مع الاستفتاء مبدئيا رغم التحفظ عليه إجرائيا

ضياء الشكرجي
2017 / 9 / 25


بالرغم من أني ضد توقيت وآليات الاستفتاء أهنئ الشعب الكردي مقدما على نتائج الاستفتاء، مع ترجيحي لبقاء العراق موحدا، لكن في ظل نظام ديمقراطي حقيقي وعلماني، ودولة فيدرالية حقيقية.

الاستفتاء على استقلال كردستان حق مشروع ديمقراطيا وباطل دستوريا.

هنا لا بد لي من أن أوضح سبب اعتباري استفتاء كردستان حقا ديمقراطيا من جهة، ولكن من جهة أخرى ممارسة غير دستورية، وغير حكيمة. قبل أن أتناول افتقاد العملية للحكمة، لنبين كيف يمكن أن تكون نفس الممارسة حقا ديمقراطيا من جهة، وفعلا لادستوريا من جهة أخرى، وفي آن واحد.

هو حق ديمقراطي، من حيث كونه حقا تقره مبادئ الديمقراطية الحديثة، ومن أهمها حق الشعوب في تقرير مصيرها. ولكنه لادستوري لأنه لا يستند إلى أرضية دستورية من دستور جمهورية العراق المُقَرّ عام 2005، والذي أقرته الأحزاب الكردية آنذاك وصوتت عليه أغلبية الجماهير الكردية. من حيث المبدأ يجب اعتبار كل ما هو غير دستوري غير ديمقراطي، خاصة إذا كان الدستور قد أُقِرَّ ديمقراطيا. وبالتالي يصح القول إن أصل الاستفتاء فعل غير ديمقراطي، لأنه غير دستوري. لكني أقول بديمقراطيته لا في ضوء ديمقراطية دستور 2005 العراقي، بل في ضوء المبادئ العامة للديمقراطية. هل يعني هذا إن دستور العراق لا ينسجم – على الأقل - في بعض مواده مع المبادئ العامة للديمقراطية؟ نعم، بكل تأكيد، وأكثر ما فيه تعارضا حادا وحادا جدا جدا مع مبادئ الديمقراطية ودولة المواطنة والمساواة هو ما جاء في (أ) من (أولا) من المادة الثانية:
لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.
فكثيرا ما يحصل أن يصوت شعب ما بشكل ديمقراطي على دستور أو نظام حكم، في غفلة من الزمن، وفي غفلة من الرشد السياسي، خاصة عندما يكون شعب ما حديث تجربة بالديمقراطية، أو عندما يحصل استفتاء في لحظة فورة عاطفية حماسية، لا تحسب فيها تبعات التصويت مستقبليا، ومردوداتها على الأجيال القادمة، التي لو أتيحت لها فرصة التصويت، لما صوتت على ما صوت عليه جيل تلك اللحظة العاطفية، كما حصل على سبيل المثال مع الشعب الإيراني، عندما صوت بأكثرية ساحقة بعد ثورة الخميني على نظام الجمهورية الإسلامية ومبدأ ولاية الفقيه، وأن «الدين الرسمي هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثناعشري». فلو أوتي للشعب الإيراني أن يصوت من جديد بحرية كاملة على نظام الحكم الذي يفضله، فمن المرجح أن الأكثرية ستصوت لنظام حكم ديمقراطي يفصل بين الدين والدولة.

كما أخطأ الشعب الإيراني بالتصويت لجمهورية الفقهاء، أخطأت الأحزاب الكردية وأكراد العراق بالتصويت على دستور 2005 والذي تنص المادة الأولى منه على أن «جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي. وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق.»، ولم يصروا على تبيت مادة تقر للكرد بحق تقرير المصير، وأخطأ الشعب العراقي في التصويت لدستور يختزن ألغاما إسلاموية وطائفية.

فهل يجب على الكرد أن يسلموا إلى الأبد لواقع خطأ أحزابهم الذي ارتكبوه عام 2005؟ كما إن ليس من المقبول أن يسلم الشعب العراقي إلى الأبد بواقع أن «لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.» وغفل عن تثبيت مادة تؤكد مبدأ الفصل بين الدين والدولة.

لا يجوز معاقبة الشعوب على أخطائها، لاسيما تلك التي ارتكبت، في لحظة الفورة الثورية العاطفية الحماسية، كما في إيران، أو لحظة ما قبل الرشد والتجربة السياسيين، كما حصل في العراق عموما، وفي كردستان العراق خصوصا.

إذن قرار الاستفتاء من حيث المبدأ يمثل ممارسة ديمقراطية وحقا ثابتا من حقوق الشعوب، وإن كان مخالفا للدستور.

لكن قرار الاستفتاء كان قرارا غير ديمقراطي، فهو قرار فردي لرئيس الإقليم، وللحزب الحاكم في كردستان (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، لاسيما إن رئاسة رئيس الإقليم منذ سنتين غير دستورية في ضوء دستور الإقليم نفسه، ولذا فهي باطلة، علاوة على تعطيل برلمان الإقليم منذ سنتين، وما إعادة انعقاده إلا مزاولة شكلية، وما كانت ستحصل لولا القرار الفردي لرئيس الإقليم، من أجل إضفاء الطابع الديمقراطي والبرلماني والدستوري للاستفتاء، وهو من حيث التوقيت والآليات واتخاذ القرار بشأنه لم يكن بأي حال من الأحوال ديمقراطيا.

كما إن إجراء الاستفتاء في كركوك وسائر المناطق المتنازع عليها مرفوض كليا، على الأقل في الوقت الراهن، وبالآليات التي حصل بها. وكركوك بالذات، لا بد أن يجري حلها بإشراف دولي، لأن كلا من بغداد وأربيل أثبتتا عدم تؤهلهما لحل هذه المشكلة.

أما السياسيون العراقيون غير الكرد (ولا أقول العرب خاصة)، لاسيما سياسيو الطائفتين الشيعية والسنية، فاحتجاجهم بالدستور احتجاج حق أريد به باطل. لأنهم لطالما انتهكوا الدستور طوال الاثنتي عشرة سنة منذ التصويت عليه حتى يومنا هذا.

أما احتجاجهم برفض كل دول العالم للاستفتاء يُرَدُّ عليهم، لأننا إذا قسنا الحق والباطل على دعم أكثر دول المنطقة ودول العالم لأمر ما، أو رفضهم له، فإن صدام كان إذن في سنوات الحرب العراقية الإيرانية كان على حق، لأن كل الدول العربية كانت معه، كل الدول الغربية (الولايات المتحدة وأورپا) كانت معه، كل دول أورپا الشرقية (الاتحاد السوڤييتي وعموم ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي) كان معه. فاعتذروا إذن للشعب العراقي بسبب وقوفكم مع إيران ضد العراق آنذاك.

ومنذ بداية الأزمة التي انبعثت بسبب قرار الاستفتاء على استقلال كردستان بين بغداد وأربيل، التزم رئيس الوزراء بخطاب معتدل ومتوازن، بالرغم من كل لغة التصعيد والتهديد المبطن الذي اتسم به خطاب رئيس الإقليم. ولكن مما يؤسف له أن رئيس الوزراء غير لهجته في الأيام الأخيرة، وصعّد من وتيرة خطابه، ولا يستبعد أن ذلك جاء نتيجة ضغوط السياسيين، لاسيما من حزبه، وخاصة لوبي المالكي، علاوة على موقفي كل من إيران وتركيا وأمريكا وأورپا. كنا نتمنى لو كان يواصل خطابه المعتدل، ولا يلجأ بالضروة إلى التصريح برفض الاستفتاء حاليا ومستقبلا، وبالتالي رفضه حتى لخيار التأجيل، الذي ربما كان سيجعل مسعود البرزاني يوافق عليه ضمن توقيتات واضحة وضمانات من الولايات المتحدة والأمم المتحدة، ولو غير معلنة.

وفي الأيام الأخيرة تصاعدت وتيرة التصريحات المتشنجة من هبيب ودبيب السياسيين والسياسيات في بغداد، بدءً بنوري المالكي، ومرورا بموفق الربيعي، وحنان الفتلاوي، وعالية نصيف، وعمار الحكيم، وحتى مقتدى الصدر، وهادي العامري، وسميرة الموسوي، وغيرهم وغيرهن، وكأننا أمام مارثون، كل منهم وكل منهن يريد أن يسجل لنفسه الصوت الأشد ارتفاعا، والأكثر توترا، أو المبادرة الأشد عداءً للكرد المطالبين بالاستقلال، والأقسى عقوبة، واتخذت حزمة من القرارات والإجراءات التي يمكن عدها عدائية للاسف الشديد، وإن كان من حق الحكومة الاتحادية أن تتخذ الإجراءات التي تحول دون تمادي الإقليم في التمدد على جغرافية وثروة العراق، خارج إطار ما هو من حق الإقليم. وردود الفعل في بغداد، كأنما يراد لها أن تكون رسالة من بغداد إلى الكرد، بأننا قد اتخذنا قرار القطيعة بيننا وبينكم، فحتى لو كان هناك احتمال لمراجعة الكرد لقرارهم بالانفصال، فكأنما تريد بغداد أن تقول لهم: هذا فراق بيننا وبينكم. سياسو بغداد استعجلوا باتخاذ قرار القطيعة، إذا أردنا أن نتجنب مفردة العداء.

وإنصافا وجدنا أياد علاوي أكثرهم توازنا واعتدالا، كما رأينا مذكرة الحزب الشيوعي العراقي، ولو جاءت متأخرة، غاية في الوضوح وسلامة المبادئ.

وأغرب ما طالب به نواب هو إلغاء (إقليم كردستان) وتسمية المنطقة بـ(شمال العراق)، فهم من جهة يعتبرون الاستفتاء مخالفا للمادة الأولى من الدستور بأن «جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة ... وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق»، ولكنهم يريدون أن تخذوا قرارا بإلغاء (إقليم كردستان)، رغم إن المادة (117) - أولا تقول «يقر هذا الدستور عند نفاذه إقليم كردستان، وسلطاته القائمة إقليما اتحاديا». نعم یلغى الإقلیم، إذا ما أعلنت كردستان دولة مستقلة تعلن انفصالها عن العراق، والمسؤولون الكرد أكدوا منذ البداية، وطوال الوقت تكرارا إن الاستفتاء لا يعني إعلان الانفصال.

وفي الوقت الذي ندين فيه ديكتاتورية مسعود وتفرده بالقرارات المصيرية، وتوريطه للكرد في موضوع خطير، لم تهيؤ له الأرضية المناسبة بما يكفي، ولم يجر بآليات ديمقراطية، ولا بتوافق بين الأحزاب الكردية الفاعلة والمؤثرة على الأقل، وندين تصعيده للغة التي لا تخلو من لهجة عدائية لبغداد وللعراق، وجدناه مع ذلك أصبح خطابه إنصافا في الأيام الأخيرة ومقارنة بخطاب السياسيين الشيعة أهدأ وأكثر عقلانية. إذا كانت عملية الاستفتاء مضرة ولم يجر اختيار التوقيت المناسب لها، فإن ردود فعل بغداد وسياسييها الأهباب الأدباب في السلطتين التشريعية والتنفيذية أصبحت هي الأخطر والأشد ضررا.

أما تركيا وإيران، فمعيب على السياسيين العراقيين أن يستقووا بموقفهيما، وكلاهما دولتان معاديتان للديمقراطية، ومعاديتان للحقوق القومية لمكونات شعبي تركيا وإيران، وكلاهما غالبا لم يتدخلا في الشأن العراقي إلا بما فيه ضرر العراق، وضرر الشعب العراقي، ومس السيادة العراقية، والمساهمة في إعاقة مشروع التحول الديمقراطي.
25/09/2017