الحب وأزمة عنق الزجاجة

رولا حسينات
2017 / 7 / 23

الحب وأزمة عنق الزجاجة
لم أكن أعرف يوما أن أبي يحب أمي ...فلم ألحظ بينهما نظرة محبة أو ما يخفى علينا من كلام الحب ولم أشهد يوما هدية ملفوفة بورق السلفان أو شريطا حريريا حول باقة من الورود التي تفوح عطرا وتلهب بحمرتها الحواس...
لم أعرف سوى الكثير من الأكياس المليئة بالفواكه والخضراوات، والكثير من الحاجيات للمنزل...
وكنت أدرك أن أبي لا يستطيع أن يرفض لأمي كلمة بأمر يخص بيتنا الصغير، و يسارع في تنفيذه رغم مسلسل الدراما اليومي الرافض لذلك، والتهم التي تلقى من الطرفين بتشدد الطرف الأخر أو تراخيه...ولكن النهاية تكون بتلبية المطلوب ...
لم يكن هناك حسابات مختلطة، فكل منهما يعرف ما له، وما عليه، وأن مالية الأسرة كانت بيد أمي تراعي فيها شؤون البيت، وشؤون أبي، وشؤوننا دون أن ينقص منها ولو الشيء اليسير، وكل منهما يعمل بجد من أجل الأسرة الصغيرة، إيمانهما بأن عليهما أن يقدما أفضل حياة ممكنة ضمن الظروف المعيشية التي لن يرتفع سقفها إلا بالأساطير، لكن يمكنهما الإبقاء على رفاهية العيش ضمن الواقع مع تعليم جيد وكسوة نظيفة ومرتبة، وظهور لائق أمام الأقارب، مع سياسية الإقلال من الزيارات والتركيز على لحمة البيت الداخلي، ورفض إطلاع الآخرين على المشاكل العالقة كفقاقيع الصابون، التي ما تلبث أن تزول دون أن نلحظ أيٍّ مناقشة أو شجار لحلها، كان الكثير منها يزول بتغيب عفوي منهما، وكأن الأيام والسنوات كفيلة بأن تحلَّ كل شيء، وأن الأهم في منهجهما هو الأسرة، والحب بتعريفهما: تحقيق ما حلما به من نجاح لأولادهم.
الحب الذي وجدتهما يعيشان فيه من نوع آخر ليس فيه علاقة حميمية تنتهي بفراق أزلي، وليس حبا جسديا ينتهي بزوال الشهوة بينهما، وليس حبا ماديا قائما على تقديم الهدايا الثمينة...إنه حب يفتت الصخر...
الحب الذي اجتهدا في زرعه فينا، أن نعطي، وأن نرقى بأخلاقنا، و أن نترفع عن الترهات وعن المستنقعات التي لا يمكن لأحد الخروج منها، دون أن تترك أثرا عالقا في الجسد، والنفس علمانا أن الحب تضحية وإيثار وأن لا ينتظر الواحد فينا الأخر ليبادر، فتكون المبادرة من كليهما...
فكان الحب الذي يفتت الصخر لرؤيتهما معا في كبرهما يتوكأ أحدهما على الآخر وأحدهما يمسح حزن الآخر وألمه... و يقشر عنه فواتير الكبر وسقمه.
إنه الحب الذي لا يمكن أن ينتهي بمجرد كلمة أو خسارة أو ارتباط هش قد ينتهي بطلاق في سن مبكرة...
إن ما أفرط المجتمع في إفساده هو عدم تعليم الفتاة أو الشاب المقبل على الزواج القدرة على احتمال الآخر، وهذه القدرة لا تأتي بين يوم وليلة، بل هي في المنهج التربوي داخل مؤسسة الأسرة، وهو المنهج الذي يقوم على احترام الأخر فكرا وحوارا وتعاملا، وهو المنهج الذي يلبي احتياجات المرء للتقدير من خلال هرم ماسلو للاحتياجات...
وهذه الاحتياجات لا يمكن لأي فرد في المجتمع تحقيقها دون أن يكون متفاعلا مع الآخرين ضمن أي منظومة مجتمعية، وهذا الذي بالضرورة أدى إلى انتهاج منهج العنف، وأحادية التفكير، والاتجاه الواحد في الرأي دون أن يكون هناك مفهوم الرأي الآخر...
إن عدم القدرة على احتواء المشاكل مهما كان حجمها، وعدم القدرة على حلها، واللجوء إلى الطرف الثالث في حلها والذي ليس له مصلحة في حلها، مما يؤدي إلى أزمة عنق الزجاجة.
...ناهيك عن عدم الإيمان بالمصلحة العامة، وعدم فهم المسؤولية بتعريفها، وبممارستها، وأن كل منهما مسؤول، ومسؤول وفق حقوق، وواجبات، وخطوط عريضة، وخطوط دقيقة ومسؤولية متكاملة تسعى لهدف واحد، وهو الهدف العام الذي من أهم مقوماته: نجاح المنظمة الأسرية ...
إن مفهوم الحب والعشق والشهوانية التي دارت حولها قصص الحب، ومغامرات الغرام لم تبتعد عن الجسد، وقضاء الوطر وإن انتهى كل من مكمليّ المعادلة الأسرية من ذلك، خبت نار الحب وانطفأت لاقترانه بعامل واحد وهو تحقيق الرغبة، بإغفال الروحانية التي هي الخلطة السرية لنجاح أي علاقة أسرية، كان هدفها مصلحة الأسرة، ونجاح الزوجيين في ذلك نابع من إيمانهما المطلق بأن عليهما عاتق إنجاحها بعيدا عن صور الأنانية، والفراغ الروحي، والديني، ومنطق المعاملة غير السوية.