على هامش مهرجان «تيملسا» ببومالن دادس: ألم يحن أوان كتابة التاريخ الراهن للجنوب المغربي؟

لحسن ايت الفقيه
2017 / 8 / 20

دأبت «فدرالية جمعيات بومالن دادس الكبرى» على تنظيم دوري لمهرجان سمته «تملسا»، أي: الزي التقليدي بالأمازيغية. وظلت تبتغي من وراء نسخه «التعريف بالموروث الثقافي المحلي، والانفتاح على الموروث الجهوي خدمة للثقافة الوطنية». والمهرجان، تضيف الفدرالية في الورقة الإعدادية، «تظاهرة فنية وطنية»، تروم «المساهمة في التنمية المحلية المنشودة». ورغم بلوغ نسخ المهرجان العدد 08 ، فإن الفدرالية، أكثر عزما من أي وقت مضى، أو على الأقل، لا تزال يقظة مستمرة في مسيرها الواعد ترسيخا «لالتقائية الإرادات بين فدرالية جمعيات بومالن دادس الكبرى، وكافة المتدخلين على صعيد جهة درعة تافيلالت خاصة وعلى الصعيد الوطني عامة». ولم تغفل الفدرالية تحقيق التراكم من عملها وتعريضه للنقد والميز. ذلك أن «المتتبع للدورات السابقة لمهرجان «تملسا» يلاحظ انتقال هذه التظاهرة من التنظيم التقليدي إلى تنظيم عصري يتماشى وما تعرفه المهرجات الوطنية»، أي: المهرجانات التي تحايث مهرجان «تملسا» في مختلف أرجاء المغرب. ومما ميزته الفدرالية مفيدا لائقا «الانفتاح، بشكل أكبر، على مختلف الطاقات الجهوية والوطنية لجعل المهرجان يتبوأ مكانة مهمة على قائمة المهرجانات» المنظمة في مختلف أرجاء المغرب، كما سلفت إليه الإشارة. ويأتي المهرجان في دورته الثامنة مواجها «الاختلالات البيئية التي تعرفها واحة دادس بمنطقة بومالن دادس»، بأعالي حوض درعة بجنوبي شرق المغرب. ولتلك الاختلالات وقع سلبي، تبين في تراجع الإنتاج الزراعي الذي يوازيه «تراجع عائدة الجالية ومغاربة العالم إثر الأزمة الاقتصادية العالمية». والفدرالية مدعوة لتكيف المهرجان أن يصير، في أحسن الأحوال، «رافعة التنمية المحلية».
ومن بين الفاعلين الممكن مراجعة آدائهم بالمنطقة، المهاجرون المنحدرون من موضع بومالن دادس. لذلك وقع الاختيار على الأيام 10 من شهر غشت من العام 2017 و11 منه و12 منه و13 موعدا للمهرجان، عسى المنظمون أن يحركوا ساكنا في ضمائر المهاجرين العائدين لحظة إلى أرض الوطن. وودت الفدرالية أن تعد فضاءات مفتوحة دواما طيلة أيام المهرجان: فضاء الطفل، وفضاء المرأة، وفضاء معرض الصناعات التقليدية، وفضاء المنتوجات الفلاحية، وفضاء التغطية الإعلامية. وفي المهرجان ندوتان:
- ندوة « ذاكرة الهجرة بواحة دادس ورهانات التنمية المحلية» يوم الخميس 10 من شهر غشت من العام 2017، بالمركب السوسيورياضي بمركز بومالن دادس.
- ندوة « مقومات التراث المحلي وسبل إدماجه في التنمية المستدامة» يوم الجمعة 11 من شهر غشت من العام 2017، بفندق شالوكا ببومالن دادس.
الدورة الثامنة من المهرجان المذكور، بندواتها وفضاءاتها وعروضها الفنية، تطمح، فضلا عن الاستجابة لحاجات المهاجرين المعرفية، إلى تحقيق الأهداف التالية:
- المساهمة في التعريف بالمؤهلات السياحية والثقافية للمنطقة وتثمين الموارد المجالية والمنتوجات الفلاحية والمنتوجات التقليدية المحلية.
- تنمية المنتوجات المحلية والثروات الفلاحية وتثمينها والمحافظة على أشجار التين وباقي المنتوجات الفلاحية والأعشاب الطبية مساهمة في تنمية اقتصاد المنطقة.
- تشجيع السكان لضمان استمرار تنظيم المهرجان إرثا إنسانيا وحضاريا وتاريخيا.
- المساهمة في الحفاظ على البيئة ومحاربة التصحر وكل أشكال التلوث البيئي ونشر ثقافة تدبير استغلال الموارد المائية وترشيدها.
- تشجيع مشاركة المرأة في التنمية وتشجيع الأنشطة المدرة للدخل والمساهمة في محاربة الفقر.
- تشجيع مختلف الصناعات التقليدية، وإبراز مختلف مظاهر التنوع الثقافي وأنماط العيش السائدة وطنيا.
- تسويق المنتوج السياحي والمساهمة في الحفاظ على المآثر العمرانية والتاريخية التي تزخر بها المنطقة وصيانتها.
- جعل المهرجان موعدا سنويا يساهم في تنمية المدينة [بومالن دادس] ثقافيا وسياحيا واقتصاديا.
- جعل الفن وسيلة من وسائل التربية على المواطنة والاختلاف والتسامح والحوار.
نقف عند الندوة الأولى سمتها «ذاكرة الهجرة بواحة دادس ورهانات التنمية المحلية» يوم الخميس 10 من شهر غشت من العام 2017، بالمركب السوسيورياضي بمركز بومالن دادس، لانصبابها على الحدث، وتركيزها على المراد.
دعي لتنشيط الندوة الأستاذ لحسن أيت الفقيه عن اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة درعة تافيلالت، استجابة لمراسلة في الغاية، موجهة إلى السيدة رئيسة اللجنة المذكورة، بتاريخ 23 من شهر يوليوز من العام 2007، واختار للمداخلة عنوانا بيانه «ذاكرة الهجرة، أم بداية حسنة للتاريخ الراهن في مجال الهجرة». ودعي الأستاذ محمد قشا رئيس المجلس الجماعي ببومالن دادس لتقديم برنامج عمل الجماعة 2017- 2022. ونودي على الأستاذة زهرة شبالي، باحثة جامعية، لتنظر في «الآثار الاقتصادية والسوسيومجالية والثقافية للهجرة الدولية على الزوجات المستقرة ببومالن دادس». وانقطع للتسيير الأستاذ سعيد موقوش باحث بكلية الحقوق بطنجة. وكان من المفروض أن يجلس بمنصة الندوة الأستاذ مولاي الحسن السويد، نائب الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش ليتحدث عن «مغاربة العالم وإشكالية الهوية والمواطنة»، لكن ظرفا ما حال دون حضوره، لذلك لم تكتمل الرؤية في الندوة، وإن كانت غنية ببعض المواقف التي نسردها ضمن العناصر التالية:
- طرح الدلالة الثقافية للهجرة لدى الأمازيغ. فالهجرة الجماعية قائمة ومألوفة، وعادة ما تحصل من الجنوب إلى الشمال. وأما الهجرة الفردية فكائنة قسريا، إذ تتجلى في طرد كل من ارتكب إثما كبيرا كنحو القتل العمل، لذلك تسمى بالأمازيغية «تاروزي»، أي: الكسور. وحسبنا أن الهجرة إلى أوروبا الغربية ذات طابع جماعي إذ شملت الوسط.
- موضع بومالن دادس ممر قديم يسلكه المهاجرون الأمازيغ. وتفيد نقوش «تيزي ن تفيراس» بجبال الأطلس الكبير الأوسط أن عبورا بشريا نشيطا بات يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. ولا أحد يعلم ما إذا كان سبب الهجررة متصلا بما أكدته الأركيولوجية، أن ظهور الصحراء جعل جنوب المغرب منطقة طرد للسكان منذ قديم الزمان. ولا يستطيع دحط ما ذهب إليه الأستاذ عبد الله العروي من أن للاحتلال القرطاجي والروماني دوره في الضغط على سكان شمال أفريقيا للفرار نحو الجنوب. وفي جميع الأحوال فموضع بومالن دادس معبر يربط بين جنوب الانكسار الأطلسي الجنوبي، وشمال جبال الأطلس الكبير الأوسط.
- الكلمة الأمازيغية «إمالن»، جمع «إمال» تفيد المراقبة والرؤية، أي مواضع مراقبة المرور. ولاغرو، فالأدلة الأركيولوجية تكفي لتفيد أن لحوض دادس علاقة بالهجرة. وفي مسار الهجرة يستقر العنصر البشري بقلب جبال الأطلس، مرحليا، فينحثون بيوتهم من الجبال. ولا يزال السكان ينسبونها حاليا، وبالباطل، إلى البرتغال.
- في القرن الثالث عشر الميلادي عرفت المنطقة حصارا بشريا من جهة الشمال والجنوب. ففي الشمال استمر تهديد بني هلال ونشط استفزاز بني معقل لسكان دادس من جهة الجنوب. وفي هذه الأثناء حملت قبيلة أيت حديدو على الانتشار بجبال الأطلس الكبير الأوسط والأطلس الكبير الشرقي، ونشأت قبيلة ملوانة تستوطن أعالي غريس.
- تمكنت «أيت أونير» إحدى بطون «أيت عطا» وهم من صنهاجة من اختراق الأطلس الكبير الأوسط عبر دادس، فأنشأت وحدة سوسيومجالية بموضع واويزغت دعمت، من بعد، بأفراد من أيت عطا، وشكلت ما يسمى «أيت عطا ن أومالو»، أي: صنهاجة الظل مقابل صنهاجة الشمس، أي: «أسامر».
- باستثناء سدراتة «أيت سدرات»، قدمت كل المكونات القبلية من الجنوب لتستقر طوعا، أو كرها، بحوض دادس. ولئن كان التجانس الإثنوغرافي غير متوافر فكل العناصر القبلية ترغب عن الفقر وترغب في الترقي الاجتماعي لمحدودية الإمكانيات وندرة فرص البحث عن الموارد. فالتشكيلة الاجتماعية مؤهلة لتصبح موردا بشريا من السواعد ملائما ليوظف في فرنسا بمناجم (با دو كالي) وغيرها.
- لئن كانت الهجرة إلى دول أوروبا الغربية حدثا حملته لحظة ما بعد الحرب العالمية الثانية واستقلال المغرب، واستعداد الجنوب الشرقي المغربي عامة لتوفير الموارد البشرية المجردة من وسائل الإنتاج والمؤهلة للاستغلال في أي موضع، فإن سؤالا بات مطروحا للنقاش: هل الهجرة إلى دول أوروبا الغربية خارج ساهم في التحول المنطقة، أم إنها جزء من عوامل التحولات الاجتماعية التي عرفها الجنوب الشرقي المغربي؟
- نشأت الهجرة تحتل حيزا في وعي السكان بالمنطقة لأنها لمست أسلوب العيش، وحملت تغيرات حاقت بأسلوب العيش خلال نصف قرن من الزمان وأثرت على الوضع الاقتصادي. لكن الهجرة لم تغن المنطقة من الاعتماد على الزراعة الواحية. ونسجل أن وقع الهجرة يكاد يدوم نصف قرن من الزمان مما يجعله ضمن صناعة الذاكرة، إن لم يكن الوقع تراكمه يشكل مادة لصناعة التاريخ الراهن تاريخ اجتماعي جهوي بالجنوب الشرقي المغربي.
- وقع الهجرة على المنطقة يتجلى في كبر حجمها، ومسها لأغلب الأسر، ومساهمتها في الخروج من الفقر، خاصة وأن الهجرة دولية، وعائدها مرتفع، فوق أنها مرنت سكان المنطقة على البحث عن الدخل غير الزراعي، إن بالهجرة الداخلية، أو الانخراط في صفوف الجنود.
- استثمار الفائض من عائد الهجرة انصب، في البدء على بناء دور فخمة بالوسط القروي الممتد من مركز بومالن دادس إلى جنوب غرب قلعة مكونة. الدور الإسمنتية التي كادت تخفي مظاهر المعمار التقليدي الجميل والذي تزخر منه المنطقة. ولقد امتدت هذه الدور بجنبات الطريق الوطنية رقم 9 الرابطة بين أكادير وفجيج، ومثلت للزائر أكبر شارع على الصعيد الوطني يضاهي طوله 40 كيلومترا.
- لم يدم الرخاء الذي بينه دخل الهجرة على الأسر إلا أمدا قصيرا، إذ سرعان ما برز التراجع، إثر نزوع بعض الأسر إلى الاستقرار نهائيا بدول أوروبا الغربية، فضلا عن الأزمة العالمية. لذلك مس بعض التحول تطوير الزراعة. فكانت فرص الموارد آخدة –باضطراد- في التراجع، فحق القول، إن الهجرة ليست إلا جزءا يسيرا من عوامل التحول الذي شهده الجنوب الشرقي المغربي.
- لا بد من البحث عن سبل تنمية هذه المناطق، إذ الحق في التنمية لا يغفله المهتمون بحقوق الإنسان. والحق في التنمية يضمن سلسلة من الحقوق كنحو الحق في الصحة والحق في التعليم وهي حقوق لا يزال التوتر يحول دون الولوج إليها بالشكل المطلوب.
- حملت الهجرة تحولا مس بعض العادات التقليدية حيث اختفى العمل التطوعي نهائيا، وفشا العمل المأجور، وتقلصت الأسرة أفرادها، وانهارت الأسرة التقليدية، ونشطت الهجرة إلى المدينة ونزل سكان الجبل السهل، وظهرت فئة من السكان متقاعدين يتقاضون راتبا يجعلهم من الطبقة الغنية بالمنطقة. ولما كان إدماج هؤلاء في الحياة الاجتماعية متعثرا فقد حاق المجتمع غمرات تجعله متعثرا في كل شيء.
- انقرضت بعض المزروعات وفشا بالمنطقة زراعة الفصة وانتشرت تربية الماشية بتركيز الفلاحين على البقر الحلوب التي تيسر الدخل الزراعي. وفي ذلك تحول إضافي عمقته التحولات المناخية فكان الاعتماد على المضخات لجلب المياه الفلاحية.
- صاحب الهجرة نصيبها من التحول، أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية التي مست سجنا سريا بقلعة مكونة، فنشطت الوعي بالذاكرة بالمنطقة، ذاكرة المعمار، والاعتناء بالتاريخ الراهن، فاكتسبت المنطقة صيتا على الصعيد الوطني.
- تغير أشياء ذات الصلة بالمضمون في المعمار فتغيرت بيوتا تدعى بالأمازيغة «مصرية»، نسبة إلى «أمزراك»، أي: سائق الخيول بالأمازيغية، إذ أضحى الجلوس فيها بالتركيز على التلفاز بدل الإحاطة بالكانون، كما حصل الأمر من قبل. ولاختفاء موقد النار وثقافته ساد الصمت في البيت، وتقلصت الاستضافة وتراجع الإطعام.
- التحولات التي صاحبت الهجرة، أو استصحبتها الهجرة، مادام الإشكال قائما، ظاهرة يختص بها علم الاجتماع لكن تأثيره المباشر، وغير المباشر، في أمد نصف قرن من الزمان، يجعل شأنها من اختصاص الذاكرة.
- المضي قدما في التراكم المتصل بالذاكرة من تغير ظاهر لمعمار المنطقة وأساليب عيشها، واستبدال زراعات بأخرى، وتراجع الموارد بعد فترة من الازدهار، وتخصيص ندوات للتأمل في شأن الهجرة والتنمية بالمنطقة، وأعمال هيئة الإنصاف والمصالحة،...هذا التراكم يشكل مادة غنية للمؤرخ في التاريخ الراهن. أو لم يحن موعد كتابة التاريخ الراهن للجنوب الشرقي المغربي؟