نزيل الخوف....قصة قصيرة

رولا حسينات
2017 / 8 / 3

نزيل الخوف
دارت به الدنيا فسقط في سريره، وكأنه استنشق الموت للحظات، لم يعد يفرق بين الحلم والواقع فكلاهما تعاهد على عدم البوح إليه بسره، أنفاسه المحشورة داخل ذلك الأنبوب الذي يصل بين فمه الذي يسكنه الجفاف، والقشور الرقيقة التي تنفصل بدقة متتالية طبقة وراء أخرى، واللون الأبيض يمدُّ ظله بسكينةٍ في كهف صغير، قد تجمعت على سقفه بقع ذات رؤوس بيضاء كتلك التي تتجمع على صفحة وجهه، مُشكلةً دائرةً كاملةً على وجنتيه المستلقيتين على صفحة وجه داكن، قد تناثرت عليه لحية مبعثرة، وقد تهدل تجويف أسفل العينين بهالة سوداء تقرءان ما فيهما من خوف، استجمع مجاهداً نفسه ليسرق شهيقاً يجدد أمله في البقاء، أنفاسه المحشورة في زجاجة لن تستطيع المضي في تابوت واقع متهادن مع الحلم، ذاته الحلم الذي يفيق عليه ليالٍ وراء ليال، دون أن يتمكن من الخروج منه، التقاطه هذه الأنفاس وحبسها في زجاجة ليفوز ببضع لحظات أخرى يقارع فيها طبول الحياة.
وضع رأسه بين يديه، وهو يسحب بأصابعه شعيرات رأسه التي تقاطرت عرقاً أسود، ظل واجماً وهو يتلقف أول صور ارتباطه بالحلم، بذلك النسيج الذي يسكنه في قاع المحيط دون أن يتمكن من نسله، والتعلق بخيط رفيع منه، قلبه الواجف الذي تقلص، وتجمد الدم في كل الشرايين الممتدة إليه، والتي جعلت لون جسده يميل للزرقة منها إلى أيِّ لونٍ آخر، لم يستطع أن يرجع إليه طرفه، وقد تشعب اللون الأحمر في عينيه، والذي يضفي ألماً إضافياً على فاتورة بقاءه الباهظة الثمن.
جحوظ عينيه في سائلٍ أصفر ميت، لم تجعله يرى غير المطر الأسود، وهو يتساقط من جبينه المتصفد عرقاً، وقد انحشر مع تلك الدماء السوداء التي لم يعد يعرف من قتلت؟ من امتصت دماءه؟ الغثيان الذي جعله يلفظ قيئاً من أحشاءه الملاصقة لجدار بطنه الرقيق، لجسد واهن، وعظام صدر بارزة، وبقي القيء يتدفق من جوفه ليحيله كائناً آخر أقل صبراً على جبروت واقعه الذي لا يدرك منه شيئاً...
السواد الذي يملأ ملاءة سريره، والصديد الأصفر يضفي لوناً جديداً لكنه أكثر قبحاً مما مضى، كلُّ ما فيه ينتفض، جسده بكل قطعة فيه موصولة مع كل مفصل صغيرٍ أو كبير، يئن من ألم ماءه اللزج، الذي ينسكب من ملابسه الملتصقة بجسده ...
كم مرة بال على نفسه؟ رائحته...لم يعد يفرق بينها وبين تغوطه...مثانته المحشورة بالبول على الدوام يخشى من النظر إلى ما يفرغه منها...رغم ثقل يديه مررهما فوق مفاصله المدقوقة في السرير كوتدين من خشب منخور، وقد أُشبعتا بالماء الحار...
- أبُلت على نفسي، واحتقنت مثانتي، والتهبت من الخوف...؟! سؤال يدور في ذلك الحجر في حلقه كما في حَجري عينيه.
لا يدري كم تكرر وجعه منها، وهو يبصق ويتقيأ، يفعل أيَّ شيء من أجل أن يشعر ببعض الراحة.
بوله المائل للون الأسود يقهقر كيانه...كم مرةً صبر وهو يدفع فواتير الهجران...؟
لن يطيل التفكير فكل ما لديه واقع متكرر يفرض نفسه بغلاظةٍ عليه كل ليلة؟؟!!
معاناته الطويلة لا تعني سوى أنه مريض..ولكن أيُّ مرضٍ هذا الذي يخشى أن يبوح به لأحد؟ حبات الدواء المستديرة والطولية، الصفراء، والحمراء، والبيضاء تبعثرت إلى جانبه بتلك العلب المختلفة الأحجام...
لن يستطيع الفرار من كلِّ شيء... ومن أيِّ شيء...
... ففراره يعني أن يعلق في الحلم... وأيُّ حلم، إنَّه ذاته ، الذي يراوده عن نفسه ليلاً ونهاراً...وإن فرِّ فهل يفر من حبه الذي اقتيد إليه بقيود حريرية؟!

المروحة الكلاسيكية التي تدور في سقف الحجرة السكنية اللون، ذات الأجنحة الثلاثية ذات القمع الذهبي المتصل بسقف قد تناثرت حوله فراشات ميتة، وأجنحة ملتصقة، وبقع دماء صغيرة متناثرة، بالخط الفاصل بين تشغيلها، وبين زيادة سرعتها، يشتم فيها رائحة حبيبته سمية حيث الضجيج يهيّج نفسه، ويجعله يفيق من كابوسه، وربما كوابيسه، تبعث في نفسه علامة واضحة بارتباطه مع الواقع الضيق الذي لا يبتعد عن مضيق علقت فيه سفينته، الشفرات الثلاث التي تدور في حلقة بيضاء يدور فيها، ويرجع قيئه مرة بعد مرة، وفي شق الضوء الأول المنسل من وراء ستارة داكنة ذات طيات كثيرة، تنتهي بتطريز ذهبي في نصفها الأسفل، وقطعة عريضة منها بحجم الكف قد طويت بعناية لتداري تمزيقا عنيفا فيها وبقعة دماء قرمزية، وضحكات سمية، لهاثها، أنفاسها، جسدها العاري يتراقص أمامه، وقد تسرب اللون الأبيض بذبول، وعين الليل تنوس ضريرة في حجرته، التي تربع السرير فيها مقربة الستارة، التي أخذت تنسحب بسكون ساحبة معها كل ما كان في ليله، لتتبتل في نسكها طيلة ساعات النهار، وهو يقلب صفحات الأمكنة بحثا عنها...
... لكنها خلت منها، من ذلك الوشم فوق صدرها، ومن كحل عينيها، وخالة تتربع أسفل شفتين لوزيتين، دون سمية كل الأمكنة... تأوه وأشبع نفسه بالوهن.
انسحب يجر جسده الخامل إلى دورة المياه، في الكيس البلاستيكي الأسود، ألقى بملابسه كما يفعل كل صباح، وانزلق إلى حوض الاستحمام، أدار مقبض الماء ليملئه واسترخى بشريط يمر على عجل أمامه...يبصرها تمد إليها يده، يشدها إليه، يُعمل تقبيلا في جسدها الغض، تقيده إليها، وهمس في أذنيه لا يفارقه: أحبك...
وفجأة تصرخ فيه، تقلم أظافره، تعضه بأنيابها، وتفر، وقطرات من العرق البارد ترسلها مع خصلات شعرها الأشقر، وهو ينظر إليها، وجسدٌ منه قد مرَّ أمامه و...
شيء ما جعله يشم رائحة المعدن كما في السرير؟!
أطبق جفنيه، وأشرطة من دماء تنبجس من كل مسمار مشكوك فيه، فتح عينيه ليوقظ جسده بحفنة ماء تغسل وجهه...
لحيته المبعثرة، التصقت بالماء الأسود المتقاطر منها، اتسعت دائرة نظره ليجد نفسه مع حوض مليء ببرادة الحديد، وهو ينزف من كل مكان...
جفل...
ظن نفسه ما زال في الحلم قرص يده.. وجهه...
صرخ..وي كأنه ينتهي إلى ما كان في حلمه..!
لكن الواقع أشد مرارة إن اختلطت معه أحداث المنام...
يكفيه أنه لا يستطيع أن يقفل عينه في النهار، وهو يرى ذات المشهد وسمية تذبح أمامه كلما أرتد إليه طرفه...
بمنشفته أخذ يمسح بقوة كل جسده ،لا يترك أثرا لشيء لعله يذوب، ألقى بها إلى الكيس الأسود فتح البالوعة ليمضي السائل الأسود إلى حيث تعتم الرؤيا كليا، أدار المقبض ثانية ليشطف ما كان...
عادت الصورة أكثر وهناً... تمعن بوجهه في المرآة...
والقيود الحريرية تتدلى مع ذكرى محشورة في قنينة مركونة لإحدى زوايا نفسه... وصوت يأتيه مع خيال متوهج أكثر رعبا يخرج من جسده... نسيت...؟؟ ترفض التصديق.. ؟
يشيح بوجهه وهو يضغط على بطنه المتمزق، تعنُّ على باله...يراها في كل هيئة إلا هيئتها وقت الحب، ما الذي جعلها تخافه...تبعده عنها...تغرف قيعان الهروب وتحبس نفسها في زواياه المعتمة...من كان ومن هو؟
تتساقط المشاهد أمامه، ويبقي على تلك العاصفة، الغشاوة فوق عينيه تريه اللون القرمزي...كما ذاك تحت أظافره، محشورا بين القطعة البيضاء واللحم...شق رفيع مليء برائحتها...
ما يذكره يجعله ينتفض ويغرقه في غرابته...وهو يمزق كل قشرة من جلده...
لقد انسحبت من قبلته بقسوة إلى حيث تصفق أبواب الريح خلفها...صورتها تروح وتجيء، أيمكن أن يكون قد...؟!
الصورة تتراءى أمامه خالية منها، أشلاء تتوكز على جسد خلا من روحها... الخوف، والجزع يقبضان عليه يفرك عينيه يفتحهما...يوقظ حواس جسده...الطعم المر...جفاف الريق...القلب المتصدع...من أي كتاب قرأ لتحل عليه اللعنة؟!
يقبض على المرآة، وصورة غير صورته فيها...
لقد استحال جسده كائنا آخر، قد افترس كل القيود الحريرية التي تربطه وبوابة الجحيم...جلده الخشن، أظافره، أنيابه يتراشق منها سيلان لعابه، الوحش الذي يسكنه استيقظ من سبات الألف عام...
لقد تذكر الآن كل شيء...
عندما نفثت قدميها للريح هاربة غير أن كل الأمكنة موصدة بالجدران...تنبش كلسها بأظافرها، بدموعها، بكل رجاء منبعث فتيله من أعماقها ...تنزلق أمام النهاية وتسلم نفسها للبكاء، وثقل في جسدها ينهي الصفقة، وهي تسلمه كل ما فيها لينهشه لينهش الحبيب حبيبه...
صدع في رأسه يزلزل غضبه يحطم المرآة بيديه، والدم القرمزي يترك جنونه على الجدران يجري في الطرقات هائما بوحشه...ليقبع وراء الظلال منتظرا فريسته الجديدة التي قيدتها تلك القيود الحريرية...وطعم الموت.

.