التقية الاسماعيلية العراقية والحزب اللينيني (2/3)

عبدالامير الركابي
2017 / 10 / 2


يتوقف العقل العربي/ الابراهيمي، عند نطاق الدعوة الخاتمة المحمدية الاخبرة( سبق لفكرة الختام النبوي، ان استعملت من قبل النبي البابلي الرافديني، ماني، في القرن الثالث الميلادي، وهو الاخر كانت صلواته خمس، واتسمت حياته بالتقشف، الا ان شروط ظهوره، وطبيعة المكان الذي نشات فوفه دعوته، لم تكن مؤهلة للانتشار بذات المنحى الجزيري المحارب، وظلت عقيدية اقناعية، غير مدعمة بعامل قوة)، وهو ما تمخض عن سيرورة الدورة الحضارية الثانية، بالاخص مع انهيارها، وتمكن اسلام مرحلة الانهيار اللاحقة على سقوط بغداد على يد المغول عام 1258، حين انتهى المشروع الامبراطوري الحضاري، وتراجع كليا، اي حضور للدعوة الثانية الاسماعيلية القرمطية، لصالح اسلام الانهيار الابن تيميى، وتناسلاته المطابقة لظروف دورة ثانية من الاختناق، تذكّرفي العمق مع اختلاف جوهري في الاحوال، بماقبل الدعوة الجزيرية المحمدية.
والملفت، الذي لم يلفت نظر من يفترض انهم من العاملين في مجال الافكار في العالم العربي، ان احدا من هؤلاء مجتمعين، لم يسبق ان تساءل يوما: ( لماذا لم يعرف الاسلام غير سلفية واحدة، في حين كانت هنالك دعوتان) وقد يعتقد اجمالا، بان سبب "وحدانية التعبير السلفي"، مصدرها راجع لوحانبة وغلبة فعالية الدعوة الجزيرية، خلال عموم فترة النهوض بين القرنين السابع، والثالث عشر. علما بان الدعوة الثانية، وجدت منذ القرن الثاني الهجري، بعد فترة تمهيد اسبق، امتدت الى الامام جعفر الصادق، من بين الائمة الشيعة الاتناعشرية، لتاخذ مع ابنه اسماعيل، وابن اسماعيل محمد، منحى وصف بالغلو، والصقت به شتى النعوت، منها الاباحة، وادعاء النبوة، وحتى التأله. ويحتل "ابو الخطاب"، وهو مريد للامام جعفر الصادق، قام الاخير لاحقا بالتبرؤ منه وتكذيبه، خصوصا بما يتعلق بامامة اسماعيل، التي تقول الروايات انه توفي في حياة ابيه، وهو ماتنكره كتب الاسماعيليين، وتنسب له المعجزات والخوارق، وتعتبره "اول امام مستور".
يستوقف النظر من بين الشخصيات الهامة في تبلور مذهب الاسماعيلية، بضعة اسماء اولهم ابو الخطاب الذي قتل، ثم ميمون القداح، وابنه عبدالله ابن ميمون ديصان، وشخصيات اخرى ثانوية، منها دندان، والثلاثة الاول اتهموا بادعاء النبوة، مع تضارب الروايات عنهم، مابين مصادر السنة، والشيعة، والاسماعيليين، وحتى المصادر السنية، يقسمها "برنار لويس"* الى صنفين، ومعظمها تركزعلى ناحية المروق عن اسس الدين، من دون اي استحسان يذكرلشيء من مواقفهم، او افكارهم، اوماقد درجوا على الدعوة له، وليس الموقف الذي يعرضه " المؤرخون" المرجوع لهم، موقف مؤرخين مخالفين، يفترض بهم التجرد التاريخي، برغم الانحياز، انما هو موقف عقيدي تصفوي، قمعي، وسلطوي، يدعم فيه موقف السلطة القاطع من ممثلي تبلورات "دولة اللادولة"، المقتولين، او الذين اضطروا الى الهرب الى البصرة بداية، ثم الى القدس، وبعدها الى السلمية، ذلك برغم كل ماقد اتخذوه من تحوطات، ومن اساليب تموية وسرية، تفوق التصوّر، ولايمكن مقارنتها باي صيغة من صيغ التنظيم المتعارف عليه عالميا، بما في ذلك اشكال التنظيم السرية المعاصرة، ومنها على سبيل المثال "الماسونية"، المتخفية لاسباب لاعلاقة لها بدرجة الخطر التي تتعرض لها.
وتعرف السلفيات المتاخرة الحالية خصوصا، ضروبا من السرية التنظيمية، كما الحال مع " القاعدة "، و "داعش"، الا ان هذا النمط من التنظيم، لايمكن تشبيهه بالاسماعيلية، لان الاول تنظيم ارهابي بحت، ليس مايحركة بالاساس، نظرية وافكار تغييرية مخالفة للسائد، وهذا ماقد جرى التركيز عليه، في حملة الابادة الجسدية والاعلامية التاريخية، بحق الاسماعيلية، فجردت من طبيعتها الفعليه بالدرجة الاولى، حتى تصبح عارية من اي دلالة، ماعدا ماينسب الى المروق، والكفر، والاباحة.
واول مايلاحظ في سلوك تعبير "مجتمع اللادولة" الثاني، تصرفه المشابه لتصرف الابراهيمة الاولى، باضطرارها للهجرة نحو ساحل الشام ومصر، وبالاخص وبداية الى السلمية في سوريا، الوعرة، والممتنعة على الخلافةالعباسية وعسسها، واتخاذها كمنطلق ومستقر( تذكّر بحران اولى محطات ابر اهيم)، ومنها عبر الدعاة، الى المغرب، واليمن والبحرين، متوخية هذه المرة، مجاراة منغيرات الدورة الثانية البشرية والعقيدية، بعد انتشار الاسلام، وظهور وتفاقم ازمة الخلافة وتناقضاتها، وشيوع الاعتراض، وحركة التذمر، من هيمنة وغطرسة بني العباس، بعكس الحالة الابراهيمة الابتدائية، المنطلقة للعمل في ارض بكر، مااضطرها لاتخاذ فترة تامل، كانت وقتها من صلب اشتغالات النبوة، قبل ان يهتدي ابو الانبياء العمليين، لفكرة النزول الى الشام من حران تحت استراتيجيا ( الوعد)، متجها الى مصر. ففي الحالتين، سرى قانون استحالة التحقق، على شكل التمثيل المنتمي ل "مجتمع اللادولة"، مع العلم ان الابراهيمية، اصابت بحكم الظرف ايضا، نجاحا تحقق لها على المدى الطويل، خارج ارضها، وانتهى بالطبعة الرسالية الجزيرية، بعد سلسلة من الرسالات والنبوات، كانت محكومة لقانون المعجزة التعويضي، عن صعوبة الحضور الايجابي لواقع مخالف، وغير مستجيب بنيويا، في حين انتهى الحال مع النبوة المحمدية، الى تجديد صياغة مجتمعية، لمجتمع / لادولة احادي/ محارب قبلي، متنازع داخليا، تحول الى مجتمع عقيدة موحد على قاعدة اوسع، شاملة، بعدما وجهت طاقة الغزو المقننة بقوة العقيدة، الى ال"فتح".
شملت الدعوة الثانية، العالم الاسلامي برمته تقريبا، ومع ان التاريخ الرسمي والاستشراقي للاسلام، يلغي من السجلات، الفصل المتعلق بالفتح الثاني، الا ان الوقائع تقول، بان المنطقة العربية بغالبيتها، تحولت في حينه الى الدعوة المذكورة، فشملت الاسماعيلية القرمطية، ممثلة مجتمع اللادولة العراقي: المغرب العربي، واليمن، والبحرين، وسوريا، ومصر. ولم يكن ماقد تحقق، بالعمل الذي يجوز للعقل ان يهمله، على الاقل من باب تحري المنجز الانساني العقلي، لحقبة حضارية كونية، ولدورة تاريخية حضارية، مر بها الموضع الذي هو بؤرة الفعالية الحضارية ضمن محيطة.
غير ان اشكال انتكاسة الفعالية العقلية في المنطقة المشمولة بقانون التوحيدية التاريخية، ومآلات ترديها، اسهمت موضوعيا في طمس هذا المنجز الكبير، واخرجته من دائرة الوعي، لصالح بقايا الدعوة الاولى، منظورا لها، ومستعملة، وفق اشتراطات، مختلفة عما كانت عليه بالاصل، وعند بدايات ظهورها. فالمنطقة الابراهيمية التاريخية، انتهت منذ القرن الثالث عشر وسقوط بغداد، اي غياب المشروع الحضاري الامبراطوري، الى تمكن وغلبة مفاعيل الدورة الثانية، المنتهية بحكم حالة "الانقطاع الثانية"، بينما الواجب الصعود، هو زمن الدورة الثالثة.
يحكم المنطقة الابراهيمة، قانون الدورات والانقطاعات الحضارية، بؤرته وعمود صيرورته الفقري بنيويا، ارض مابين النهرين، مع اختصاص بقية التكوينات بادوارمكملة، وهي قد انتهت دورة صعودها الثانية عام 1258، لتدخل من يومها طور الانقطاع الثاني، ويلفها الغياب حتى القرن السابع عشر، حين بدا التشكل الثالث من جنوب العراق، انما من دون ظهور، او تحقق، بينما ظلت مفاعيل الانقطاع، هي الغالبة والمسيطرة في الظاهر الى اليوم. ان من يتصورون ان التاريخ محكوم الى الرغبات، او الى الاصطناع، سواء لجهلهم بالقوانين المبثوثة في قلب الحياة الانسانية، او تلبية لاغراض ومطامح خاصة وذاتية، او مناطقية وبلدانية، يظلون يشيعون الوهم عن بلادهم، وانفسهم والتاريخ الاجمالي لعموم البشر.
ومادامت المنطقة، لم تكتشف قوانين سيروات حضورها في التاريخ والحضارة، فان مجمل الظواهر على اختلافها، لاتعود في محلها، من قبيل غياب الفعل العربي الى اليوم، الا مااتصل منه بعقيدة الانهيار الابن تيمية، بينما انتقل الفعل الى الجزء الشرقي، او الدائرة الابراهيمية الثانية، الممتدة الى حدود الصين والهند، والملتحقة بالابراهيمية عقيدة، لا ارومة ولغة، كما الحال في الدائرة التوحيدية الابراهيمة الاولى، ويترافق هذا المظهر، مع غياب الاساس المادي المجسد "لمجتمع اللادولة"، بحكم خاصيات اساسه واصلة الرافديني العراقي، فالعراق يغيب ويختفي مكوناه " اللادولة"، و" الدولة القاهرة الامبراطورية"، ابان فترات الانقطاع الحضاري الدورية، التي هي اكثر ظهورا في هذا الموضع المركب الاعلى، ومع اختفاء المكونين، بعد عام1258 ،غابت القاعدة "المادية"، التي من شانها تغذية واعادة او تجديد الدعوة الثانية، مما اتاح لاشكال "الاسلام" المتبناة من حكومات الامم الاخرى الاسلامية الصاعدة، من المماليك والترك والفرس، وهي طبعات اسلاموية سلطوية، تنتمي لعالم العباسيين الامبراطوري، اي لنفس مستوى السلطوية، المكرسة للدعوة الاولى كعقيدة حكم، ماقد اسهم مع الوقت، في تعزيز الرؤى النافية لحضور الدعوة الثانية، في التاريخ "الاسلامي"، وهيأ لجهود محوها الكلي من السجلات اسباب النجاح.