الحُلو الهارب إلى مصيره رواية العراقي -وحيد غانم-: عالم الشارع العراقي الحقيقي

سلام إبراهيم
2017 / 7 / 24

الحُلو الهارب إلى مصيره
رواية العراقي "وحيد غانم"
عالم الشارع العراقي الحقيقي

أعد رواية "وحيد غانم" -الحلو الهارب إلى مصيره- رواية من روايات الحد الفاصل في الأدب العراقي بين الأدب الشكلي والحقيقي المتوالد من المعاناة ورحم الشارع العراقي.
فإذا كان "فؤاد التكرلي" قد قلّبَ أوراق المحاكم كونه قاضياً وعرض تفاصيل تتعلق بسفح المحارم في البيئة العراقية المتزمتة في رواياته، فأن "وحيد غانم" قد نزل إلى الشارع العراقي الشعبي ومشاغله في قضية الجنس فالبيئة العراقية وبنية المجتمع مناسبة للسر والشذوذ الممارس على نطاق يومي وواسع والذي سكت عنه الأدب العراقي الشكلي وصور العراقي في أفضل نماذجه ككائن من ظلال، يحلم بفيء جدار أو بستان، وليل العراق ضاج بما جاءت هذه الرواية.
ينسج الروائي شخصيات روايته نسجاً محكماً متخذاً من شخصيتين مركزيتين محوراً يدور حولهما السرد بالضمير الثالث "الراوي العليم". من خلال حركتهما وتاريخ علاقتهما بالمحيط تنبثق شخصيات كثيرة من الماضي حينما يكشف السرد عن طبيعة تكوين كل منهما، ومن الحاضر في خضم تطور السرد وهو يصور حاضر زمن الرواية الخارجي.
الشخصية الأولى "عباس" شرطي في الأجهزة التي تشكلت عقب الاحتلال، شقي، لوطي، قاتل، له حياة سرية في التسليب والنهب والاغتصاب والسرقة، يكشف السرد لاحقاً عن تاريخه الشخصي حيث عمل في الأجهزة الأمنية السرية زمن الدكتاتور، وخرق الضوابط فعذب وسجن في "أبو غريب" ولم يطلق سراحه إلا قبيل الاحتلال حينما أفرج الدكتاتور عن آلاف المجرمين العاديين من سجونه ليزيد الفوضى والاضطراب.
والثانية "مهنا" شاذ جنسياً للوهلة الأولى، لكن مع تقدم السرد نكتشف بأنه صبي جميل من عائلة متمكنة يختطف من أشقياء لوطية لهم علاقة بأجهزة الأمن ويغتصب، فيستسلم لقدره وتتكون لديه شخصية جديدة مكتسبة تستطيب عملية الوطء في معادلة نفسية صحيحة في البيئات المتزمتة كالبيئة العراقية، ينتقل من البصرة إلى بغداد حيث أحداث الرواية في الحاضر في أول أيام الاحتلال الأمريكي 2003.
أجواء الرواية وشخوصها وبيئتها ومكانها وطوال 375 صفحة تبحر وتتفحص وتتأمل بالتفصيل في بيئة الشارع العراقي ليست الظاهرة وأقصد بالظاهرة مستوى العلاقات الشكلية العامة في المقاهي والعائلة بالرغم من مرورها بهذي التفاصيل كجزء من التأثيث للنص، بل البيئة الحقيقية الكامنة في السلوك الخفي لأفراد مجتمع كبت اجتماعي وجنسي وسياسي وأخلاقي وما يولده الكبت من أفعال وسلوك ولغة أيضاً، صَوّرَ السرد هذه البيئة الواقعية والأفعال من شذوذ واغتصاب وسرقة وكذب وتحايل وازدواج القيم والمعايير تصويراً دقيقاً آسراً وبلغة سرد سلسلة متينة واضحة بها لمسه شاعرية وفلسفية وبحياد مما جعل النص ناصعاً في اللغة وما صورته من حالات وأحداث وشخصيات.
هذه البيئة الحقيقة للواقع العراقي والتي يكمن خلفها الكثير من مآزق المجتمع العراقي والشخصية العراقية تحاشاها الأدب العراقي طوال تاريخه ما عدا بعض النماذج القليلة.
يغطى زمن الرواية الخارجي أحداث العراق منذ استيلاء حزب البعث على السلطة مرة أخرى 1968، راصدة من خلال الشخصية المحورية "عباس" الكيفية التي عملت عليها لبناء أجهزة قمعها من خلال الخوص في تشكيل فرق اغتيال خاصة لديها مهام سرية بتصفية الخصوم السياسيين، عارضاً بنيتها التي تكونت في أيام السلطة الأولى من أشقياء المجتمع العراقي الذين خيروا بين التصفية أو العمل في تلك الأجهزة، وكان "عباس" من الشخصيات التي عملت فيها. وبالفعل هذه الشريحة اختفت في تلك الظروف من الشارع العراقي. لم ينقل النص تفاصيل أحداث بل قدم تحليلاً نفسياً لشخصية القاتل وكشفاً لدافع القتل وطبيعة المشاعر عقب ارتكاب الجرم في مرحلة نشوة القتل المريضة الأولى، وما يحدث عقب تبددها، فقد برع الكاتب في تصوير المشاهد بسرد آسر عميق مثقل بالأفكار للحظات المغتصبة والقتيلة الأخيرة، ومشاعر القاتل، والتباس الدوافع، والرغبة بالحياة، هنا سأورد شاهد طويل نسبياً يصور عباس وهو يقتل "أم ستار"في شقتها، يقدم نموذجا لطبيعة أداء السرد في الرواية:
( ضغطها نحو الأرض وخلع ثوبها، جرّه، مزقه، أثاره أنينها ونظرتها المتوسلة وهي ترى وجهه يتقد ولعابه يسيل، كان يشتهيها، يريد افتراسها، وقد أملت بالنجاة إذ رأت الرغبة المتلظية في عينيه، بينما أثاره أكثر امتلاء وجهها وحاجباها الرفيعان.
ضاجعها وشعر بامتلائها وسعة بطنها، فعل كل ما تخيّله، فيما المرأة تئن تحته وتتوسل مرددة "هيّا عفيه ابني.. ارتاح..!".
لم ينه رغبته، دون أن يفهم ما دعاه إلى عدم إطلاق شهوته، ربما أرادها أن تبقى على قيد الحياة، تمتّعه كلما رغب كما يمتعه أبنها، إلا أن قوة مظلمة اجتاحته ما أن خطر له وجه ماما المعذّب، لم يفكر طويلا، لثم عنقها بترو ناهلا لذته من حرارتها وخوفها، ثم سحب مسدسه الكاتم ونسف دماغها.
لعل عصف الموت فاجأ المرأة، بعد أن أملت بالنجاة. قذفت بها الرصاصة من لذة مغتصبة نحو الظلام. اهتز جسمها بعنف تحته وشعر بتقلص لحمها وانقباضه على عضوه وكأن روحها هي التي تشبثت به، ارتجفت تحته ثن خمدت أنفاسها) ص32.
ومن خلال الشخصية نفسها "عباس" ندخل سجن "أبو غريب" العراقي الشهير، ونطلع على أجواء السجن والعلاقات الاجتماعية بين السجناء العاديين والقتلة، وتجليات بيئة الكبت المضاف التي تضخم الرغبات جميعها، والجنسية خصوصاً، فنلمس توهج الشهوات أثناء زيارات الأهل، الاستمناء، المخدرات، اللواط، والتآمر على السجناء الشباب الجدد، وقاموس للغة الشوارع والشقاوات والسجون، ويمعن الكاتب في كل مفصل وتفصيل في دراسة البشر وتصنيف الأشقياء، عشاق الجمال الذكوري، التكوين النفسي وعلاقة الشهوة بالجنس بالقتل بالحب ببيئة السجن، سايكولوجية الضعف، مثلاً اغتصاب السجين "حسن شناوة" أول دخوله القاووش فلم يقاوم، خانعاً لكل هب ودب ص42.
كما نجد وصف الجلاد "من يقوم بتنفيذ أحكام الإعدام" وتحليل بنيته النفسية وتكوينه وانعكاس عمله على سلوكه. الرواية في الحقيقية منجم نفسي كبير وضع الشخصية العراقية من الداخل في الضوء، والأحكام التي تتبلور في تعليق السارد العليم في خلاصة الحدث المصور والتحليل تكاد تنطبق على العراقي بصفه عامة، إذ وجد العراقي نفسه متورطاً بالعنف والقتل بهذا الشكل أو ذاك منذ أكثر 30 عاماً، من خلال سوقه جنديا وقت الدكتاتور إلى جبهات الحرب أو عمله في أجهزة السلطة الأمنية، أو ممارسته القتل في الحروب الأهلية التالية عقب الاحتلال والمستمرة حتى الآن.
لم تتبع رواية عراقية جذر نشأة الأجهزة الأمنية كما فعلت هذه الرواية من خلال تتبع حياة الشخصية المحورية "عباس" الشقي، رجل الأمن السابق، المحكوم، ثم عقب الاحتلال كشرطي في التشكيل الجديد الفاسد منذ اللحظة الأولى.
كما تتبعت الكيفية التي تطورت فيها شخصيات شعبية بنت سوق "الطيور مثلا" إلى شخصيات سياسية برداء الدين وكيف قامت بإنشاء فصائلها المسلحة التي تغلغلت وسيطرت على كل شيء وأوقدت الفوضى، كما قام النص بتقديم التكوين الاجتماعي والنفسي لهذه النماذج وأفعالها من خلال تصوير عمليات الخطف والابتزاز الخفي، خطف المترجم مثلا من سوق الطيور بشارع الجمهورية من قبل رجال شرطة ملثمين وبيعه لمجموعات مسلحة أخرى، وكل هذه الأحداث جاءت ضمن سياق سرد يبدو للوهلة الأولى عفوياً، لكنه في حقيقة الأمر شديد التنظيم في بنية رواية محكمة بلغتها الخاصة التي هي مزيج من لغة الحياة اليومية القريبة إلى العامية والفصحى البليغة وهي تلقط أشد اللحظات الإنسانية والحالات الشاعرية بصياغات صافية.
الجنس في الرواية ليس مادة للإثارة‘ بل دافع للوجود الإنساني يجد من خلاله الإنسان الدفء العاطفي، الهروب من الوحدة، تفريغ الغريزة، طرد الوحشة، الشعور بالأمان. كل هذا يجيد الروائي رصده ووصفه وتحليل بواعثه كل حالة على انفراد وحسب طبيعة الشخصيات التي تمارس فعل الجنس. عباس الأعور مع عفاف الراقصة السابقة بجسمها المترهل مثلاً، لنقرأ مقطعا ونرى التوافق فيه بين الوصف والفعل والحركة والتحليل النفسي والبعد الاجتماعي بجمل مكثفة تضج بالأفكار كما هو حال غالبية السرد في الرواية:
(ضاجعها في الليلة التالية وكل الليالي في حجرة مهنا، متعته بمص لسانه واللعب بمؤخرته!. فاجأته، لم يفعلها معه أحد من قبل. أنتفض في البداية وأنتوى ضربها، لكنها ضمّته ضاحكة، لأنها أرادته أن ينتصب كالرمح، وعندما هيّجته تحرك كالثور وأمتعها مع أن لحمها كان مترهلاً، كان يعلم أن الفتاتين تصغيان لشهقاتهما، لكن عفاف لم تحفل فهي تغرق في عمى رغبتها، تشبثها به، وقد تدبّر لها مصروفها اليومي وشرابها دون أن تربطه بها إلا عاطفتها المتضوّرة، فكأنها تضم إلى حضنها ذئباً تائهاً، لكنه لم يمنحها وعداً بالبقاء، قال حاسماً الأمر منذ الليلة الأولى "أنا طير برّ فلا تحلمي ولا تؤذيني بأفكارك")ص 104.
وأخيراً يقدم الروائي شخصياته المسحوقة الشاذة بحياد وتعاطف إنساني خفي وشجن يجعل القارئ يتعاطف مع مشاعرها ومأزقها الوجودي العاصف في بيئة اجتماعية صارمة، يتعاطف بالرغم من الموقف الاجتماعي المعياري، يحقق ذلك من خلال الأداء والسرد الذي يقف خلفه موهبة وفلسفة عميقة تؤمن بالوجود ومأزقه بغض النظر عن موقع الإنسان فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* صدرت عن دار الجمل 2016