الإنجاز الإبداعي لتجربة -مظفر النواب- في ميدان القصيدة الشعبية

سلام إبراهيم
2017 / 7 / 30

الإنجاز الإبداعي لتجربة "مظفر النواب" في ميدان القصيدة الشعبية
سلام إبراهيم
يحتشد تراث الشعر الشعبي القديم بجميل الأشعار المعبرة عن القيم النبيلة لارتباطها كما ذكرت بالإرث التاريخي لطقوس الشعائر والتعازي الدينية في الجنوب العراقي المنحازة للإنسان المظلوم والممجدة لقيم الشهادة والتضحية التي سطرتها وحفرتها في وجدان العراقي شهادة الحسين التراجيدية في كربلاء، ويمثل الشاعر الكبير "حاج زاير" الذروة الإبداعية التي وصلت إليها الأشكال الشعرية القديمة، فقد قام هذا الشاعر بتأصيل تلك الأشكال، كالموال والأبوذية، والدارمي، والقصيدة بدرجة أقل، وشحنها بجميل المفردات والصور ذات الدلالات التعبيرية العميقة والزاخرة بالحكمة، ومكنته موهبته الفذة والتي تكثف فيها هَمّْ العراقي المظلوم والمعاني تاريخياً من عسف المجتمع وقيمه، ومن السلطات المحتلة. مكنته من انتقاء أكثر مفردات اللهجة قرباً إلى الروح العراقية والقاسم المشترك التقريبي المفهوم من شتى اللهجات العراقية المحلية، مما جعل تلك المفردات متداولة إلى هذه الأيام، لا بل "عرّقها" بمعنى عممها إذ شاعت في الغناء العراقي وعادت مفهومة من الشمال إلى الجنوب.
أدى ذلك خدمتين الأولى كما قلت عرقّ المفردات وصارت متداولة وموضوعه ضمن سياق فني يجذب السامع، والثاني مثل ذلك قمة جمالية في الإبداع الشعري متناسب مع درجة تطور المجتمع العراقي في أوائل القرن المنصرم وحتى الثلاثينيات منه، لكن شكل القصيدة القديمة لم يتطور لا لدى "حاج زاير" ولا لدى جيل الشعراء الكلاسيكيين الذي جاءوا بعده، إذ لم يتمكنوا من تجاوز بنية قصيدة "زاير" ولا الإضافة إليها. فبقيت القصيدة الشعبية في إطارها القديم وتخلفت عن التعبير عن الهموم الجديدة وخصوصا مع انقضاء النصف الأول من القرن العشرين، فالمجتمع العراقي تطور تطوراً ملحوظاً في منتصف ذاك القرن، وتبلور هذا التطور والتطلع في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي أفرزت وضعاً عالمياً جديدا، أنعكس على كل بلدان العالم، مَدَّ تحرري ساد العالم في أعقاب هزيمة النازية الألمانية والفاشية الإيطالية ودول المحور، وظهور المنظومة الاشتراكية وحيازة الكثير من دول العالم المسماة في ذلك الوقت "دول العالم الثالث" على الاستقلال السياسي، وما رافق ذلك من ازدياد الوعي الاجتماعي والسياسي لدى عامة الناس وأثره في تغيير البنى الفكرية، وسيادة نموذج الإنسان الشعبي المناضل من أجل حياة أفضل. هذه المتغيرات ونمط التفكير الجديد أحتاج إلى أشكال فنية جديدة تستوعب الإشكالات المستجدة والعالم الداخلي وأحلام إنسان الواقع الجديد. في تلك الظروف ظهر الشاعر "مظفر النواب" ليؤسس للمدرسة الشعرية الشعبية العراقية الحديثة بعدما عجزتْ الأشكال الشعرية القديمة السائدة عن استيعاب الهموم المختلفة وتطلعات الفرد العراقي الجديدة.
قبل الدخول في التفاصيل الفنية لتجربة مظفر الإبداعية أجد من الضروري محاولة الإحاطة بالمتغيرات التي وقفت خلف الرؤيا الجديدة.
أقصد بالرؤيا الشعرية الجديدة؛ الرؤيا الفكرية والفنية التي مكنتْ الشاعر من التعبير جمالياً في النص الفني "القصيدة" هنا، عن دقيق مشاعر وعذاب وحلم العراقي في تلك المرحلة وتحديداً في خمسينات وستينات القرن المنصرم.
عاش المجتمع العراقي في تلك الفترة مرحلةً عاصفةً مضطربةً تجسدت على مستوى البنية الاجتماعية في تداعي بنية الإقطاع وملاكي الأرض في الريف العراقي وتعفنها، إذ تعرضت إلى الهزة تلو الهزة بفعل نشاط القوى الوطنية والانتفاضات الفلاحية التي قادتها في ريف الجنوب العراقي وكتب عنها "النواب" العديد من قصائده المهمة والحية حتى الآن، تلك الانتفاضات والحراك الجماهيري الذي شجع الجيش العراقي على الانقلاب على السلطة الملكية في 14 تموز 1958 مما أوجد وضعا جديدا، وبنية انتقالية اصطرعت فيها القوى الوطنية في فترة وجيزة من أجل التوجه بالمجتمع نحو أهداف تلك الأحزاب وتطلعاتها وارتباطاتها الدولية، بين مدّ يساري جارف نحو مثل الاشتراكية مثله الحزب الشيوعي، وتيار قومي شرس مثله الناصريون وحزب البعث، ليحسم الصراع بعد خمسة أعوام، إذ انقلبت تلك الأحزاب على السلطة في 8 شباط 1963 وأشاعت ثقافة العنف السائدة حتى الآن، فالإنسان العراقي في تلك الفترة تحمّلَ عذابات لا توصف، وعاني من صراعٍ مريرٍ دفع ثمنه قتلاً تحت التعذيب والدفن حياً، سجناً وإذلال، غربةً وشهادة، أباء وخضوعاً. وفي داخله احتدمت كل تناقضات الإنسان الأزلية، خيرٌ وشرٌ، عنفٌ وسلام، عدالة وظلم، وما عَمّقَ الجرح أن من يقوم بقتل الآخر هو عراقي أبن جلدته وبلده، لا بل قد يكون جاره في معادلة استشرت لاحقاً.
تكمن رؤية مظفر الشعرية في تعبيره بالقصيدة عن هموم الذات المضطربة تماسكاً وتناقضاً، وفي انحيازه للإنسان والارتقاء بالهم الصغير والمحلي كشعور قروية أو فلاح إلى مصاف الهم الإنساني العام والشامل، وكي نصل إلى فحوى تمكن الشاعر وقصيدته لابد من محاولة تحليل خلفيته الاجتماعية والسياسية والثقافية علنا نصل إلى سِرّْ الشاعر:
1- كان الشاعر العراقي الشعبي الكلاسيكي إذا صح التعبير محدود الثقافة بسبب طبيعة الواقع الحضاري الذي كان يعيشه وسيادة الأفكار الغيبية التي يشيعها الفكر الديني التقليدي والعرف والتقاليد التي تفسر الظواهر الاجتماعية والمآسي تفسيراً غيبياً ويعزوها للقدر، والدهر، وغدر الزمان، والقسمة والنصيب، حيث تنسب إلى لافتة الدهر، والزمن، نكبات، الفقر، العسف، الاضطهاد، الظلم، بينما عاش "مظفر" مرحلةً مختلفةً تماماً هي مرحلة النهوض التحرري، وشيوع الأفكار المتنورة التي فسرت الظواهر تفسيراً واقعاً ودعت إلى العمل على تغييرها بالكفاح والنضال، مما جعل المثقف يلتصق بهموم وطموحات الفقراء والمضطهدين وتتلقح ثقافته بطموحهم وكفاحهم الساعي من أجل الحرية والمساواة ونيل حقوقهم، فوجد "مظفر" في الشعر الشعبي الجنس الأدبي الأكثر لصقاً بالروح الشعبية والمعبر العميق والمؤثر عن هموم إنسانها.
2- ما ميّزَ التجربة السياسية العراقية الحديثة أنها ذات هوى يساري وطموحات تحررية سادت الشارع العراقي فترة الخمسينيات واكتسبت الأفكار الاشتراكية الداعية إلى المساواة وتحرير الإنسان شعبية واسعة، فعمّقتْ رؤية الشاعر الجديدة وأفرزت رؤى جديدة وأهداف مستجدة شجعته على البحث عن أشكال وإيقاعات ومضامين ولغة ولّدتْ بالضرورة بنية قصيدة جديدة مختلفة، والتجديد شمل الفن كله التشكيلي، والقصة، والرواية، والشعر الفصيح وولدّ الشعر العامي الجديد، ويعود التجديد في التجربة العراقية إلى تلك الفترة.
3- أتى إنجاز "مظفر" الإبداعي بعد عشر سنوات مما أنجزه الشعر العربي الفصيح على يّد " بدر شاكر السياب".
4- ما ميّزَ الشاعر الشعبي العراقي الحديث عن الشعراء التقليديين كتاب القصيدة القديمة، أنه كان من فئة المثقفين المتمكنين من اللغة العربية الفصحى والمطلعين على منجز الشعر الأوربي الذي ترّجمَ بكثافة في تلك الفترة، وغالبيتهم مارسوا الكتابة الأدبية مقال، نثر، أشعار فصحى، تحقيقات صحفية للصحافة والمجلات، مضاف إلى أن غالبيتهم أنغمر في خضم النضال السياسي المباشر بأحزاب اليسار الوطنية وتجشم عناء السجون والتعذيب والمطاردة والمنفى، و "مظفر" في طليعة هؤلاء وهو من شجع وأسهم في انعطاف جيل شعري جديد سأتناول إنجازه في الصفحات التالية، فاتحاً لهم سرّ اللهجة وسحرها المخبوء.
5- الموهبة التي تشكل عنصراً مهماً لا بل الأهم في التجربة الشخصية للشاعر التي تضاف إلى ما ذكرناه والتي مكنت "مظفر" من غربلة المفردة الشعبية وانتقاء أكثرها تأثيراً في النفس وإدخالها في نسيج القصيدة بإحكام شعوري فريد، وحدس شعري إيقاعي فريد أيضاً، وفي نسق شعري غير مألوف مسبقاً.
هذه بعض من العوامل التي وقفت خلف الرؤيا الشعرية الخّلاقة لـ "مظفر".
أما كيف تجسدت فنياً بالقصيدة، فهذا ما سأتناوله بالتفصيل.

أسس " مظفر النواب" للقصيدة الحديثة وعناصر التأسيس مختلفة بدءاً بالمفردة، والصورة، وبنية القصيدة، وهذه العناصر مترابطة بتكوين النص الشعري، ولأجل الدراسة سأفصل لها: