نقرأ القرآن ولا نقرأ الحياة

محمود كرم
2006 / 2 / 13

بينما كان ( بو عبد الله ) يجري اتصالا ً هاتفياً مع زوجته ليخبرها عن إعجابه الشديد من نوعية ( الرخام ) الذي يغطي أرضية المجمّع ، وعزمه على شراء نفس النوعية لمنزله الجديد ..

كان ( بو علي ) منشغلاً بالحديث مع ( بو عزيز ) عن مشكلته الصحية الطارئة ، والتي سببت له بعض التوتر والإزعاج ، وكان الأخير يطمئنه ويخفف عليه توجساته سارداً له بعض الإرشادات ، كونه ملمّاً ببعض الجوانب الطبية إضافةً إلى عملهِ الأصلي في الهندسة الكيميائية ..

وكنتُ أنا و ( بو خالد ) نتجاذب حديثاً سياحياً يتعلق بآخر اكتشافات الفرد الكويتي في عالم السياحة ، وتبيّن بأن هناكَ مجموعة من الكويتيين قد وصلوا إلى اكتشاف جزيرة يابانية تنعم بالهدوء والطبيعة الخلابة تصلح لتكون مكاناً جميلاً وجديداً للتمتع بإجازة الصيف هروباً من حرارته اللاهبة ..

وبملاحظةٍ خاطفة من ( بو علي ) أعاد جلستنا المسائية في الكافيه إلى قاعدة الحوار المشترك ، مبتدءا ً بوجود إشكالية عند جمهور المسلمين في قراءة النص الديني والتي بدورها أفرزت توجهات سلوكية خاطئة نتيجةً للقراءة السطحية والماضوية والمحدودة والمبتسرة ، منّوهاً إلى أن القراءة الصحيحة تستلزم فهماً عميقاً لأبعاد النص الديني ، وأيضاً فهماً عصرياً يحرره من التفسير الماضوي المحدود ويحرره بالضرورة من تفسيرات تيارات الإسلام السياسي وتيارات العنف الديني ..

قلتُ له : مشكلتنا إننا نقرأ القرآن ولكننا لا نقرأ الحياة ، ونقرأ التاريخ ولكننا لا نعيش الحاضر على حد قول أحد المفكرين لا يحضرني اسمه .

وطرح ( بو خالد ) رأياً يتلخص : في أنه من الخطأ الاعتقاد بأن بعض الظواهر الإجتماعية والتي تأخذ شكلاً دينياً ظاهرياً إنها نابعة من روح الدين ، بينما هي في واقع الحال لا تعدو كونها مجرد عادات وتقاليد وموروثات إجتماعية ..

وعلى البعض أن يتخلى عن إطلاق الأحكام القطعية والنهائية التي تتسم بنفي الآخرين من ملة الإسلام لمجرد أنهم لا يتوافقون معهم في الرأي أو في الشكل أو في الطريقة ..

وفي الوقت ذاته يجب أن يسود احترام الآراء والتوجهات والنوايا والشخوص بين كافة أطياف المجتمع كقاعدة أساسية لخلق حوار متزن ينتصر فيه العقل ويبتعد عن التشنج والاحتقان والاستبداد في الطرح ..

وفي منحىً آخر من النقاش الذي أخذ يتشعب قليلاً قلتُ : هناكَ مشكلة تتعلق بهذه الناحية من النقاش والسبب فيها جماعات الإسلام السياسي التي تبنّت تسييس الدين وجره إلى المعترك السياسي عنوةً وهي تتمثل في عدم قدرتهم أو تعمدهم الخلط بين ما هو ديني وما هو سياسي وبالتالي لم تستطع تلك الجماعات من فك الارتباط القائم في منهجها السياسي الذي تخامره دائماً معتقداتهم الدينية التراثية بين إيمانها بضرورة تطبيق الحكم الإسلامي وبين انخراطها في مؤسسات المجتمع المدني ، فعلى سبيل المثال وليس الحصر في السابق كانت جماعات التيار الديني في ( الأردن ) تقاطع الانتخابات البرلمانية على اعتبار إنها تتعارض مع منظومة الإسلام السياسي ، بينما شاركت فيها فيما بعد ، ولا نعرف على وجه التحديد هل مشاركة جماعات الإسلام السياسي سواءً في الأردن أو في بقية الدول الإسلامية والعربية بتلك الانتخابات والتي هي في النهاية من ( التقليعات ) الغربية التي لم ينزل الله بها من سلطان ولا علاقة لها بطريقة النظام السياسي الإسلامي من قريب أو بعيد هي من باب إيمانها الكامل بطبيعة الحياة الديموقراطية الدستورية التي توفرها هذه المؤسسة من الحكم أم إنها قد وجدت نفسها مضطرة للدخول بهذه ( اللعبة ) للاستيلاء عليها وتفريغها من محتواها الديموقراطي الحقيقي وتنفيذ ما تصبو إليه بالتالي من خلالها وكذلك الحال ينطبق أيضاً على الجماعات الدينية المصرية التي تشارك في العملية الديموقراطية هناك وترفع شعار ( الاسلام هو الحل ) في تناقض صريح مع المضامين الدستورية والعصرية والديموقراطية لمؤسسات المجتمع المدني وطبيعة الحياة العصرية وطبيعة المجتمع الذي يتكون أفراده من مشارب مختلفة وديانات مختلفة وأعراق متعددة ..

وكذلك في الكويت حيث ترى جماعات التحزب الديني أن ( الشورى ) هو الأنموذج الذي يجب أن يسود الحياة السياسية كونهُ من التراث السياسي الإسلامي ، بينما نجد تلك الجماعات تشارك وبضراوة في العملية الديموقراطية والتي هي في النهاية شكل من أشكال الحكم المدني والمجتمع المدني البعيد عن أدبيات ومفهوم ( الشورى ) الإسلامي ..!!

هذا الخلط الدائم والمتعمد من قِبل جماعات الفكر الديني في العالم الإسلامي أفرز عدة إشكالات ساهمت في عدم وضوح الرؤية عند فئات كثيرة من جمهور المسلمين علاوةً على الضبابية التي تكتنف ممارستهم للحياة السياسية من حيث عدم فصلهم بين ما يؤمنون به ويعتقدون بصحتهِ وأفضليته وبين سعيهم الحثيث لاستغلال ما توفره طبيعة الحياة السياسية المدنية ..