عندما تربط الأحداث نفسها بالتاريخ

فارس الكيخوه
2017 / 7 / 25

تعرفت في العمل قبل حوالي 20 سنة على شاب كردي عراقي ،وكنا نمزح معه ونقول انت فرنسي ولست كردي.كان أبيض ذو شعر وشارب اصفران وعيون خضر.فيقول لنا بأن أم جدتي كانت مسيحية ويقولون كانت جميلة جدا.فنقول له عذرك مقبول .
حادثة عابرة وبسيطة مرت ،ولكن أدركت وأنا أراجع الكتاب الذي ساذكره لاحقا في هذه المقالة، أنه لابد من ربطها بـ القصص المؤلمة التي سأذكرها في هذا المقال.
سير هنري ليارد...يعقوب ريس وبدرخان بيك .هم شخصيات حقيقية .ولكن من هم هؤلاء ومتى واين…؟
انه عام 1847 . أشيتا ( Asheetha ،قرية مسيحية في شمال العراق ،شمال الشرقي لمدينة دهوك.)عاد حوالي 200 عائلة إلى قريتهم، لبيوتهم ولحقولهم الفارغة واليابسة، ليبدأوا حياتهم من جديد ومن الصفروالعدم.أنهم الناجين من مذبحة القائد الكردي بدر خان بيك....ففي هجوم على القرى المسيحية في مناطقهم عام 1843 ,قام القائد الكردي بعملية إبادة شبه جماعية لمناطق المسيحيين،أكثر من 10000 قتيل وعلى رأسهم الكثير من رجال الدين.وأعداد كبيرة من السبايا من النساء والأطفال ،وطبعا سيقت المواشي والأغنام إلى المناطق الكردية وجمعت محاصيل الفلاحين وهرب من هرب من ذعر وخوف ،وحتى أسلحتهم كانت عادية وبدائية جدا ،فمعظمهم فلاحين وأصحاب حرف،وقد وعدهم الأكراد بحمايتهم من قبل.
هذا ليس كلامي، فأنا لم أكن هناك ،ولم ازورها يوما،ولكن Sir Henry Layard كان هناك ،وهو يقص كل هذا في كتابه
Nineveh and its Remains.( نينوى وبقاياها).
هنري لايارد،كان مسافر و رحالة بريطاني ، عالم آثار وهو مكتشف آثار وقصور الملوك الأشوريين في نينوى ونمرود.وله الفضل الأكبر في اكتشاف مكتبة الملك آشور بانيبال .وقد قام بعدة رحلات إلى شمال العراق لاستكشاف الآثار والتعرف على المنطقة..
قصص مرعبة ومؤلمة صراحة ،يذكرها هنري لايارد، قصص إبادة وتعدي وقتل وسبي ونهب ، في مناطق Tiyari,أو ما يسمى تيرايي.ومعظمها تحت مظلة الدين،فالفتوى التي مهدت لتلك المجازر حرمت الأكراد من قتل إخوانهم المسلمين العثمانيين وحللت غيرهم.
اما بناء مدرسة من قبل بعض المبشرين الأمريكيين في اشيتا ،كان أيضا من أسباب بداية عمليات الإبادة بحجة أن الأمريكان كانوا ينوون بناء حصون وبالتالي احتلال البلاد…..تصوروا بناء مدرسة صغيرة !
يعقوب ريس كان شاهد على الكثير من المجازر،فهو نفسه كان رهينة عند بدر خان، واخلي سبيله مقابل بعض المال…
زويتة قرية مسيحية أخرى تقع في نفس الوادي مع اشيتا ،زارها هنري لايارد مع يعقوب ريس.ولكن ,لا حياة هناك...
مينيانش.قرية أخرى وبيوت مدمرة بالكامل ومجزرة حيث قتل أكثر من 300 شخص.
أينما يحل هنري لايارد ضيفا على القرى المسيحية،كانت هناك دموع وألم وخوف من الصغير والكبير،يرى في وجوههم البؤس والشقاء ..ماذنبنا ؟ ماذا فعلنا لكي يكون هذا مصيرنا ؟ والى متى ؟ بلا شك فنحن ننتظر المزيد .
ولكن بالقرب من قرية Lizan.وبالقرب من نهر الزاب.حدثت ابشع المجازر ،فبعد مجزرة اشيتا وصل الخبر إلى قرى Lizan بتقدم بدر خان.فأخذ الأهالي ما بوسعهم ولجأوا الى سفح جبل محاولين التخلص من عيون الأكراد او على الاقل الدفاع الاسهل من الأعلى.ولكن عيون بدر خان ترصدت لهم وبدأ بحصارهم.وكان ما كان بعد ثلاثة أيام من الحصار ،استسلم الأهالي بعد أن وعدهم بدر خان حالفا بالقرآن إخلاء سبيلهم إذا ألقوا أسلحتهم وممتلكاتهم……...ولكن !
.أخذ يعقوب ريس ضيفه لايارد إلى سفح جبل وعر ذو صخور كثيرة ،وهناك شاهد لايارد جماجم كثيرة واكوام من العظام.ورائحة ملابس نتنة.وكلما تقدم أكثر، كان المأساة اكبر واعمق.هياكل عظمية لازالت معلقة على الشجيرات.حاول لايارد عدهم،ولكنه سرعان ما اضطر إلى التخلي عن فكرته.وعند تقدمه إلى حائط صخري كبير،كان الممر مغطى بالعظام، متشابكة مع الكثير من ملابس النساء الممزقة والتي فقدت حتى ألوانها. أحذية ممزقة وملقاة في كل ناحية.وجماجم من كل الاحجام والاعمار.من الأطفال الغير المولودين إلى الشيوخ عديم الأسنان. حاول أن يتجنب المشي على العظام وهو يتقدم اكثر ولكن مستحيل…..هذا لا شئ ! يقول يعقوب ريس وهو يريه سفح الجبل المطل على الزاب وكم هو منحدر عالي وعميق.من هنا الكثير أجبر على إلقاء نفسه إلى تحت وهناك جثث لا تحصى تحت.
أما جسر Lizan.فله هو الآخر قصة بطولية ولكن محزنة للغاية.ابطالها فتيات من قبيلة تيرايي ومن قرية سيرسبيثو،فعندما كانوا مقتادين من قبل رجال بدرخان كسبايا،بعد عودتهم من المذبحة الكبرى، فضلت الفتيات إلقاء أنفسهن وفي نفس الوقت من على هذا الجسر إلى نهر الزاب،حيث غرقوا جميعا ،مفضلين الموت على العيش كسبايا أو تغيير دينهم.
قصص كثيرة أخرى محزنة ومؤلمة لا مجال لذكرها هنا،وكان هناك المئات من السبايا التي لم يعرف مصيرهن.ولكني حاولت فقط أن أربط الأحداث ومعها التاريخ ،.،وربما ابعث رسالة إلى صديقي احمد واقول له ،اعرف اجدادك،وابحث عن تاريخهم.. فالتاريخ ذو وجه مقدس وبطولي ،له وجه آخر قبيح هو مأساة وحزن ودموع للآخرين…وبالتالي ليس مشرفا كما كنا نقرأ في الكتب…..