اجتماعيات النعال في المجتمع العراقي

محمد لفته محل
2017 / 8 / 17

قد يبدو الحديث عن النعال أمر غير لائق ومعيب ولا قيمة معرفية له، ولأننا تعودنا أن نلبسه يوميا ونقضي به حاجاتنا. لكن من جاء هذا العيب وقلة القيمة أصلا؟ ولماذا يعلق (نعال سيراميك ازرق) على السيارات وعلى البيوت بدون حرج؟ أليس مجرد أداة للمشي؟ وهذا السؤال بحد ذاته يستحق البحث. بالتالي فالنعال له مضامين اجتماعية سأحاول معرفتها.
نلبس النعال في البيت في أماكن محددة كالحمام و المطبخ و الحديقة و السطح فقط وغير مسموح لبسه في غرف النوم والإستقبال، وخارج البيت نلبسه بالشارع على أن لا يكون لبسنا له يتعدى الحي للاماكن العامة أو المؤسسات الحكومية لان لبسه معيب خارج الحي، إذ يمنع من يلبسه من الدخول للمؤسسات الحكومية والأماكن العائلية العامة (المولات والمتنزهات مثلاً) والمساجد، ويمنع من دخوله غرف الغرباء ويخصص مكان لنزعه في عتبات الأبواب، ومن يخرج حافيا بالشارع فهذا عيب يجلب الاحتقار من الآخرين. ونطق اسمه (النعال) يجب أن يسبقه تعويذة (تِكرم، مكرم السامع، أجلكم الله، تخسه عنك) وإذا نطقت يجب أن تلحقها تعويذة (حشه من اﮔول بوجه) لتقليل الحرج واحترام السامع، ومن الكلمة ذاتها صارت شتيمة (أنعل والديك) أي ضربهم بالنعال، وضرب الإنسان العراقي بالنعال اهانة كبيرة له. وفي السجن يُسمى ضرب الرأس بالنعال (تجحيش، جحّش) أي جعله حيوان (جحش). ولا يعطى النعال باليد للآخرين إلا الذين نحترمهم (الأب أو الضيف العزيز مثلا) أو يكون المعطي هو خادم، لان من يعطي النعال باليد هو أشبه بالخادم فيعتبر اهانة واستصغار له. وإذا وجد نعال مقلوب تجاه السماء يجب تعديله بحيث توجه القاعدة للأرض، ويعلق النعال (ذو الفردة الواحدة) على البيوت لإبعاد الحسد، ويعلق على السيارات مصنوع من السيراميك الأزرق لإبعاد العين كذلك. ويأخذ النعال رمزية طبقية فالحافي رمز الفقر، كقولنا (ﭼان حافي) أو (ﭼانو حفاي) فالحافي ليس بمنزلة من يلبس النعال، ويرمز النعال للسلطة والإذلال كقولنا (مايمشي/مايجي إلا بالنعال). وعليه فالنعال ليس أداة لبس فقط، إنما له محرمات تحظر استعماله في بعض غرف البيت وخارج البيت في حدود الحي فقط، وعدم لبسه خارج البيت يعتبر عيب، ونطق اسمه يجب أن يرافقه آداب التكريم للمستمع، واستعماله للشتيمة وطرد الحسد ورمز للفقر والإذلال.
فكيف اكتسب النعال هذه الحدود في الاستعمال؟ ولماذا لفظ اسمه يرافقه آداب لفضية خاصة به؟ من اين جاء العيب في عدم لبسه في أماكن محددة؟، وكيف صار استعماله كشتيمة ورقى لطرد الحسد ورمز للفقر والسلطة؟.
لا نستطيع أن نفهم هذه المعتقدات حول النعال مالم نربطها بثقافة المجتمع العراقي الذي يضع النعال ضمن نظامه الثقافي، فالنعال يدخل جزء من ثقافتنا ذات الجوهر الديني التي تقسيم الأشياء إلى مقدس ومدنس، طاهر ونجس، التي تنعكس على المكان، ذلك لان المكان غير متجانس في المجتمع العراقي. وعليه خصص النعال لدخول الأماكن النجسة كالمرحاض والشارع(1)، ولهذا صار نجس من القاعدة التي تلامس الأرض أما فوقه الذي يلامس أقدامنا فغير نجس، وإذا انقلبت قاعدته باتجاه السماء فيجب تعديله، وعليه فلا يجوز أن ندخل به الأماكن المقدسة اجتماعيا دينياً (المساجد، الأضرحة) وأخلاقيا (الدوائر، المتنزهات، المولات، غرف الآخرين) ولا ندخل به غرفة النوم والاستقبال ويبقى بالعتبة لأنها اماكن يجب ان تبقى طاهرة. أما العيب في عدم لبسه فهو لان هذه ارض هذه الأماكن نجسه (ارض الشارع والمرحاض) تنجس الماشي عليها حافياً. ولأنه نجس فاسمه يصبح كذلك نجس، لأن الاسم جزء من هوية الشيء، وعليه نستعمل تعويذة لطرد النجاسة من اسمهِ المنطوق حتى لا تنتقل النجاسة من اللفظ إلى السامع (مكرم، حاشا، اجلك...)، ولهذا صارت الكلمة شتيمة (انعل والديك) لأنها تنقل النجاسة، وصار الضرب به كذلك نقلا للنجاسة لجسد المضروب وإذلاله، وبسبب نجاسته يستعمل كتعويذه ضد الحسد بوضعه على واجهات البيوت الخارجية وتوجيه قاعدته صوب الوجوه، أو تعليقه على السيارات كما في ميداليات السيراميك الزرقاء، وهذا الشيء يغدوا مفهوماً إذا عرفنا أن منطق السحر فيه أن النجاسة تلغي النجاسة فمثلا البول على الأشياء المسحورة يلغي فعلها لان كلاهما نجس، كذلك الحديث بالأحلام السيئة بالمرحاض يبطل تحقيقها وهناك مثل معروف على نفس السياق (مال الحرام للحرام) لان كلاهما نجس. يقول (يوسف شلحت) (الإنسان الذي يميل بشكل فطري إلى انتعال حذاء ليحمي قدميه من عثرات الدرب، من البرد والقيظ، إنما يفعل ذلك أيضاً لوقاية نفسه من الانبعاثات المقدّسة للأرض. ولكن في الأصل، كان الملوك والقادة بنحو خاص هم الذين يمتازون بانتعال الأحذية، لأنهم كانوا يرون في أنفسهم قوىً خيّرة، متّصلة بالأرض، كان يمكنُ تغييرها، على حساب رعاياهم.) فالنعال من علامات الرفعة لأنه كان وقفاً على الملوك والأقوياء من العرب(2). وهو هدية ثمينة كانت توهب. ومن هنا جاءت رمزيته الطبقية، ولازلنا حين نستصغر شخص أو قوم نقول (ﭼان حافي) او (حافي ومتعافي) وعليه جائت صعوبة إعطاء النعال بيدينا للآخرين لأنه إقرار بسلطة أعلى منا نخدمها بالتالي صار رمز للسلطة. وحديثا زال بعض التأثير السحري للنعال وأصبح موديلات خاص بالبيت أو النزهة (شحاطه) وصار يكتب عليه علامات تجارية أو فرق كروية مع ذلك يمنع كتابة أسماء مقدسة عليه.
وعليه فالنعال أداة تحمينا من الأماكن النجسة ولطرد النجاسة (ضد الحسد مثلا) ونذل الآخرين بنجاسته بضربهم به، كان في البدء من علامات الرفعة لأنه كان متاحا للملوك والأغنياء فقط، فأصبحت رمزا للغنى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_الشارع قرين السوء ونستخدمه شتيمة لانه نجس كقولنا (ابن/بنت شارع، تربات شارع، كلام شارع).
2_يوسُف شُلحت، الأضاحي عند العَرَبِ، أبحَاثُ حَول تطوٌّرِ شعَائِر الأضَاحي، طَبيعتُها وَوَظيفَتها في غَربِ الجَزيِرةِ العَربيَّة، تَعريبُ وَتذييل: البروفسُور خليل أحمَد خليل، دَار الطليعةـ بَيروت، الطبعة الأولى حزيران (يونيو)2013، ص71.