التقية الاسماعيلية العراقية والعهد الصدامي( ملحق2)

عبدالامير الركابي
2017 / 10 / 10


تجلى اثر تاخر وتعذر التعبيرعن الامبراكونيا، وعن مجتمع اللادولة بالدرجة الاولى، بصورة اكثر حدة وتاثيرا على الحياة ومساراتها، بالاخص بعد ثورة "مجتمع اللادولة" الثانية، في 14 تموز 1958، وفي حين كانت التدبيرية الاستعمارية الاولى، التي اعقبت ثورة 1920 قد سحقت يومها يانفجار الثورة، مع سريان مظاهر وممارسات "مجتمع اللادولة" عليها منذ يومها الاول، مع المتوقع حصوله في مثل هذه الحالة، مع افتقاده الاطر المطابقة لطبيعته، ماسيّد في حينه، نمطا من السلوك الجماهيري العفوي، مشحون بدلالات، كانت تفتقر للتفسير بذاتها، تصادمت مع كل اشكال الضبط الغربي والاقليمي، بالاخص منها الايديلوجية الغربية، وطبعتها العراقية، ممثلة باحزاب مايعرف بجبهة الاتحاد الوطني ال"تحررية" *.
فمع ثورة تموز 1958، بدا الافتراق الكبير* بين "مجتمع اللادولة" و " الوطنية الايديلوجية" الناشئة بعد الثورة الاولى لعام 1920 ، وعلى وجه التحديد، منذ الثلاثينات، حين بدات هذه بالافتراق الكلي، عن "مجتمع اللادولة" الاسفل، الى ان تحولت الى قوة معادية له، واداة ضبط وتصفية محتملة لالياته، لمصلحة المشروع الغربي، وطبقا لمقتضيات الاستراتيجيا الغربية، ولقوة القطبية الدولية، ومنذ هذا التاريخ، دخل العراق بالاخص، مع الستينات من القرن الماضي، زمنا من الانحداروالتآكل الشامل، المفهومي والتنظيمي، وعلى صعيد البنى المحركة، شمل الافكار والممثلين، تبدت اهم مظاهره بالتالي:
ـ استمرار تعذر تجسد شكل التعبير الناطق باسم، والمتطابق مع "مجتمع اللادولة " التاريخي، مع بدء تفاقم الانفصال بينه وبين التمثيل التعويضي، غير المتطابق معه، انما الفاعل ضمن اشتراطات اضطرارية محتدمة، تجلت بعد عام 1920 مع لجوء الغرب الاستعماري لوسيلة الدولة البرانية "الحديثة"، وتغيير العلاقات الانتاجية قانوينا في الريف، كوسائل مدمرة لاسس "مجتمع اللادولة"، والانتصار على ثورته الاولى الكبرى.
ـ اقتناع الغرب، بان "الحزب العقائدي" في العراق، هو وسيلة الضبط الممكنة، القادرة على كبح ثورة "مجتمع اللادولة"، المتصلة، وتصفية اسسها الموضوعية، املا في ادراج العراق "الجامح"، كما وصفته "الايكونوميست" البريطانية، بعد انقلاب 8 شباط 1963مباشرة، ضمن السقف والاطار الدولي المتاح، فالعراق هو اول بلد من بلدان العالم الثالث، دشن اسلوب الانقلابات العسكرية على مستوى العالم عام 1936 ، قبل ان يتحول الى ظاهرة تشمل العالم الثالث، كما انه اول بلد سقطت فيه امكانية استخدام هذه الوسيلة، في ادراج بلدان العالم الثالث ضمن السقف الدولي، مادفع الغرب باجماله، للانتقال الى "الحزب العقائدي"، والى اقامة نمط سيطرة، طابعه "دولة الحزب العقائدي" لا"حزب دولة العسكر"، كما الحال في مصر وسوريا كمثال، حيث البعث، والاتحاد الاشتراكي، مسيران من العسكر واجهزة المخابرات.
ففي العراق، تتصدر القرار جهة مدنية، نواتها ليست حزبية بحته، ولاقرابية فقط، بقدر ماهي مزيج من هذين العاملين، مع ركيزة اساس، هي الريع النفطي، الفائق الضرورة والحاسم. ان ماعرف في بداية السبعينات، من انتقال العلاقة الغربية بالدول المنتجة للنفط، نحو التاميم والسيطرة "الوطنية" على الثرورة النفطية، كان لاطفاء احتمالات حالة تفجر، تتجاوز السقف الاستعماري المتاح، في العلاقة الاستعمارية بالمنطقة، موضوعيا. لعبت ثورة تموز 1958 وتداعياتها فيه، دورا حاسما، بحيث افضت الى التدبيرية الثانية الحزبية، / 17 تموز1968/، دفعها الغرب ثمنا، من قبيل التطور الموضوعي في الالية الاستعمارية، كما حصل بعد ثورة 1920 ،بقبول مبدا "الحكم من وراء ستار"، ومغادرة المبدا الاستعماري المعتمد حتى حينه بحسب "النظرية الاستعمارية الهندية"، فاستبدلت وقتها اضطرارا بمبدا وقاعدة نمط مستجد من الاستعمار، عرف لاحقا، بعد عقود، باسم "الاستعمار الجديد".
فبعد تجارب الانقلابات اللاحقة على عام 1958، على التوالي: من عبدالكريم قاسم، الى انقلاب البعث القصير الاول 1963، الى العارفين، وهي سلسلة اثبتت عجزها عن ادارة الاوضاع، بمايؤمن ارجحية الدولة البرانية، واطارها الاعلى، على مجتمع اللادولة الاسفل، بحيث بلغ مستوى الازمة حدا خطرا ينذربتفجر، بدا مرشحا لان يفتح الباب على احتمال اخذ الاوضاع في العراق، نحو افاق غيرقابلة للضبط، بالاخص منذ منتصف الستينات، وخلال السنتين السابقتين على مجيء البعث "المحوّر" لاغراض سلطوية، للحكم عام 1968، مع مايلزم من التحوير الضروري في بنية الحزب الشيوعي العراقي، بعد هجمة تصفيته الاولى عام 1963 / وسرقته قياديا عام 1964، بما يتطابق والاغراض المستجدة، وصولا الى التصفية الكبرى النهائية من الداخل، للحزب، في المؤتمر الرابع عام 1985.
ان نمط القراءة الايديلوجية التاريخية، لازمة، وشروط مابعد ثورة 1958، المتاح منها والشائع، تخالف بالاصل، كل سيرورة تاريخ العراق المعاصر، الواجب اعادة النظر فيها بضوء المنهجية والسردية الوطنية، وبالارتكاز الى الامبراكونيا، واستمرارعملها بظل الحضور الغربي الاستعماري، مايترتب عليه اعادة تسمية وتعيين للافعال والاشخاص، والفاعلين برمتهم، حتى لو تصادم ذلك مع اجمالي المنظور المعتمد عربيا وعاليما، ان اغفال ظاهرة الاسبقيات العراقية التي تمخض عنها الصراع بين "مجتمع اللادولة" والحضور الاستعماري من قبيل مثلا( ارساء اول عينة مبكرة للاستعمار الجديد، بدء وسقوط اسلوب الانقلابات العسكرية، الحزب المحور كوسيلة للادراج ضمن موجبات السقف الدولي، الحاجة الغربية الى اتاحة او اجازة "تاميم النفط"، الاستقلال الابكر، ودخول عصبة الامم منذ عام 1932، اقتراح "منظمة الاوبك"، اقتراح " جيش التحرير الوطني الفلسطيني"، اجمالي خصوصية قضية النفط، وصولا للتاميم ابتداء من المناصفة 1954 الى قانون رقم 80 ، الى التاميم المرفق بالحكم العقائدي العشائري) مايستدعي اعادة قراءة لكل ماحدث ويحدث راهنا وعلى مدى تاريخ 1914/ 2003 .
لقد لعب الوعي الايديلوجي الكسول، دورا حاسما في تسليم العقل العراقي للمنظور الجاهز، المنفصل عن حياته، وعن ضخامة خلفيته، وخصوصيات مجريات واقعه، وبظل ثقل استثنائي سلط وقتها على العقل الوطني الامبراكوني، وهو مايزال ابعد من ان يعي ذاته، ومع احتشاد قوى تزوير هائلة، افلحت الى حد، في اغلاق المنافذ، ومسامات العقل كليا، حدث او تبين ان المصدر الضروري لثورة التقية، غير متاح هو الاخر مرة اخرى، بفعل تغير الظروف التاريخية، ولان مثل هذه الثورة التي الحت في حينه، واستوجبت اختراق سقف الايديلوجيات التوتوليتاري، المستمرة حية وقادرة على الحضور اصلا بسبب غيابه، كانت تنتظر تراكم معطيات ذاتية بحته، وانتقالية، لاتشبه ماكان يحدث في الدورتين الحضاريتين، الاولى والثانية، فالعراق اليوم سائر الى تجاوز حقيقته الانتقالية الازدواجية، التي تكررت خلال تاريخه لمرتين، وصولا لثورته الاكبر التي تبدا بالتبلور اليوم، على قاعدة "مابعد غرب".
هذا لايعني ان نوازع من هذا القبيل، اي ما يحيل الى التقية كتحسس وحاجة، لم تظهر في حينه، او ان بعض الدلائل عليه، لم تحضر بالمرة، بالاخص في السبعينات، وفي اوساط ضيقة، يسارية ماركسية منشقة في الغالب، لم تتمكن من الوصول يتفكراتها، وما خطر لها، الى مايرقى لدرجة البلورة التي كانت تنتظر"طردا" اخر، هو من خواص تجليات الرؤى الكونية في هذه النقطة من العالم، بانتظار التحقق الاكبر، ليس بسقوط صدام ونظامه وانتهاء عهده العابر، بل، الى حيث ينتهي التاريخ من متواليات وتبادلات الغرب الشرق، الشرق الغرب، وتسطع على الانسانية شمس اخرى، تذكربعظمة قفزة الانتقال، من الصيد واللقاط، الى انتاج الغذاء والتجمع، حيث (لاعين رات ولا اذن سمعت).... انني اسمع صوت التاريخ المهيب، يبدا همسه، في ارض سومر من جديد.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• استندنا في تناولنا للاسماعيلة بصورة خاصة على كتابي : (اصول الاسماعيلية والفاطمية والقرمطية/ برنار لويس/ دار الحداثة بيروت/ ترجمة الدكتور خليل احمد خليل/ 1980) وعلى كتاب الاسماعيلي، مصطفى غالب( تاريخ الدعوة الاسماعيلية منذ اقدم العصور حتى عصرنا الحاضر/دار الاندلس ـ بيروت) ومصادر اخرى متفرقة.
• في تصريح صادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، المجتمعة على عجل في 13 اب 1959 جرى التاكيد بان "المجازر والتعذيب ناجمة عن نقص في تربية الجماهير وعن عدم فهم كاف للوضع السياسي في البلاد" منقول عن جريدة البرافدا الروسية، نقلاعن صحيفة الحزب الشيوعي العراقي "اتحاد الشعب" في 17/اب / 1959 / يراجع ( ـ الاتحاد السوفياتي والصين ازاء الثورات في المجتمعات ماقبل الصناعية ـ/ دار الحقيقة ـ بيروت/ هـ. كارير دنكوس و س.ر.شرام/ ص 69).
• سنعود في مقال لاحق للحديث عن ( 1920/1958 ثورتا مجتمع اللادولة المعاصرتان).
• تكرس ترسانة الاحزاب الايديلوجية مصطلحات دلالية، خاصة بها، مقحمة على الظواهر والاحداث، تفسر بها المجريات اجمالا،حاصرة دلالاتها ضمن منظومة تفسيرية، ملحقة برؤية ماعرف وقتها، بادبيات ومنظومة التصور المتصلة بحركة التحرر العالمية، من قبيل تسمية ثورة العشرين ب "الثورة الوطنية العامة" وثورة 13 تموز 1958 بالثورة الوطنية، من ضمن منطلقات لارساء سردية وطنية معدة مسبقا، وتعيين افعال الفاعلين فيها، بناء لمخطط ايديلوجي جاهز، يزورها، ويضعها ضمن سياقات لاعلاقة لها بها، او بواقعها، ولا باحتمالاتها، او بدوافع تحققها التاريخية، بما يرقى لمستوى العمالة المفهومية التاريخية، المتصادمة مع الاليات التاريخية، لصالح رؤية الغرب العامة، ومفهومه، او انماط مصادرته للتاريخ الراهن.