الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالجنوب الشرقي المغربي

لحسن ايت الفقيه
2017 / 7 / 25

نظم مركز أسامر للأبحاث والدراسات الإستراتيجية المدعو اختصار كاريس (CARES) ندوة حول «وضعية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على ضوء المقتضيات الدستورية الجديدة بالجنوب»، عشية يوم الأربعاء 19 من شهر يوليوز من العام 2017 بالمكتبة الوطنية للمملكة الغربية بالرباط. وبدعوة منه طلب مني إلقاء مداخلة حول «دستور 2011 وفعلية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: مقاربة سوسيوسياسية، أسامر نموذجا». ولأني لا أمثل أي هيئة سياسية، وقد دعيت للمحفل حاملا صفة باحث في التراث الثقافي وماهن جمعوي بالجنوب الشرقي المغربي، المدعو باللسان الأمازيغي «أسامر»، وأحببت أن تكون المداخلة سمتها «واقع إعمال حقوق الإنسان بالجنوب الشرقي المغربي: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية نموذجا». وبالمناسبة لا يفوتني إلا أن أشكر المركز على دعوته، وإتاحته الفرصة لي لأجرس بعض المواقف حول وسط سوسيواجتماعي وثقافي يكاد أن يكون نسيا منسيا.
والمقصود بإعمال حقوق الإنسان التي حوتها بعض مواد الدستور المغربي ملامسة مواد الدستور ذات الصلة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع وجوب – يقينا أو افتراضا – تنزيل هذه المواد على وجهها، على مستوى النص، أي: القوانين. وأما إذا استحضرنا أن ذلك التنزيل، وإن حصل، لم يجر على وجهه بتمييز الواقع الحالي وتمحيصه، فإن ذلك يحدبنا عن القصد، ويبعدنا عنه وعن سلامته. وفوق ذلك، يبدو من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تغطية ثاني أكبر جهة في المغرب بالمسح. هنالك، يتوجب الاقتصار على بعض الأمثلة، أو النماذج. ولا شك أن المقاربة بالمثال لا تضاهي العمل بالنماذج، وكلتا المقاربتين لن ترقيا إلى التحليل الملموس للواقع الملموس، أو إلى ملامسة الواقع المبني، ولن تنزل، بالمقابل، إلى مجرد إلقاء بعض الأضواء، وتمحيص بعض الشذارت. تلك هي طبيعة المداخلات جميعها، إن هي مقيدة بأمد زمني قصير، احتراما لزمان الندوة جميعه.
لقد حق التركيز، فقط، على بعض العناصر، إن هي إلا مصدر غمرات، كنحو الأرض وما يتصل بها من المجاليات الثقافية ذات الصلة بالهويات الثقافية، وكنحو موارد الطبيعة، المناجم والمقالع والماء والغابات، ومدى القدرة على التحرك في المجال والتصرف فيه، وكنحو خدمات الدولة من صخة وتعليم، ومدى احترام ثقافة السكان الأصليين. ولو ثبت بعض التدخل من لدن المؤسسات الاجتماعية، لا يزال السؤال مطروحا حول مدى حضور حقوق الإنسان في السياسات العمومية الجهوية. فالعمل الحقوقي يكاد يتوقف على مجهودات المجتمع المدني وشبه المدني، في أحسن الأحوال. ولا غرو، فالتوتر بين السكان والسلطات الإدارية قد يقوي حضور المقاربة الأمنية، ويبعد الحكامة الأمنية، المؤسسة على حقوق الإنسان جانبا، وهي التي نشأ التحسيس لها والتجريس دفاعا عنها، وعن جدواها في الآونة الأخيرة. قد أتجاوز الجانب النظري ذي الصلة بالممارسة الاتفاقية، ووضع المغرب تجاهها، وقد سلف للدكتور خالد مقيت أن فصل فيها القول باللغة الفرنسية، وأريد أشير فقط إلى أن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما هو عهد، يندرج ضمن الاتفاقيات الملزمة، أي: إن توقيعها يحمل الدولة التي صدقتها على ملاءمة قوانينها الوطنية وتلك الاتفاقية، وعلى التنصيص الدستوري، وسن قوانين جديدة في نهاية المطاف. ولا أحد يجادل في المجهود الذي بذلته الدولة في التنصيص ضمن دستور 2011، لكن التنزيل وما يقضيه من ملاءمة القوانين أو سن القوانين الجديدة وربط النظرية بالتطبيق، عساها أن تأخذ سلامتها وصدقها، لا يزال مسؤولا. ولأني لست راصدا جيدا، فإن مداخلتي قد تنهل من المقالات الصحافية التي أجاهد نفسي وأكابدها لمتابعتها وجمعها، والبحوث الميدانية، حيث أني لا أتردد في تأطير بعض الطلبة، إن هم فضلوا إنشاء بحوثهم حول ثقافة قبائل المنطقة. وهناك محصول أوراش الجمعيات ونقاش الندوات التي أشارك فيها، دون إغفال الرجوع إلى دستور المملكة المغربية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والموضوع لا يزال يقول: هل من مزيد؟
تغشى هذه المداخلة ثلاثة محاور:
- الأرض، أو بتعبير الخطاب الحقوقي: «الحق في التصرف في موارد الطبيعة».
- خدمات الدولة الاجتماعية كنحو الصحة والتعليم.
- الثقافة والهوية الثقافية والذاكرة.
ذكر [فعل ماض مبني للمجهول] الأرض في متن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بتعبير: «التصرف الحر بالثروات والموارد الطبيعية» (الفقرة الثانية من المادة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية). وورد الحق في الملكية [بكسر الميم أو ضمها]، ضمن المادة 35 من دستور المملكة المغربية، وكذا الحفاظ على الثروات الطبيعية والوطنية. وكل تلك الحقوق تكاد تضاهي الحقوق العرفية في التصرف أو تعارضها. وحسبنا أن الأرض بالجنوب الشرقي منتظمة وظيفيا، وأحب أن أجمع وظائف الأرض في عبارة «المجال الوظيفي». فمالمقصود بالمجال الوظيفي؟ يعد المجال الوظيفي من صنع الثقافة غير العالمة، ويعني العلاقة بين الإنسان والأرض، التي تبدو في كثير من الأحيان قائمة على الدم، أو بالأحرى القرابة الدموية. وحسبنا أن ملك [بضم الفاء] الأرض لا يستقيم حتى تجري السيطرة على تلك الأرض بالدم. فالمجاليات الثقافية التي أنشاها الإنسان بالجنوب الشرقي المغربي مجاليات حربية ثقافية، وهناك مجاليات صوفية طرقية لن نفصل فيها الحديث في هذه المداخلة، ومجاليات ثقافية، غير حربية، تخص الأقليات العرقية التي لا يحق لها الدفاع عن نفسها. وكل أرض لا تسجل ملكيتها بالدم تعد أرضا غير ظاهرة، لدى بعض العشائر، وقد لا يحبذ أهلها الدفن فيها، وقد لا ترقى إلى مستوى المجالية الثقافية الحربية. ولما تملك الأرض بالقوة توزع عشائريا وإثنوغرافيا على أفراد القبيلة، توزيعا منتظما قد يسهل تمثيله تمثيلا كارتوغرافيا. ويعد الدفاع عن الأرض واحدا من أسس التحالف. وحسبنا أن المادة 79 من عرف بوذنيب تسمح للرحل الذين يقاتلون إلى جانب سكان بوذنيب، وحدهم، بالرعي في مجال بوذنيب الوظيفي. وقد ضمن لهم العرف حق الانتجاع، لبذلهم، أو الاستعداد للبذل في العقبى، بدماء أجسادهم دفاعا عن المجال. فالتحالف يقوم على أساس الدفاع الذاتي عن المجال الوظيفي، ويفتح المجال للزواج غير العشائري، وإن شئت الزواج غير الإثني، كما حصل لدى المرينيين الزناتيين لما تحالفوا بالزواج مع القبائل العربية التي تمكنت من السيطرة عل مجالات واسعة في بلاد المغرب. ولقد ظهر المجال الوظيفي ضمنيا في الوثائق المكتوبة منذ القرن الثامن عشر، فبشراء الأرض الزراعية يحصل تمتيع المشتري بالحق في التردد على مرعى القرية ومحطبها، وله الحق في بناء منزله بالمجال القابل للتعمير، والحق في الدفن في المقبرة، وفق ما يقتضيه الدفن العشائري، مع العلم هنا أن الشراء مغلف باللباس العشائري.
استقام تدبير المجال الوظيفي بعيدا، إلى حدود سنة 1935، أي: بعد السيطرة النهائية على الجنوب الشرقي المغربي، عقب المعارك، بوگافر، وأيت يعقوب، وجبل مصطريد....، هنالك نشأ تهديد المجال يحضر في الأشعار الأمازيغية. ولقد جاست فرنسا، خلال الوسط، وتوفقت في جمع الأعراف الأمازيغية بالجنوب الشرقي المغربي. وتدين بعض الفصول من التراث الشفاهي، للمجالية الثقافية الحربية. ولقد عملت فرنسا بالعرف في حل بعض النزاعات، وهدأ الوضع نسبيا. والغريب أن المعايير العرفية وظفتها فرنسا، بالباطل، في تجريد القبائل من مجالاتها. ويكفينا الاستشهاد بقبيلة أيت موسى التي فقدت هويتها المجالية، بفعل التدخل الفرنسي. ذلك أن الحماية الفرنسية لا تفتأ تعطي الحقوق في المجال لأولئك الذين وضعوا السلاح، ورفعوا العلم الأبيض تعبيرا عن الاستسلام، وسخرتهم في بناء طرق العربات لضمان مرور موظفي الإدارة الفرنسية وجنودها لفرض السيطرة الكاملة على بلاد المغرب. وأما الذين تمردوا وانقطعوا للمقاومة، فكثيرا ما تقلص فرنسا مجالهم الوظيفي أو تحرمهم منه. ولما غابت قبيلة أيت موسى، مهاجرة مجالها، لتنخرط بعيدا في محاربة الاستعمار الفرنسي، منذ سنة 1908، وإلى غاية سنة 1936، حيث انخرطت أول الأمر في معركة تازگارت سنة 1908، وفي حركة بلقاسم النگادي، وقاومت بأرض ورزازات، واستمرت في مسيرها إلى واد نون، وحصل خلاف، هناك، بين الاستعمارين الفرنسي والإسباني حول من يتكلف بأمر قبيلة أيت موسى، واستقر الوضع بإرجاعهم إلى موضع تاماسينت بين منطقة الرشيدية وبوذنيب، ليقضوا هناك بعض الوقت، كما لوكانوا في إقامة إجبارية، واستمروا على تلك الحال، إلى أن رحلت بعض الأسر إلى محيط منجم بوعروس، بالأطلس الكبير الشرقي، بإقليم ميدلت حاليا. وأما الأخرون فظلوا يترددون على المراعي المجاورة، وقد يصعدون الجبل صيفا، وينزلون حمادة گير شتاء. والذي حدث أن فرنسا جردتهم من الهوية الإدارية وظلوا على تلك الحال إلى يومه. وبعد الوعي بالكتابية التي تنطلق من تسجيل الأبناء بالحالة المدنية، واستخراج عقود الازدياد التي تؤسس لكل الوثائق الهوياتية نشأ الوضع يتعقد. وكل من أراد الحصول على بطاقة الهوية مدعو لتسجيل نفسه كمواطن مستقر بإحدى قرى بوذنييب (بني وزيم، بوذنيب، الطاوس، أولاد علي، تازگارت، وأقدوس، والگرعان). وباختصار، لم توظف فرنسا العرف على وجهه، فإذا كانت قاعدة الملك من قبلُ، تحرير الأرض بالدم، فإن قاعدتها اليوم المساهمة في احتلال المجال، أي تهدئته، والانقطاع لأعمال السخرة كنحو شق الطرق. وعلى هذا الأساس جردت فرنسا أيت موسى من الهوية المجالية، باستثناء الذين استقروا بموضعي تاوسارت وأجمو بمحيط منجم جبل بوعروس، فقد حصلوا على هوياتهم المجالية بإقليم ميدلت.
ومن جانب آخر، تشبثت القبائل والعشائر بهوياتها المجالية، واستمر العمل بالعرف بشكل يدانيه استرسال السلطة الإدارية في الوسط، إن بإحياء القيادات التقليدية الاقطاعية العشائرية، التي علا شأنها في عهد الاستعمار الفرنسي، أو بإرساء محاكم، تعمل بقوانين مجانبة للعرف، أو مدارس تعمل على نشر سياسة الاستيعاب الثقافي، دين واحد، ولغة واحدة، وشعب عربي واحد، مما انجر عنه طمس الهويات الثقافية، والهويات المجالية. وفي هذه الأجواء نشأ العرف يضرب، ويتقدم الشرع وفق ما ينص عليه الدين الإسلامي وحده. فما الذي انجر عن ذلك؟
نتج عن الرغبة في إزاحة العرف جانبا الغمرات التالية:
- التوتر بين قبيلة أيت إبراهيم الحديدوية وأيت يحيى حول جبل راست بالأطلس الكبير الشرقي في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وكان وراء ذلك التوتر السلطة الإدارية التي لم تحترم العرف السائد.
- التوتر بين قبيلة ملوانة (إملوان) بإملشيل حول مرعى إجيج. وملوانة إملشيل هم قسمان: ملوانة قصر (دوار) تيسيلا، وملوانة قصر (دوار) موتزلي. وكانت السلطة الإدارية، وإن حافظت على الأمن، لم تجد حلا للمعضلة، غير العودة إلى العرف، لكنها رفضت العرف. وظل مشكل ملوانة عالقا أمدا بعيدا.
- التوتر بين قصر أيناس وقصر الفگارة بإقليم زاگورة ابتداء من شهر مارس من العام 2012.
- التوتر المستديم بالمحيطات المنجمية، وإن كانت غير ذات صلة بالعرف في غالب الأحيان، فقد حصل أن تتدخل السلطة الإدارية في تعقيد النزاع. ويعنينا أن وسائل الإعلام نقلت خبر تسخير عون السلطة لتأجيج التوتر، ريث اعتصام سكان دوار تاسلا، جماعة تانسيفت، أملا في المطالبة بالتعويض في الأضرار الناتجة عن منجم بوزار، يوم 05 من شهر مايو من العام 2012..
- التوتر بجبل ألبان بتنغير، يبين أن لا استعداد لفهم مطالب السكان في التجمع القروي إيميضير وبالمحيط المنجمي هناك، والذي وراءه التشبث بالهوية المجالية.
- النزوع التدريجي نحو تجريد الأقليات العرقية من الهوية المجالية، يجري ذلك جليا بمحيط قرية تازمامارت. وإنه من المتعذر تفصيل القول في موضوعه لضيق المجال.
- حرمان قبيلة أيت خليفة من الهوية المجالية عقب كسح جماعة أيت خليفة الترابية وتوزيعها بين جماعتين الخنك وشرفاء مدغرة وحرمانها من استئجار مراعيها الشتوية، جنوب جبال الأطلس الكبير، منذ سنة 1968.
- عدم تأسيس الاستفادة من أرض الجموع على مباديء الحكامة الجيدة، مما نتج عنه حرمان النساء والأقليات العرقية من الاستفادة من الأرض.
- توسيع المجال المعمر على حساب الشريط الزراعي بالواحة بالمواضع التالية، تينجداد، وأرفود، وگلميمة، والريش، والرشيدية.
- انتشار العطش لندرة الماء الشروب بمجموعة من المواضع والنقط العمرانية بإقليم زاگورة.
- تدهور التربة الصالحة للزراعة بفعل التصحر والانجراف.
- الاستحواذ المهول على الأرض من لدن المستثمرين، وتخصيص إقطاعيات لأغراض تافهة، كنحو حدائق الحيوانات ومحميات الطيور، مما يقلص المجالات الوظيفية للقبائل، من ذلك الطرد المتكرر لنساء التجمع القروي تاديغوست من محطب القرية، ولم يبق للرحل بحوض گير، في الحال، سوى سرير الواد.
وأما المحور الثاني من المداخلة فيدور حول الخدمات الاجتماعية. وحسبنا أن الجهوية المتقدمة لحقتها بعض المثبطات بجهة درعة تافيلالت، بما هي جهة محدثة. فوزارة التربية الوطنية فلم تكلف نفسها عناء إرساء الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بعاصمة الجهة الرشيدية. وما كان لها إلا أن تنطلق بدون مقر وبدون موارد بشرية. وقد بلغ إلى علمنا أن ثلاثة إداريين فقط هم من يقوم بالعمل الإداري ويدبرون شأنه. ولا تزال وزارة التربية الوطنية تتعامل مع الأكاديمية كما لو كانت مؤسسة قديمة راسية على بنيات صلبة. ولم تتوفق الجهوية في إرساء الولوج إلى الصحة. ففضلا عن هلاك النساء الحوامل بإملشيل بفعل الإهمال والبعد عن المراكز الصحية، وضعف وسائل النقل الصحية، لم يطمئن السكان بعد على وضع أطفالهم إن هم يترددون على مراكز الصحة لقلة العناية والاهتمام. ولقد تابع الرأي العام مأساة وفاة الطفلة إيديا فخر الدين، بمنطقة تينغير، يوم الثلاثاء 12 من شهر أبريل من العام 2017، بعد أن أهملت في مسار طويل قطعته من مركز تينغير إلى فاس، مرورا بمدينة الرشيدية.
وأما المحور الثالث فيدور حول الثقافة. ولا تزال الثقافة بعيدة عن الملامسة المؤسساتية بما هي معطى، إن لم يكن هناك بعض التدهور مثل النزوع إلى تعريب الأسماء الأمازيغية، الأماكينية منها. وإذا استثنينا بعض المجهوادات في جمع التراث الشفاهي، كما فعل اتحاد كتاب المغرب، فرع الرشيدية، ومبادرة بعض الخواص في الممارسة المتحفية لا يزال العمل الثقافي لم ينل حظه من التدبير، إذ لم يزل منحصرا في المهرجانات، وإن بدت هذه الأخيرة تهتم، منذ سنة 2013 بموضوع التعدد الثقافي. وإذا استثنينا الاعتناء ببعض القصور والقصبات لأغراض سياحية، ظل المعمار يضرب في مجموعة من المناطق وباسم المؤسسة العمومية، ىحيث حصل تخريب أبراج دار الشياب بتنجداد، والمس بأسوار قصر لعشورية من لدن برنامج بوت (POT)، وتهديد أسوار قصر ملاعب. وسيزداد الوضع سوءا خصوصا لما بدأت الأمور تسند، في الجماعات الترابية، إلى أشخاص لا يؤمنون بالإنسان ولا بثقافته.
يستخلص مما سبق أن التوتر بين الثقافي والحقوقي قائم وطالما يلتهم الثقافي الحقوقي لذلك يتعين سؤلا في تنزيل دستور 2011 بجهة درعة تافيلالت، القيام بدراسة كل المؤثرات الثقافية التي تدخل في غمرات عنيفة مع الحقوق الطبيعية فتعطل الوعي بها وتنزيلها. ولما يلفى الباحث تعقيد الوضعية الثقافية يلجأ إلى ملاءمة النصوص كيف تقترب من واقع التنزيل. وما وراء ذلك، فالجنوب الشرقي المغربي لا يزال محتضنا، في غالب الأحيان الأنساق الثقافية القديمة، التي تعارض كل ما له بصلة بالحداثة وإعمال حقوق الإنسان. لذلك فلا الدولة ولا المجتمع المدني قادران على السير بعيدا في تنزيل الدستور ما لم يجاهدان في التكييف.