صناع الفشل...!

شاكر الناصري
2017 / 8 / 16

يُكثر السيد مسعود البارزاني، رئيس أقليم كردستان، من تكرار مفردة الفشل في معظم تصريحاته وحواراته خلال الآونة الأخيرة. فما أن يتحدث عن الاستفتاء المزمع إجراؤه في أيلول القادم، حتى يبرر ذلك بفشل الدولة العراقية، فشل التعايش، وفشل الشراكة السياسية بين بغداد وأربيل. وما ينطبق على البارزاني ينطبق على غيره من قادة الاحزاب القومية الكردية الذين يذهبون عميقاً من أجل التحشيد القومي ومساندة الاستفتاء.

لكن السيد مسعود لايحدثنا عن الفشل في تحقيق وضع سياسي مستقر في كردستان، ولا عن الفشل في تحقيق اكذوبة الرفاه والديمقراطية التي يتشدق بها كثيراً- عملياً، هو يؤسس لسلطة دكتاتورية عشائرية حيث تحتكر عائلته رئاسة الوزراء والأجهزة الأمنية الحساسة في الأقليم، او عن الفشل في إيجاد سلطة واحدة، تنهي الانقسام في مناطق السيطرة والنفوذ وتزيل الشكوك والمخاوف المتبادلة بين حزبه وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وتساهم في بناء مؤسسات تحت مسمى سلطة الاقليم. لم يتحدث عن الفشل في محاربة الفساد الفاضح ومافياته المخيفة التي تدار من قبل قيادات حزبية في كلا الحزبين الحاكمين هناك، بل وتطال السيد مسعود شخصيا، خصوصاً ما يتعلق بحسابات عوائد النفط المودعة في البنوك التركية!!!

الفشل والفساد وتعدد مراكز القرار الذي يعم سلطة الاقليم والقوى السياسية هناك يلقي بتبعاته الثقيلة على حياة السكان ويحولها إلى جحيم حقيقي. لكن تلك القوى تبرع في ممارسة الإبتزاز والتلاعب بالمشاعر القومية التي تمكنوا من استغلالها بشكل كبير وعمقوا من هوة الانقسام والكراهية والتعصب القومي الأهوج في أوساط سكان كردستان ضد أقرانهم العرب في المدن العراقية الاخرى، فالرد على ارتفاع مستويات الفقر والبطالة وانعدام الحقوق والأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بحياة الناس سيكون بطرح الإستفتاء والانفصال وتأسيس دولة كردية!!!

من المؤكد أنَّ معاينة فاحصة لواقع حال العراق ستكشف عن الفشل الذي تعانيه هذه الدولة. الفساد، الإستئثار بالسلطة، النهب المتواصل لثروات الدولة، المحاصصة الطائفية، الحروب، انهيار قطاعات التعليم والصحة والخدمات، الصراعات الدامية والحرب والإرهاب، الكراهية وتصاعد حدة التطرفات والتعصب الطائفي والقومي......الخ، كلها، عوامل تؤكد فشل الدولة وتأثير ذلك على قضايا الحقوق والحريات وفوضى السلاح وتزايد دور المليشيات وتدخل دول الجوار والدول الكبرى في العراق...

لكن السؤال الأهم: مَن صنع الفشل، أو من حول العراق إلى دولة فاشلة يسعى مسعود البارزاني وأتباعه للهروب منها واعلان دولة خاصة بهم؟؟ مَن خاض المفاوضات، بعد أن تمكنت أمريكا من احتلال العراق، و مَن كتب الدستور وحرض سكان الأقليم على التصويت بنعم على كل ما ورد فيه، وشرعن نظام المحاصصة الطائفية المقيت وساهم في عقد صفقات تقاسم السلطة والثروات وحماية القتلة ولصوص المال العام. وساهم، وبقوة، في تثبيت أبشع الحكومات وأكثرها فساداً وإثارة للأزمات والتوترات الطائفية والتسبب في احتلال المدن العراقية واستباحتها من قبل تنظيم داعش الإرهابي..الخ؟

عودة بسيطة لوقائع مفاوضات القوى السياسية ووثائق المؤتمرات التي سبقت احتلال العراق، ستكشف عن الدور المشين الذي مارسه مسعود البارزاني وغريمه جلال الطالباني، في ترسيخ وضع سياسي وطائفي لم ينتج سوى الفشل والخراب والاحقاد التي ستدفعهم للبحث عن منافذ للهروب من سفينة غارقة وتبرير ذلك بتكرار اسطوانة الفشل!!!

منذ ذلك الوقت، كانت مساعيهم واضحة وصريحة في إيصال العراق إلى حالة الانهيار والفوضى والتخبط السياسي، غنيمة كبيرة لابد من تقاسمها وتحويلها إلى ماركة مسجلة للفشل والفساد، وقد وجدوا في قوى الإسلام السياسي الشيعي والقوى الاخرى التي لاتقل عنهم طائفية وفسادا، القوى التي يحار المرء في إيجاد توصيف يليق بقبحها وانحطاطها ولصوصيتها، خير شريك يمكنه أن يحقق مطامحهم بدفع العراق نحو مصير مجهول، ولا حل لأزماته سوى التقسيم والانفصال وتأسيس دول جديدة. شريك لايكف عن النهب والفساد وتعزيز السلطة وسرقة قوت الناس والمتاجرة بالدماء والتحشيد الطائفي، فكانوا، جميعاً، شركاء في صنع وضع يشوبه الفساد والانحطاط السياسي ولم يقدم من وصفة لإدارة الدولة وثرواتها سوى الفشل الذين صنعوه بأيديهم...