القبلية، والدينية التجديديه، بظل الاحتلال العثماني قد تولد عنه في كحصيلة طبيعية، اضطرار العثمانيين لاعادة بسط سلطتهم المباشرة، بعد ازالة حكم المماليك، والاطاحة بداود باشا اخرهم، اثر حملتهم العسكرية، او ماعرف بالاحتلال العثماني الثالث عام 1831 ،بقيادة على رضا، وهي حملة استدراكية، هدفها درء احتمالات استقلال العراق، سواء من اعلى، على يد المماليك، المتنافسين مع العراق العربي الجنوبي، القبلي، خصوصا بعد الثورة الثلاثية ،1787 ،والتي اعلن فيها نصا،عن رغبة العراقيين من البصرة، في المضبطة التي رفعوها الى "الباب العالي"، في ان يتولى "ثويني العبدالله" شيخ مشايخ المنتفك، وقائد الثورة، ولاية بغداد :"لانه هو الاسد الذي يؤمن الطرق ويحميها من العجم"*، علما بان النية نفسها، كانت قد ظهرت قبل ذلك التاريخ، كما تقول المصادر،على يد جد ثويني*.
ومنذ تركزت ملامح الحقبة القبلية، ظهر تسارع وتبدل في آليات ادارة العراق، تجلت بصورة صراع عنيف لايتوقف، بين دائرتين ( عربية عراقية)، تقابلها جبهة ( مملوكية بغدادية)، فكان العراق وقتها: عراقان. تغيرت على ايقاعه، ومع تزايد التحدي الجنوبي، وتكاثر الانتفاضات والعصيانات المسلحة القبلية، بقيادة المنتفك، سوية ومستوى ومتطلبات تنظيم الحكم، ووسائله العسكرية خصوصا،في بغداد، وصولا ـ بالاخص خلال فترة الوالي ( سليمان الكبير)، الذي قامت الثورة الثلاثية بوجهه ـ ومن ثم واخيرا، للوالي الجبار، آخر الحكام المماليك، "داوود باشا" 1817/1831، الذي اضطر بمجابهة التبلور الوطني الحديث،لاقامة جيش قوامه مائة الف منتسب، ( كان الحافز المعلن لتضخم هذه المؤسسة الاستثنائي، العشائر، غير المنضبطة، والخروج الدائم على النظام من قبل "البدو"، على حد راي "علي الوردي" الاستشراقي الفج، المنقول مثلة مثل كل الاراء الايديلوجية، نصا، وببغاويا وبفجاجة ، وبلا تحر خاص بالظاهرة بذاتها، عن المنهجيات الغربية) وسعى لوضع اسس صناعة حربية *، ماجعل شبح الاستقلال على المستوى الاجمالي العراقي، يحضر كاحتمال امام العثمانيين،سواء نظر هؤلاء، الى العراق الاسفل، او الاعلى.
هذا التطور المهم، تداخلت معه ظواهر من التحديثية الذاتية، لاعلى مستوى صناعة السلاح، او بدايات التحديث الادبي المحاط برعاية الوالي، تجلت جنوبا في الجانب الشعري الثر، منذ ظاهرة الشاعرة العظيمة، راس التحديثية العراقية " فدعة"، وفي " الحسجة" لغويا/ في اللهجة، ـ غير المقعدة حتى الوقت الحاضر ـ وفي احياء ابتدائي للاسطرة، وهو تاريخ حكمته اليات الازدواج التكوني، وطبع بطابع واثر "مجتمع اللادولة". ونحن نتحدث تكرارا عن تاريخ مهمل، الا من حيث الوقائع او الاحداث، التي يُضطر لتفسيرها على غير طبيعتها، مع كل مايتصل بذلك، وما ينسب الى المعروف ب " الفولكلور"، بالاخص مع توطيد دعائم الرؤية "المستحدثة" للعراق، بصيغته المفبركة، والمقحمة الجاهزة، حين حصل القطع الكلي، ان لم يكن المحو التام، لاي تاريخ سابق على غير مااتصل، او ما يعود لظواهر نهايات، او النصف الاخير، من القرن التاسع عشر.
لم يكن لدى الاتراك العثمانيين منهجا، او رؤية، يمكن استعمالها لحرف رؤية اهل البلاد لذواتهم، ولحقيقتهم، ولممكنات عودتهم للحضور الحي داخل التاريخ، ولم تكن الرابطة الاسلامية كافية، او حتى قابلة للصمود، بظل الاحتدام الناجم عن صعود الغرب الحديث، ونموذجه، ومنهجياته، المدعمة بحضوره العسكري، وجبروته، في حين كان حرف المنظور الوطني للذات او احتمال تبلوره، من امضى الاسلحة التي بادر المستعمر الانكليزي لاستخدامها، فجرى ومن باب استكمال مقومات " الدولة الحديثة" التي اقيمت عام 1921، وضع اسس سردية استعمارية للعراق الحديث، تبرر وتسوغ وجود الدولة بالمفهوم الغربي، وهو ماقد اضطلع به كاساس / فيليب ويرلند/ الضابط الملحق بالحملة البريطانية، في قراءته المبكرة ل "تاريخ العراق السياسي"، مقررا ظهور العراق، كنتيجه لحضور الغرب الاقتصادي والسياسي الحديث، على اعتباره ظاهرة مرتبطة عضويا، بحداثة الغرب، وصعوده. الامر الذي سيتحول الى قاعدة، والى دين يتعبده كل "الاستحاثيين" الثلاثينيين، خصوصا، بماركسييهم، وقومييهم، وليبراليييهم. مساهمين بكل طاقتهم ومايملكون من حضور، في اصطناع عراق مفبرك، لاغ للعراق الاصل، المتشكل، ابتداء من ثلاث قرون قبل التاريخ المذكور، عراق اعجبهم اصطناعه، وتخيلوه لكي يبرروا وجودهم فيه، ويخصصوا لانفسهم مكانا بين طبقاته، اوقوميته الناهضة، او كيانه المتشكل النهائي.
يتبع
العراق الثاني: ام عراق مفبرك؟