-المفتري ندمان- مسرحية جديدة للفتيان

صلاح شعير
2017 / 8 / 5

دراسة نقدية بقلم: خالد جودة أحمد

في مسرحية "المفتري ندمان" ذات الفصل الواحد، والصادرة عن دار الحضارة العربية بالقاهرة ضمن المجموعة المسرحية "حرامي الفيل" للأطفال للكاتب صلاح شعير، نجد دراما اجتماعية أقرب لعالم الكبار، لذلك يمكن القول إنها تأتي للطفولة المتأخرة والتي تشكل وعيها وأدركت ذاتها ومجتمعها بشكل نشط وقريب، وهذا النص ينتصر في ثناياه لفكرتي العدل والحب العفيف، كما أنه يفجر كوميديا ساخرة تضفي جوًا من البهجة خلال تصفح الأوراق، وتلك ميزة في مسرح الكاتب، والذي تعود على نسج أفكاره المسرحية بشكل شيق، ومحبب للقارئ.

تأتي فكرة المسرحية حول الصراع بين أصحاب النفوذ والأموال من جانب وأصحاب المبادئ والإرادة الخيرة من جانب آخر في بيئة ريفية بسيطة، تحكي عن تعلق الفتي (فتوح) الشاب المتعلم، بالشابة (فتحية) ابنة العمدة المفتري والذي تسيطر عليه زوجته (ست الدار) وتفرض سطوتها عليه، ولدي تقدم فتوح ليخطب فتحية تدبر مؤامرة لإبدال العروس باختها (وهيبة) المعاقة ذهنياً، ليخلو لها الدار والأمر والنهي في مقدرات زوجها الطاغية المستكين لها.

وتقدم المسرحية مستوى آخر من الصراع بين الأشقياء (سبع الليل) شقيق (فتوح) و(عز الرجال)، ويستعين العمدة بسبع الليل ليبطش بخصومه بسبب الشروع في صلة النسب، كما تقدم المسرحية مظاهر من بطش وسوء إدارة وظلم العمدة المفتري بأهالي البلد، وتتصاعد الأزمة وتبلغ ذروتها لدي تمام عقد قران (فتوح) علي (وهيبة) دون أن يعلم وبتزوير فاضح من العمدة، وتجد المسرحية حلا قدرياً، وينقلب السحر علي الساحر لتخلص المسرحية إلي مقولتها الفكرية حول معني أن الظلم عاقبته شديدة، وأن المصائب بظلم وافتراء، فالعقوبة بذنب، ورفعها بتوبة:

"فتحية: تبقي حكمته في أنكم متخلفوش لكن لو رجعتوا الحقوق لصحابها وبطلتم ظلم ربنا هيكرمكم ..."
وأهم ما يميز المسرحية من وجهة نظري الإيقاع المتوثب المتصاعد في إمتاع وإحكام، فرغم أنها مسرحية ذات فصل واحد لكن بها مشاهد ستة متنوعة دون العنونة لهذه المشاهد، وفيها دخول أبطال العرض المسرحي تباعاً، وهم كثر وتتباين مواقفهم بين لونين حديين يمثلان فريقين للخير والشر، ويعمد كل فصيل منهما لإثبات وجوده والانتصار على القوي المناوئة له، ولا يوجد تحول إلا في شخصية واحدة وهي شخصية (عويس) شيخ الغفر المقال من منصبه كشيخ للغفر، والذي لم يتحول موقفه إلا بعد إقالته تلك من قبل العمدة الظالم، وأرى أن شخصية مثل هذه لا تكون ثائرة لأنها دارت في رحاب الظالم فلما فقدت منافعها انقلبت للطرف المقابل.

ويؤكد كون إيقاع المسرحية يلتحم ويناسب أجواء الصراع المحتدم في رحابها بين أطراف عدة، أن فقرتها الأولي دائرة بين فتوح وفتحية، ثم فاصل إرشادي يليه شخصين من الفريق الآخر وهما العمدة وزوجته (ست الدار)، ثم تدخل وهيبة منكوشة الشعر وتشارك في الحوار، ثم مشهد ساخر للغفير الغافل (سلطان) ومجموعة من اللصوص بقيادة (عز الرجال) يسلبون بهائم الغلابة، وهكذا يدور الإيقاع سريعاً بأشخاص كثيرة، وتلتحم الأطماع ودوافع الخير لنخلص في الخاتمة إلي الخلاصة الأخلاقية وعقاب المسيء ووقوعه في شر أعماله.

"رأفت بيه: (إلي جمهور الصالة) الطمع قل ما جمع .. والمفتري ندومان، أدي العمدة خسر كل حاجة وح يدخل السجن".
ويصور الحوار التالي بين فتوح وشقيقه سبع الليل نموذجاً للصراع والدراما بمعناها تعارض الإرادات، وتقديم الحل المجتمعي الناجع الذي يعصم من الكوارث والمصير المؤلم:
"فتوح: .... أنا بكره الدم والعنف، يا ناس ونفسي كل البلد تعيش في سلام.
سبع الليل: (بغباء) سلام إيه يا فتوح؟ الدم لازم يبقي أنهار، أنا مش ح أسكت (بتصميم) عز الرجال لازم يدفع التمن.
فتوح: (بترجي) بلاش ما تيجى نجرب نتفاهم معاه بالعقل".

كما أتي عنفوان الباطل وعدم خضوعه للحق وإصراره علي الظلم والإستعلاء به علي لسان محراك الشر (ست الدار): (اللى مش عاجبه يشرب من البحر)، والمثل المتداول يقرب الموضوع ولا يشعر المتلقي بغربة عن أجواء المسرحية.
ونشير أيضاً إلي استعمال الحوار الضاحك في أكثر من موضع، نموذج حلاق الصحة عندما يقبل لإسعاف فتوح الذي أغمى عليه لدى رؤيته عروسه المزيفة، فيأمر تابعه (عطيه): "أفتح الشنطة وطلع فحل بصل ودشه يا عطيه"، ثم يتظاهر بالعلم والتضحية: "أنا ضحيت بفحل بصل عشان المريض يخف"، وبعد تطور الحدث ويرى أيضا سبع الليل وهيبة فيغمي عليه، ويطلب أحدهم دش بصلة أخرى لإفاقة سبع الليل فيعقب الحلاق: (بضجر) "مش كل شوية ح أطلع بصلة سليمة وأدشها على الفاضى، ده علاج ناس، الحكاية صدمة عضلية وح تفك".

أيضاً نجد اللغة العامية الريفية والمكتوبة أحياناً كنطقها العامي مثال (رئيس الأنفار بيقول من إنبارح)، ويقصد أمس، بينما في موضع آخر أتت عبارة (ما هي الكعكة في إيد اليتيم عجبة)، وأعتقد أن الأنسب والموافق لنسيج اللغة في المسرحية أن يقال (الكحكه).

ونجد العبارة الشهيرة التي استخدمت في الدراما المرئية واشتهرت بقوة (الدفاتر دفاترنا والورق ورقنا)، اتت في المسرحية على لسان الزوجة المتسلطة ست الدار (الورق ورقنا ونبدل الاسم ولا من شاف ولا من دري)، وهذا يقرب الموضوع ويجعله مألوفاً للمتفرج الصغير