متى يستقيم الاعوجاج المصاحب لإرساء الجهوية بالجنوب الشرقي المغربي؟

لحسن ايت الفقيه
2017 / 7 / 27

تعد جهة درعة تافيلالت، أو «درا تافيلالت بالأمازيغية»، جهة محدثة بامتياز. ذلك أن التقطيع الإداري الذي حصل في المغرب، وجرى تفعيله بعيد انتخابات خريف 2015 الجماعية، ما هو إلا تعديل للتقطيع السابق. وضمن عمل التعديل ينجر الترقيع، ويتجلى في متغيرات يصعب إدراكها، لأن خطاب المجالية فلسفي بشكل يجعلك تنبهر، وتتهاون على التمييز والنقد. وقد يغريك الجهاز المفاهيمي الجديد الذي حملته المجالية الإدارية، إن هي إلا مجالية أمنية بعيدة عن الحكامة وحقوق الإنسان، فتحسب تقرير الجهوية الموسعة الذي أنشأه المكلفون به، وأنهوا مهمتهم في ربيع سنة 2011، مرجعا لا يأتيه الباطل بالمرة. ولقد سلف أن ميزنا التقرير المذكور، في مقال نشر بموقع الحوار المتمدن الأغر، يوم 18 من شهر مارس من العام 2011، عدد3309 . وكلنا على دراية أنه لما تصاحب مشروعا ما حملات دعائية، كلها ثناء وتمجيد ومباركة، يستحوذ على المتتبع انبهار ضخم، ويجعله ينسى الجوهر. لكن الزمان كفيل بإبراز الاعوجاج أينما وجد، إذ إن كل نظرية لا تأخذ سلامتها وصدقها ونجاعتها إلا في التطبيق.
نزل تقطيع الجهوية الموسعة حاملا بعض الاعوجاج، كنحو تجريد بعض المدن المغربية، كانت بالأمس عواصم جهات، من أي دور وظيفي جهوي في الحال. هنالك اختفى شأن مدينة مكناس، وأفل نجم مدينة الحسيمة، وأزيح دور مدينة القنيطرة جانبا، وقس على ذلك مدينة سطات. ولقد نتج عن تقليص أدوار المدن عواصم الجهات دعم المدن المجاورة لها، والتي ساعدها الحظ لتستمر في قيادة الجهة، كنحو مدينة فاس وطنجة والرباط. ومعظم عواصم الجهات الحالية كانت بالأمس مدعمة ببنية تحتية جهوية، إذ تتوافر على مؤسسات جهوية مستقيمة بمواردها البشرية وبنايات وأرشيف. لكن جهة درعة تافيلالت برزت إلى الوجود يتيمة، ليس فيها مقرات ولا بنية تحتية. وقد يكون مفيد أن تشكل لجانا تقنية يوضع رهن إشارتها من المال، ما يكفي لإرساء هياكلها، في ظرف زماني قياسي. لكن الجهوية الموسعة، وما صاحبها من دعاية، تبهر المتتبعين، ليست إلا تصورا خاليا من ميكانزم التطبيق.
لقد صاحب تنزيل الجهوية، المتوقفة في الجنوب الشرقي المغربي على نسبة فائقة من مجهودات الموظفين الغيورين على هوياتهم المجالية، وهم الذين سلف أن رافعوا بناء عليها من أجل إحداث جهة جنوب شرق جبال الأطلس الكبير. كان بضعهم يقول: إننا في جهة غنية بمواردها الطبيعية، المعادن على وجه الخصوص، والبعض يقول: نحن نتوافر على مهارات وكفاءات. والكل رحب بهذه الجهة لأنها ستضع، على الأقل، حدا لتبعية الجنوب للشمال. لكن لا أحد طرح السؤال حول المؤسسية كنهج حديث يجب اعتماده. ولا يعنينا إن استقبلت بعض القطاعات مسؤولين لا يفرقون بين العصا والألف، أو بالتعبير المغربي، لا يفرقون بين (الليف والزرواطة). نشأ النقاش في البدء، حول أي نقطة عمرانية تشكل عاصمة للجهة، وطفا على السطح جدل تزعمه كل جدل [بكسر الدال] بمدينتي ورزازات والرشيدية، وترى كل فريق يدعم هويته المجالية.
وإنه من حسن حظ الجهة أنها تكاد تنطلق من لا شيء، مما يفتح لها فرص الاستفادة من نعم تحملها المؤسسية من مناهج في التفكير والتدبير، وقبل ذلك، تتمتع بنعمة الإحداث، إحداث مؤسسات جهوية سليمة تستجيب لحاجيات سكان المنطقة الفقيرة، الممتدة بشكل رحب جنوب الانكسار الأطلسي الجنوبي الذي يحجب عنها مؤثرات الرياح الشمالية الغربية، فيعم بها الجفاف، وتزحف الصحراء والفقر والجوع وتخلف التنمية.والحاصل في الواقع غياب أي اهتمام، فهناك مصالح حبت كراء دور بتجزئة بوتالامين لفتح مؤسسات جهوية، بمدينة الرشيدية، يعين فيها مناديب جهويون. ولأن المنطقة تطرد سكانها وموظفيها لقساوة الطبيعة والتهميش، فلا يصح بالمرة قياس حصول المؤسسية بوفرة الموارد البشرية الكفأة، لأن بقاء هؤلاء يجري بشكل مرحلي. فما أكثر الأطباء الذين هم يعينون بالمراكز العمرانية بالجهة، وتراهم يغادرون أماكنهم لأنهم مرضى، أو لأنهم يحصلون بسهولة على شواهد تثبت مرضاهم. فالخصاص ينتج دواما، مادمت المنطقة لا تتوافر على أي إمكانية للمقاومة والاستمرار. وإذا استقام طبيب، وبرز في الميدان بصفة مناضل غيور، متشبع بالوطنية، فإن صبره سرعان ما سينفد لوقع قساوة الطبيعة، وضعف التجهيزات والإمكانيات. ذلك أن هاجس الرحيل حاضر لدى كل من دخل الجهة، موظفا كان أم سجينا. إن ما ينسحب على الطبيب ينطبق على القاضي وعلى الأستاذ، فكل غير مستعد لآداء الأمانة وإنجاز المهمة.
وتتوافر الجهة على موارد بشرية في صفوف الذين جرى تنقيلهم تأديبيا ضمن رجال الشرطة والدرك والقضاة، نقلوا عقابا لهم على عدم رضاهم وانطباضهم في عملهم. وما أكثر الذين يواجهون التهديد بتعيينهم بالجنوب الشرقي المغربي، غن هم لم ينضبطوا في مؤسسات التكوين. إن التهديد بالتأديب يخلق هاجسا لدى الشخص، يتجلى في الميز الجغرافي، أن هناك مناطق منعم عنها ومناطق قاسية مما يضرب العدالة المجالية في العمق.
ونريد الوقوف عند بعض الأمثلة، لكن لغياب المعطيات، مادامت المصالح الجهوية أغلبها يقول: «العام زين»، خوفا أو طمعا، نكتفي بمثال التربية والتكوين الذي ينفتح تربويا على إرضاء كل الراغبين في الولوج إلى المعلومة. كان من المنتظر أن تحظى المصالح الجهوية بجهة درعة تافيلالت، بما يسميه الماهنون الجمعويون في المغرب ب«الميز الإيجابي»، لكن لوحظ أن المجهودات جميعها تبذل من لدن المسؤولين عن تدبير الشأن التعلمي أنفسهم، طوعا وكأنهم يشتغلون في إطار جمعية تنموية. ويسجل إيجابا أن بالجهة خمس مديريات إقليمية للتربية والتكوين: ثلاث مديريات إقليمية بكل من ورزازات، وتنغير، وزاكورة، أي: في الجزء الذي كان بالأمس تابعا لجهة سوس ماسة درعة، في التقطيع الجهوي السابق، ومديريتان بالجزء التابع لجهة مكناس تافيلالت سابقا، وهما المديرية الإقليمية للتربية والتكوين بالرشيدية والمديرية الإقليمية للتربية والتكوين بميدلت، كل هذه المديريات وإن استقام شأنها، فهي مثبط حقيقي عميق، في التدبير المالي لغياب الإشراف عن تسليم السلط. والذي حدث، فضلا عما سلف ذكره، أن الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة درعة تافيلالت، وإن ورثت مديريات مستقيمة من حيث مواردها البشرية والبنى التحتية، فإن المسؤول المالي لم يقدر على مسايرة وتيرة العمل بالجهة، سواء في خزن الأموال وتدبيرها، ولم يستطيع الانفعال مع التوجهات الإستراتيجية لوزارة التربية الوطنية. وحسب ما توافر لدينا من المعلومات فالجهة المنقطعة للصرف المالي محكوم عليها بالعشوائية والارتباك. وحسبنا أنه منذ إحداث الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين في بحر يناير من العام 2016، كان التفكير في تعيين من يدبر المال ابتداء من شهر فبراير من العام 2016، دون الإقدام على الإشراف على تسليم السلط بينه وبين من يجب من زملائه من المسؤولين. صحيح أن العمل يجري لكن بخطى وئيدة، وطالما يسير سير السلحفاة. ومن الغرائب النادرة العزوف عن العمل والتماطل لما يزيد على ثلاثة أشهر، عقب تعيين المسؤول عن المال. تزامن مثبط إغفال الإشراف عن تسليم السلط مع فترة الإعداد لإجراء امتحانات الباكالوريا لسنة 2016، وما تطلبه ذلك من مجهودات مضاعفة، واعتكاف لمدة شهرين، بذل ذلك رجاء، في انقاذ ما يمكن إنقاده، والحفاظ على ماء الوجه، بإعداد فضاءات المركز الجهوي للامتحانات وتأهيله وتجهيزه. وباختصار، فالمجهودات المبذولة، والتي لا ينكرها أحد، كانت لتكييف الوضع وتجاوز الأزمة. ولقد تضرر المعتكفون على إعداد الامتحان، وإنجازه من إغفال صرف تعويضاتهم، بعض الوقت، أو بصفة نهائية. وإلى جانب تضرر الموظفين في مستحقاتهم، لوحظ تأخير عملية الآداء للدائنين، فحصل الاحتجاج وعلا، ونقع الصراخ في وجه الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، التي نشأت تفقد مصداقيتها وثقتها لا لشيء، سوى أن مصيرها يوضع بأيدي مسؤولين متهورين، لا يعنيهم الالتزام في شيء. ولتدارك هفوات سنة 2016 عملت وزارة المالية على استبدال مسؤول، مكان مسؤول آخر، جيء به ليواصل المطل والتأخر، ويجسد التخلف في الآداء. ولقد صادفه المتتبعون يرسو على كرسي العمل ابتداء من شهر مايو من العام 2017.
لقد تأخر وفاء الأكاديمية بالتزاماتها بفعل موقف من لا يعنيه تقدم هذه الجهة المحدثة، ويخشى المتتبعون أن يحرم حوالي 650 أستاذا متعاقدا من مستحقاتهم، فإذا كان الأمر كذلك فويل للمتعاقدين الذين بلغ عددهم 1800 رجل وامرأة من وقع التهاون، فلن يحصل التأشير على عقود توظيفهم. ذلك هو نموذج معبر عن ضعف الثقافة المؤسساتية، وترجع المؤسسية كمذهب وتصور، وإنه، بدون تقوية روح المسؤولية، ومساعدة هذه الجهة من التخلص من أهوال التخلف، تظل الجهوية، في هذه المنطقة، شعارا للترويج وخطابا للاستهلاك.