اجتماعيات المهنة العراقية

محمد لفته محل
2017 / 8 / 7

كثيرا ما نسمع نقد الناس للسياسيين بمهنهم السابقة فأعداء (نوري المالكي) يهاجمونه بمهنته السابقة (بياع سبح) و(عزت الدوري) يعيره الناس بمهنته السابقة (ابو الثلج) و(علي حسن مجيد) يعيروه (سايق تكسي) وتاريخياً فإن قريش عيرت نبي الإسلام بمهنته السابقة (راعي الغنم)، وهذا التعيير بالمهن نسمعه في الحياة الاجتماعية، فبعض المهن قد تكون شتيمة واستصغار وانتقاص وبعضها يكون فخر وتباهي؟ فالحائك والراعي والبقال والبائع والنزاح والزبال وصباغ الأحذية والسمّاك كلها مهن محتقره ومنتقصه اجتماعيا تخص الطبقات الدنيا، حتى أن بعض العوائل لوقت قريب ترفض التزوج من أصحاب بعض المهن كالحائك، وكلمة (رعاع، هذا شنو الراعي) شتيمة وانتقاص لراعي الغنم وكذلك كلمة (بعار) شتيمة لمن يرعى البعران، ومن يربي الجاموس يسمى (معيدي) وكلها شتائم تدل على البدائية والتخلف، ومن يرتقي من هذه المهن بالمال أو منصب تبقى مهنته السابقة أداة تعييب وانتقاص مثل (هذا جان أصله ﺒﮕﺎل=بقال، أو سماج أو صباغ الخ). أما المهندس والطبيب والمحامي والتاجر والمدرس فهي مهن ايجابية تفتخر بها الناس كالقاب (مهندس فلان، دكتور فلان الخ) وتخص غالبا الطبقات العليا. والمهنة عموما صفة تميز الناس والبيوت (بيت القصاب، بيت القندرجي، بيت الشكرجي، بيت البنّاء، بيت السماك، بيت آل الورد، بيت الدكتور الخ).
فمن أين أساس هذا التمييز بين المهن في المجتمع العراقي؟ ما هو المعيار الذي يضع مهنة في تصنيف (راقية) ومهنة في تصنيف (منحطة)؟ المهنة في ثقافة المجتمع العراقي تحمل ثنائية البداوة والحضارة التي تحدث عنها (د.علي الوردي)، فاسمها مشتق من هان أو هين، التي تفرع عنها المهين، والاهانة، لان البدو يمتهنون الغزو ويعتبرون العمل اليدوي فيه تذلل للزبون لهذا يحتقرون المهن، أما التمييز بين المهن فهذا أساسه حضري وليس بدوي، لان البداوة تحتقر جميع المهن كونها مجتمع بلا طبقات، أما المدينة فتميز بين مهنة "راقية" ومهنة "منحطة" لان ظهور الطبقات يرافق المدينة، وهنا تضطر طبقة الفقراء إلى ابتكار أخلاق لها في مواجهة الطبقات الغنية بجملة (الشغل مو عيب) و (الفقر مو عيب) والإسلام يعتبر العمل عبادة دون أن يشير إلى هرمية المهن، مع ذلك يبقى الصراع بين البداوة والمدينة متجسد بهذا الموقف المزدوج من المهنة.
ولازالت بقايا البداوة في المدينة ترى في المهنة شيء ثقيل ويجب أن تحفظ كرامته حين يمارسها، فعلى الزبون أن يخاطب العامل/الأجير بأدب مثل (بلا أمر عليك، بلا زحمة، بلا تعلوم، من رخصتك، الله لايزغرك=يصغرك) حين يأمره. فيرد عليه الكاسب (بخدمتك أو تأمرني) أي أنه يخدمه طوعا، فيجاوبه الزبون (خادم ربك) أو (ما يأمر عليك ظالم) وإذا أخل الزبون (صاحب العمل) بالأدب معه رد العامل غاضباً (آني ما اشتغل جوه ايدك) أو(ما اشتغل عند أبوك) أو (الرزق مو عليك، على الله) أو (قابل مشتريني بفلوسك؟) وأتصور أن عبارة (خليها على حسابي) التي يقولها البائع أو المأجور للزبون كتعبير عن العمل مجانا، هي في أصلها توضيح أنه (المأجور) ليس خادما يعمل بمال، إنما يعمل طوعا على حسابه، والزبون عليه أن يشكره ويعطيه من ذاته المال كتبرع، وكلمة (شكراً) التي نقولها للعامل في ختام عمله تعني إننا نعامله ليس كأجير بل كمقدم خدمة طوعاً، لأننا لا نقولها إلا لصاحب الفضل وبخلافه (لاشكر على واجب). وهذه العبارة مهما كانت كليشة/نمطية تحقق توازن نفسي بحفظ كرامة الصانع أو البائع كون المهنة اجتماعيا كما قلنا معيبة قريبة من الخدم وهذا تؤكده العبارة التي ذكرتها عندما يغضب العامل (ما اشتغل جوه...). وأفضل مثال على ذلك هو ركوب السيارة الذي يوجب صعود الرجل إلى جانب السائق (الصدر) ولا يقبل السائق جلوس الرجل في المقعد الخلفي مادام الكرسي جنبه شاغر، لأنه سيكون بدور الخادم إذا قبل السائق بهذا الوضع، وهذا الحال مقبول فقط للشخصيات السياسية لانها اعلى من الناس منزلة. والعراقي يسمي المهنة (شغل) أو (صنعة) فإذا سئل أحد: شنو شغلك أو شغلتك؟ معناها (ما مهنتك؟) وحتى كلمة شغل تكون معيبة حين يقال (هاي شغلته) والأدهى أن هذه التسمية يمكن إطلاقها على العاهرة (تشتغل) وعلى اللوطي والفاسد (يشتغل)! وهذا امتداد لتحقير المهنة.
هناك ظاهرة في المهن معروفة للجميع تستحق النقاش الطويل المتأني، وطرح أكثر من فرضية، لتفسير سبب الغش في المهن سواء بالعمل أو البيع بدون أن يلقى من المجتمع الشجب والإدانة القوية وبعض الأحيان إدانة الزبون باعتباره (غشيم، زوج، قشمر، فقير)! أو ترديد عبارة قانونية غريبة (القانون لا يحمي المغفلين)!؟ فالناس تدين الخمار والمنافق ولا تدين الغشاش بالمهنة إلا بعبارة عتب (حلل خبزتك) (خلي الله فوك راسك) بدون أن تقاطعه أو تنجسّه أو تحط من سمعته؟ وكأنه منسجم مع قيمها؟. الفرضية الأولى أن الغش ما هو إلا وجه آخر لقاعدة الغلبة البدوية، لأن الزبون هو أيضا يريد أن يغلب البائع بشراء السلعة بابخس ثمن، وهو مبدأ يحكم كثير من تفاصيل حياتنا الأخرى سواء بالحوار أو المزاح أو العراك أو الغرام أو تدبير الأمور أو المقارنة بالغير الخ الذي يجب أن نخرج منتصرين به متفوقين على الكل. لكن السؤال لماذا لا يلقى حرمة من المجتمع مع أن الإسلام يحرّم الغش؟ أليس العمل عبادة في نظر الناس؟ أليس حلال العمل يقاس بالكد وعرق الجبين؟ اعتقد أن هذين الملاحظتين الأخيرتين هما جواب آخر على الغش في العمل، فالعمل عبادة أمام الله وليس أمام البشر يقاس بالكد والعرق كبديل عن الصدق والنزاهة والإخلاص بالعمل، والعبادة موجه لله وحده، ولأن الله هو مصدر العمل (الرزق) وليس الإنسان، فيجب إرضاء الله وليس الإنسان، فنخلص لله ونغش الإنسان مادام الأول هو المصدر والثاني هو الوسيلة. لهذا يساوم (يعامل) المشتري البائع بالسعر ولا يصدقه حتى لو حلف اليمين ويقف الزبون على رأس (الأسطه) أثناء تأدية عمله حتى لا يغشه، ولا يدفع له الأجر إلا بعد إكمال العمل، وكما يقول المثل (عينك على مالك دوه=دواء). بتعبير آخر كون الجماعة لا تدين الغش بالعمل لأنه يتوافق مع مبدأ الغلبة، وشرعيت العمل محصورة دينيا فقط بالكد والعرق، فهو مباح للأفراد ومتروك للضمير الفردي لديهم، ومتروك لفطنة المشتري.
أما الفساد في الوظيفة التي تعتبر نوع من المهنة أيضاً فهو مماثل بالنتائج مختلف بالأسباب فهي ليست مقدسة مثل العمل الحر وهي تنظيم قانوني جديد ليس فيها كد وعرق جبين وهي لا ترتبط بالمجتمع بل بالحكومة، والفساد فيها لا يضر المجتمع إنما الحكومة وهذه الأخيرة ليست زبون ملزم أرضائه حتى نحصل على أجر، إنما الأجر مضمون شهرياً والإخلاص للحكومة نفعي يتمحور على الحصول على منصب أعلى فقط أو زيادة راتب، كذلك إن الدائرة كبيئة اجتماعية لا تدين الفاسد أو المقصر بالعمل لان مال الحكومة أو ممتلكاتها ليست لها حرمة كقولنا (مال عمك ما يهمك، أو قابل مال الوالد، أو مو مال ابو واحد) وتَعتبر هذا العمل خاص بالفاسد ومسؤوليته وحده مع ربه (آني شعليه، مالي علاقه، كل لشه تتعلك من كراعها) وتكتفي بالعقاب الرباني الدنيوي له (مال الحرام للحرام، تطلع بصحته أو بعائلته). والخوف على مال الحكومة وممتلكاتها هو من القانون فقط ولهذا تسجل الحكومة مسؤولية بعض الممتلكات ذمة شخصية عند بعض الموظفين حتى يصونها كأنها حاجته الخاصة، لعلمها بلامبالاة الموظف تجاهها. وهذا يعني كما أوضحت في مقال سابق (العراقي والنظافة) أن الممتلكات التي لا تعود لنا والتي ليس لها مالك هي بلا حرمة ومباح انتهاكها إذا كان القانون غير قادر على الوصول لنا.
بتعبير آخر الجماعة تتساهل مع الغش لأنها ربطت إخلاص العمل بالكد والعرق فقط، واكتفت بالتدخل بين الزبون والبائع سوى مواعظ عن شرط عدم تجاوز الربح للنصف أو عدم الغش (من غشنا فليس منا) ولم تتخذ عقوبات كالتنجيس أو المقاطعة أو التشهير كما أسلفت آنفا، فأخلى هذا الفراغ مكانه لمبدأ الغلبة البدوي. وهذا سبب التنافس بين الأفراد وصراعهم على العمل والربح كون الجماعة لم تقنن بوضوح آليات البيع أو أداء المهن ولم تتخذ جزاء معنوي على خداع الزبون. والقانون ساكت عن ذلك لعدم تأييد الجماعة لتشريعه، وقد لاحظ (إميل دوركهام) هذه الظاهرة في فرنسا وفسرها بغياب وجود حقوق وقانون ودعا إلى إحياء النقابات المهنية القادرة الوحيدة على ضبط الفوضى الاقتصادية لان التنظيمات الجماعية تملك فرض السلطة الأخلاقية على أعضائها ومعاقبتهم إذا أخلو بها.
القصة لا تنتهي إلى هنا، هناك تقنين للجماعة مضمر يتدخل في تنظيم العلاقة بين البائع والمشتري، أن للبيع والشراء جوانب روحية اجتماعية عميقة. فالمشتريات عامة يجب أن تخضع لقاعدة الحلال والحرام وخلاف ذلك يصبح أكلها أو استعمالها حرام، لان المشتريات المحرمة تصبح ملعونة وتجر لعنتها على المشتري أو عائلته (مرض، حادث، مصيبة، إفلاس، مشاكل) ويجب أيضا أن تباع المشتريات برضا صاحبها (خصوصا المستعملة والشخصية كالأجهزة الالكترونية والآلية) من دون غصب أو حياء لأنها قد تصبح منفوسة (أي تسكن نفس البائع فيها فتتعطل أو يصيب المشتري مكروه) وعليه يجب على البائع أن يقول عند البيع عبارة (مبروك، بالخير عليك، شايف ألف خير) وهي تعويذة لإبطال النفوس المتعلقة بها نظير تعويذة (محلل وموهوب) التي ترفع الحرمة عن الموهوب، هذا إذا كانت مستعملة من أشخاص آخرين، وهذه التعويذة تبقى حتى عند شراء الحاجات الجديدة، ذلك لان المجتمع العراقي يعتقد أن للأشياء قوة جذب خفية يسميها (ﮔرفه/جرفه) أما تجلب الخير (ﮔرفتها خير) أو تجلب الشر (ﮔرفتها ﻔﮕر) نظير (اﻟﮕصة=الجبين) عند البشر التي تجذب (الخير) أو (اﻟﻔﮕر) وهذه الطريقة بالتفكير قديمة سماها علماء الإناسة (الأرواحية=Animism) أي الاعتقاد بامتلاك الأشياء والظواهر الطبيعية أرواح تجلب الخير أو الشر تقدم لها الذبائح لاسترضائها، وكانت وسيلة البدائيين في فهم الطبيعة، وتفكير العراقي مماثل لهذه المجتمعات، ولإرضاء هذه القوة يجب أن تقدم لها ذبيحة عند شراء الحاجة أو ما يعادلها مثل كسر بيضة (هدر روح على غرار الذبيحة كون البيضة تنتج الحياة أيضا).
يستنتج (مارسيل موس) بعد دراسة وثائق اثنوغرافية (قبائل شمال المغرب الأمريكي وشعوب جزر المحيط الهادئ) ان تبادل الاشياء هو تبادل ارواح لان قبول شيء من شخص آخر يعني قبول شيء من جوهره الروحاني، وهذه الفكرة تشمل الطعام والثروات والأثاث والعقارات والنساء والأبناء والطقوس والاحتفالات الجماعية، كلها تضعك تحت تأثير سحري ديني.(1) كل شيء يذهب ويعود، كما لو أن الأمر يتعلق بتبادل ثابت لمادة روحية. فهي خليط من الروابط الروحية بين أشياء تكاد تكون أرواحاً وأفراداً وجماعات، تتعامل في ما بينها كما لو كانت أشياء.(2) ومازالت للأشياء المباعة روحاً، وما زال المُلاَّك القدامى لهذه الأشياء يتبعونها وتتبعهم.(3) مازالت مختلف الأنشطة الاقتصادية مشبعة بالطقوس وبالأساطير، محافظة على طابعها الاحتفالي الملزم والفعال.(4)
المرحلة الأخيرة من الشراء هي حماية الشيء المشترى من القوى المعادية (الحسد) بتعليق رقى على الشيء مثل (آية قرآنية، حجاب/طلاسم، نعل سيراميك، أم سبع عيون) وهذا الشيء يحدث مع الأجهزة الالكترونية والميكانيكية (سيارة، تلفزيون، ثلاجة، مكيف، غسالة، طباخ، مجمدة الخ) وأي بضاعة غالية يتمناها الآخرون.
واجتماعياً يمكن تفسير (المنفوس والملعون) بأنها وسيلة ضبط اجتماعي لمنع البيع الحرام وترغيب البيع الحلال من خلال هذه القوى السحرية الذاتية بالأشياء التي تقتص من المنتهِك للنهي الاجتماعي ذاتياً بلعنتها حتى لو كان بعيدا عن رقابة المجتمع والقانون أو تجلب الخير له إذا التزم بنواهي الجماعة، أما الرقى والتعويذات المضادة فهي لمنع التصادم المباشر أو نوع من الصراع الرمزي كما يقول (ماكس كلاكمان) (فالصراع الرمزي لا يعمل على تدمير المجتمعات بل هو يمثل وسيلة للتهديد والضبط) (ومنع إلحاق الضرر والتدمير للآخرين)(5).
فالجماعة التي لم تقنن البيع وتركت مبدأ الغلبة يحكم العلاقة بين البائع والمشتري عوضت هذا النقص بلعنة تحل في الأشياء (ﮔرفه/جرفه) (جرفتها ﻔﮕر) او تتلبس بها نفس البائع (منفوسه) تجلب النحس (اﻟﻔﮕر) لمالكها، اذا بيعت او اشتريت بالحرام، او تحل في الأشياء رحمة فيها تجلب (الخير) (جرفتها خير) إذا بيعت او اشتريت بالحلال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1_مارسيل موس، بحث في الهبة، شكل التبادل وعلّته في المجتمعات القديمة، ترجمة المولدي الأحمر، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى: بيروت2011، ص56.
2_نفس المصدر، ص60.
3_نفس المصدر، ص219.
4_نفس المصدر، ص230.
5_الدكتور ريسان عزيز، لمحات في الشخصية والمجتمع العراقي، دار الراية البيضاء العراق_بغداد، الطبعة الأولى 2012، ص64.