التمييز المعرفي والنظرة الحزبية

رولا حسينات
2017 / 9 / 5

التمييز المعرفي والنظرة الحزبية
الساحة العربية شهدت تغيرا في الخريطة السياسية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين نتيجة للحركات النضالية والثورية، التي أفضت إلى تكتلات شعبية اكتسبت شكل التنظيم السياسي بمجموعة من الأهداف والمبادئ، كان من أبرز هذه المبادئ: الحرية والسعي لنيل الاستقلال إبان حركات التحرير عن الاستعمار بكافة أشكاله.
ويمكن اعتبار النمو السياسي ملمحا أساسيا من ملامح التاريخ الإنساني الذي صاحب التطور السياسي في المنطقة العربية بشقيها الأسيوي والإفريقي ووصول عدد من التنظيمات السياسية أو الأحزاب السياسية التي تميزت بقاعدتها الشعبية إلى سدة الحكم...
وتُعَدُ حالة الأحزاب السياسية من حيث القوة أو الضعف مؤشراً على حالة النظام السياسي ودرجة تطوره فى أية دولة، فالأحزاب تلعب دوراً هاماً فى تدعيم الممارسة الديمقراطية باعتبارها همزة الوصل بين الحكام والمحكومين، بما يسمح بتنشيط الحياة الحزبية، وتعميق المشاركة السياسية للمواطنين...

وللأحزاب السياسية جذور عميقة فى تاريخ مصر الحديث، حيث نشأت وتطورت بتطور مفهوم الدولة ذاته، حيث ظهرت الحياة الحزبية المصرية مع نهاية القرن التاسع عشر إبان الاستعمار الإنجليزي على مصر، فكانت الحركات الثورية والتنظيمات السياسية، ناهيك عن أن كثيرا منها جاء مناهضا للنظام الملكي آنذاك وكجبهة مضادة للأحزاب السياسية الموالية للقصر أو الخديوي توفيق...و من ثم برزت وتبلورت بعد ذلك خلال القرن العشرين، انعكاساً للتفاعلات والأوضاع السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية السائدة، ولا بد من الاعتراف أن كل مرحلة تاريخية قد شكلت منعطفا هاما في التغيير الجذري عما سبقها من مراحل بما فيها انجازاتها.

ولعل من أبرز المطالبات الحزبية هي العدالة وتكافؤ الفرص والتي من أهم أسسها التعليم ا،لإلزامي المجاني لكافة مراحله التعليمية ليشمل جميع أبناء الشعب الواحد بعيدا عن الطبقية والتمييز المعرفي...إن كان فعلا ما يقدمه التعليم تمييزا معرفيا فيجب أن تحظى جميع فئات الشعب به.
.
وحيث أن التربية تعتبر المفتاح لخلق بنية تحتية متعلمة قادرة على البناء والانجاز، وهي القاعدة الصلبة التي منها تنطلق مفاهيم التنمية لقطاعات الدولة، فالتربية والتعليم هما أساسا المنح المعرفي التربوي لعامة الناس لإعدادهم للقيام بمهام قد يطلب منهم القيام بتأديتها، ليكون الفرد عنصرا ايجابيا في عملية التحرير من القيود الاستعمارية، التي جعلت من الجهل أساسا لمنطق وجودها...
و التربية السياسية هي المنجز الحقيقي الذي ساهم في التحرر والاستقلال، فهي التربية التي منحت نقلا سلسلا وعمليا للمعرفة والمهارات التي يحتاج إليها الفرد للمشاركة السياسية في المجتمع والحكومة والسياسة بشكل خاص...
ويعتبر المعيار الأخلاقي والقانوني والذي يعنى بحقوق الإنسان الموجه الفعال للممارسة الديمقراطية ...فالديمقراطية والتعليم ليسا في الواقع العملي مستقلين عن بعضهما البعض...
فالأشخاص المؤهلون تعليميا هم أصحاب رؤى سياسية واضحة، ونضج للممارسة الديمقراطية والتي تهدف لزيادة اللحمة الوطنية والمجتمعية، لأنها تزيل العقبات التي يواجهها الفرد فيما يخصه من حقوق كالتعليم والصحة والإقامة والممارسات الطبيعية، وما يندرج تحتها من مكتسبات في العمل وتكافؤ الفرص على سبيل المثال...
ولكننا كما علينا اعتبار التعليم معيارا تقيميا لكنه ليس المعيار المطلق...إذ أنه يشترط تكافؤا في المنح المعرفي وهذا الذي لم تستطع فعليا إي من الأحزاب السياسية تحقيقه بالشكل التكاملي ويمكن أن يعزى ذلك لضعف العامل المادي ولوجود الطبقية التي مهدت لزيادة الاستثمار الخارجي الذي أعاد خلق التفرقة المعرفية...لوجود المدارس الأجنبية ذات التكلفة المرتفعة، ناهيك عن رفع مخصصات الكليات العلمية كالطب والهندسة فكانت عبأ على المواطن العادي وحكرا على من يملك التكلفة وهو بمعنى آخر تحايل على المشرع وعدم وجود بند قطعي في الدستور لحماية مجانية التعليم التي نادت بها الأحزاب السياسية في كل منعطف تاريخي...
حيث أعادت أحلام الكثيرين للعدالة الاجتماعية والمطالبة بمبدأ تكافؤ الفرص... وهو ما يوفره التعليم كممهد للممارسة الديمقراطية، والمعرفة التراكمية، إن تم تقديمه لجميع أفراد المجتمع بالشكل نفسه والمعايير المتفوقة ذاتها دون التلاعب، والتحايل على النصوص الدستورية التي تركت بندها الخاص بالتعليم مفتوحا وعلى علاته...
وهذا يغاير مبادئ الأحزاب السياسية المناضلة في التاريخ العربي، ويمكن اعتبار مصر من أبرز الدول العربية التي تتمتع بنضج سياسي، وممارسة حزبية ليبرالية، وكان للاستعمار البريطاني أثره في خلق الحركات التحررية، ومفهوم التنظيم السياسي... بدءا من الثورة العرابية التي كان من مطالبها التعليم الذي كان نوعيا ومقتصرا على الطبقة الحاكمة والإقطاعيين والنخبة المقربة من الأسرة الحاكمة، حيث يعد بعض المؤرخين أن الحزب الوطني الذي أنشأه العرابيون عام 1879 أول الأحزاب السياسية فى تاريخ مصر، فى حين يرى البعض الآخر أن هذا التنظيم لم يكن سوى تكتل جبهوى، افتقد لصفة التنظيم، ولم يكن هدفه الوصول للسلطة باعتبار ذلك أحد أهم عناصر تعريف الحزب السياسي، ومقاومة النفوذ الأجنبي، وإنقاذ مصر من الإفلاس والدعوة للإصلاح وتنظيم التعليم. وقد اكتفى بجزئية المطالبة بالتعليم. ...ورغم تزايد عدد الأحزاب التي تم تأسيسها، وتباينها من حيث التوجهات والأهداف وتشعب انتماءاتها، فإن الممارسة العملية أظهرت أن النظام الحزبي آنذاك غلب عليه سيطرة حزب واحد قوي تمتع بشعبية وهو حزب الوفد الذي كان من أهم مبادئه التعليم المجاني للمصريين، حيث اعتبر حزب الوفد ذي الأغلبية التعليم الواجهة الحقيقية للعدالة، وأن من حق جميع المصريين أينما كانوا الحصول على نفس الفرص فيه، وجاءت بعد ذلك ثورة يوليو 1952 والتي ساهمت في رفع التعليم المجاني ليصل إلى المراحل العليا وهي ما بعد المدرسة بزيادة عدد الجامعات المصرية التي شملت العديد من الأقاليم ...لتكوين نواة القوى بالتعليم والمعرفة.
و يصف نيكو ستيهر المعرفة بأنها قوة للعمل، ويقول إن المجتمعات الحديثة هي مجتمعات قائمة على المعرفة، وكذلك فقد فهم التعلم بأنه إنتاج المعرفة...
وتعتبر الديمقراطية نهجا تربويا شاملا ليس ضمن المفهوم السياسي الضيق بل داخلا في التربية في حقوق الإنسان، وبالممارسة العملية، فديمقراطية التعلم تختلف من الفهم الضيق لنقل المعرفة، وتدعو لبنية كفايات عبر موارد تعليم وإعلام تربوي متنوع.
إن مصطلح التطبيع السياسي هو جزء من التواصل الاجتماعي الثقافي للشخصيات العامة، والذي يتم من خلاله اكتساب كل عمليات التعلم من خلال الصفات الشخصية والقيم ووجهات النظر والدافعية والاتجاهات والمعرفة والمهارات...وهي التي تبدأ في الطفولة المبكرة، وتستمر حتى بلوغ سن الرشد. وهذه المهارة يجب أن لا تنقطع من فترة التعليم الإلزامي لفترة التعليم العالي ثم مرحلة الانخراط في المجتمع ...ولا يمكننا الفصل بين المعرفة على مقاعد الدراسة وبين المكتسبات من الأصدقاء والأسرة...حيث يجب أن يكون التطبيع السياسي أو المعرفة السياسية كمنهج كلي...
إن هدف التربية السياسية هو جعل الناس مهتمين بالسياسة، وأن يكونوا مواطنين بشكل مناسب من خلال تدريسهم كيف يقومون بتحليل وتقييم موقف سياسي محدد بشكل مستقل. وهذا ما نجحت فيه الأحزاب السياسية في مصر، على اعتبار أن التعليم هو ضمن المنظومة المعرفية التي تهيئ الفرد ليكون عضوا فعالا في التنمية بشكل عام وليس السياسية فقط وليكون هذا الكلام منطقيا يجب أن يكون بعيدا عن مفهوم التلقين وإن نجحت فيه بمراحل زمنية إلا أنها لم تنجح بجعله نوعيا للجميع
وهذا أيضا ما تفتقر إليه الدول العربية ...والتلقين له أثره الكبير في إحداث التجويف أو الفراغ في التفكير وهو نواة للعنف... لأن الممارسة الحقيقة للتربية السياسية تعنى بتنشئة الجيل القادر على استيعاب مسؤوليته لمجتمعه، ولم تكن للأسف كفاية الفعل ضمن المنهج التعليمي.
إن كفاية الفعل تحدد المهارة والقدرة والاستعداد لصياغة وتوضيح مواقف الشخص حول المسائل السياسية، هذا بجانب تعريف مواقف سياسية أخرى في مجالات سياسية واقتصادية واجتماعية، وبكلمات أخرى فإن كفاية الفعل تشمل الحل الوسط والتسوية والقدرة على التواصل والتحمل والقبول.
التربية السياسية كانت نقطة التحول في كثير من المناهج التربوية على مستوى دولي، فقد تم تأسيسها بشكل مختلف في المدارس، فمثلا تم إدخال مادة خاصة في التربية السياسية (تحت أسماء فنية مختلفة) تتناول مجال الاقتصاد في معظم المناطق إلا أنها منفصلة عن التاريخ والجغرافيا، وفي دول أخرى دمجت مع مادة التاريخ، واعتبرت في دول أخرى جزءا حيويا في الجغرافيا والاقتصاد و علوم الحياة أو جزءًا من مادة المعرفة الاجتماعية.
إن مشروع تعليم المواطنة الديمقراطية وحقوق الإنسان لا يتعارض مع مفهوم التربية الدينية وحقوق الإنسان، ولا يتعارض مع الرغبة في تنشئة نشء قادر على استيعاب ما حوله وتوظيفه في خدمة بلده بأي قطاع حيوي يشغله...
إلا أن ضعف المشرع في بحث إستراتيجية على المستوى القومي قادرة على تخطي صعوبة استيعاب الأعداد المرتفعة من الدارسين، والتي جعلت من معادلة المجانية عبأ لا يتفق مع معايير الجودة...وأوجدت هوة مجتمعية أعادت مفهوم الطبقية من جديد والمطالب بمنح التعليم المتفوق بالتمييز المعرفي لمن يستحق حيث من وجهة نظر الكثيرين لا يستحقها سوى المجدين والذين لهم معرفة باللغات الأجنبية والقادرين على دفع رسوم إضافية تفوق قدرة المواطن البسيط....