الدين بين جبران وماركس وأينشتاين

محمود يوسف بكير
2017 / 9 / 21

من خلال عملي واختلاطي بالعديد من الثقافات والجنسيات توصلت الى قناعة بأن الانسان يميل الى الايمان بوجود قوة ما لها قدرات خارقة ويمكنها التأثير في عالمنا بشكل أو بآخر. وإذا ما أردنا أن نتكلم بشكل علمي فإنه يلزم أن نضع تعريفا لهذا الإيمان وماهية هذه القوة. وباختصار شديد فإن الايمان الذي أتحدث عنه هنا ليس بالضرورة الايمان بالآلهة كما يفهمها عوام الناس وهي آلهة غاضبة دوما ولا عمل لها إلا تصيد أخطاء البشر ثم تعذيبهم إلى ما لا نهاية بشكلٍ بشع وبلا أدنى نوع من الرحمة.
ما نتحدث عنه هو إيمان المعتدلين والمفكرين الذين يؤمنون بوجود آلية أو نظام كوني عادل يكافئ المجتهد والمخلص والأمين. أما بالنسبة لهذه القوة الغامضة فهي محبة للسلام والخير والعدل والجمال وغالبا ما تدعم هذه القيم على حساب القتل والشر والظلم والقبح. ولذلك فإن أغلبنا يؤمن عندما يتعرض لظلم ما بأن العدل سيسود في النهاية ولو بعد حين.
دفعتني هذه الفكرة الى البحث عن علاقة بعض المفكرين العظام بالدين والإيمان فاخترت واحدا من عالمنا العربي هو خليل جبران، وعملاق في العلوم الانسانية هو ماركس، وعملاق آخر في العلوم الطبيعية هو أينشتاين.

جبران لخص مسألة الدين والايمان في جمل بسيطة انقلها من كتاب صدر عنه باللغة الإنجليزية يقول فيها ما معناه:
"حياتك اليومية هي معبدك ودينك"
"من يستطيع أن يفصل إيمانه عن أفعاله؟"
"الدين الحقيقي هو كل افعالنا وخلجاتنا وقناعاتنا"

ويتضح من هذه الاقوال أن جبران يؤمن بأن الدين ليس مجرد أقوال وشعارات وخطب عصماء، بل إنه بالأساس أفعال وحالة عقلية، كما انه ضمنا يدعو الإنسان الى الانشغال بالحياة والدنيا عوضا عن الموت والآخرة.

أما ماركس فإن له دراسة تحت مسمى "نقد فلسفة هيجل" تمثل جزءا من أفكار معقدة له حول العلاقات الاجتماعية والدين وحاجة الناس إلى نوع من الوهم وهي دراسة يصعب فهم بعض اجزائها، ولكنه يقول فيها وبشكل شبه حرفي:

"أن الانسان هو من صنع الدين وأن الدين لم يصنع الانسان. الدين هو نوع من الوعي الذاتي واحترام للإنسان الذي خسر نفسه بعد أن فشل في الحصول على احترام المجتمع الذي يعيش فيه. الانسان هو عالم في حد ذاته يعيش داخل مجتمع، هذا المجتمع هو صانع الدين الذي يمثل نظرية عامة للعالم تتسم بالمنطق التعميمي والتبريري والشعبي"
ويواصل ماركس قائلا "الدين يهدف بالأساس إلى تحقيق جوهر الانسان، ولكن هذا لم يتحقّق في عالمنا حتى الان ولذلك فإن هناك نوع من الصراع حول الدين، هو بشكل غير مباشر نوع من النضال ضد العالم الذي تسيطر الاديان على نكهته الروحية حتى الآن. الدين هو صرخة المظلوم وقلب عالم بلا قلب، انه روح ظروف معيشية بلا روح، انه أفيون الشعوب"
انتهى كلام ماركس الذي ترجمته باختصار وبشيء من التصرف لصعوبة النص الأصلي.

وفي كتابه رأس المال يقول ماركس: "ليس إدراك الإنسان ووعيه هو المحدد لكونه وماهيته في الوجود ولكن كينونته الاجتماعية هي التي تشكل وعيه وإدراكه"
والملاحظ مما سبق أن ماركس ينقد المجتمع أكثر من نقده للدين، ولكنه في ذات الوقت لا يرى في الدين حلا للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والظلم الذي يتعرض له العمال والضعفاء في العالم.

والأهم من كل هذا أن افكار ماركس السابقة توضح بشكل جلي أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية هي العوامل الحاكمة وليس الدين في تشكيل وعي الانسان. ويمكننا هنا الوصول إلى استنتاج مؤداه أن نفس هذه العوامل هي المسؤولة عن علو شأن الدين أو انخفاضه في المجتمع حيث نلاحظ كاقتصاديين أن الدين يحتل مساحة كبيرة في حياة المجتمعات الفقيرة والعكس صحيح.
وكمثال تطبيقي على هذا فلدينا في مصر هذه الايام ظروف اقتصادية واجتماعية غاية في الصعوبة لم تشهدها مصر من قبل ويتواكب مع هذا انتشار الفضائيات الدينية وشيوخ الافتاء ومظاهر التدين وان كانت كاذبة في أغلبها، لأن مظاهر الفساد والغش والانحلال الاخلاقي والفوضى وعدم الاكتراث بالآخر تطالعك في كل مكان ودون أدنى حياء أو حذر. انها الظروف الاقتصادية التي تحكم سلوك الانسان كما قال ماركس وليس الدين. ومع هذا لازال هناك من يهتف بأن الدين هو الحل ويتعامى عن العلاقة الواضحة بين انتشار الفقر وزيادة الانحلال الاخلاقي رغم زيادة مظاهر التدين.

أما أينشتاين فقد ورد في كتاب بعنوان " اينشتاين والدين " تأليف ماكس جامير/ جامعة برينستون التي عمل أينشتاين أستاذا بها، نقل عنه قوله " أنا لست ملحدا كما انني لا أعتقد انني موحدا، ديني هو اعجاب بقوة عاقلة تظهر نفسها في تفصيلات كثيرة تملأ الكون لا تستطيع عقولنا استيعابها، هذا هو تصوري للإله"
ويقول أيضا " نحن في وضع يشبه طفلا يدخل مكتبة ضخمة مليئة بالكتب بمختلف اللغات. الطفل يعلم ان هناك من كتب هذه الكتب ولكنه لا يفهمها لأنه لا يفهم اللغات التي كتبت بها"
وهو يقول: "ان العلم بدون دين هو شيء معاق، كما ان الدين بدون علم هو شيء أعمى". كما يقول: "لا أستطيع تصور إله يكافئ ويعاقب أشياء هو خالقها، هذا إله من صنعنا ويعكس ضعفنا"

تصورات أينشتاين عن الإله تعكس وعيا وفهما تقدميا ولا عجب في هذا لأننا نتحدث عن واحد من أرقى العقول البشرية على مر العصور. وبالإضافة إلى عقله الفذ فقد كان أينشتاين ذا ضمير انساني حي ونقي فهو الذي خاطب يهود اسرائيل في أحد رسائله لهم" اذا لم نتمكن من إيجاد طريق للتعاون الامين مع العرب فهذا يعني أننا لم نتعلم شيئا من تاريخنا الممتد لأكثر من 2000 عاما من المعاناة ومن ثم فإننا نستحق كل ما سيجري لنا"

وإذا ما أردنا إيجاد العامل المشترك في مسألة الدين بين المفكرين الثلاثة لوجدنا أن الدين عند جبران هو العمل وليس الكلام ورفع الشعارات، أما ماركس فقد رآه نوعا من العزاء والدعم المعنوي للمظلومين ليس إلا وانه لا صلاح لأوضاع هؤلاء إلا بالفعل والثورة. أما اينشتاين فيرى أن الدين دون علم ومنطق، يتحول إلى اساطير وخطاب سطحي لا قيمة له.
وإذا ما تأملنا واقعنا على أرض الواقع في عالمنا العربي والاسلامي لوجدنا أن الدين لدينا قد فقد سماحته القديمة وتحول إلى سباق في التنطع والتطرف والنصب والاحتيال وبيع الاوهام للمظلومين والبائسين والحياري. والدليل على ما أقول إنه بينما تعاني مجتمعاتنا من الفساد والاستبداد والظلم والتخلف، فآن شيوخنا مشغلون بالإفتاء في كل شيء الا هذه القضايا.
وهنيئا لنا جميعا حيث أصدر أحد أساتذة الازهر منذ ايام قليلة فتوى تبيح للرجل معاشرة زوجته الميتة فيما يسمى "بمعاشرة الوداع " وهو عمل تأنف منه الحيوانات لأنها تعي بفطرتها البدائية أن للميت حرمة، ولكن مولانا الازهري يرى أن هذا الفعل القميء حلالا وجائزا شرعا.

لقد أورت فتوى أستاذ الازهر لبيان كيف يعمل العقل الديني مقارنة بالعقل العلمي والفلسفي ممثلا في المفكرين الثلاث. بالرغم من كل ما حققه العقل العلمي والفلسفي من تقدم لا يزال العقل الديني جامدا ومقيدا ومفارقا للمنطق والعقلانية.

محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي