المركزية الديمقراطية

نجم الدليمي
2017 / 7 / 6

المركزية الديمقراطية
أعداد وتقديم
د. نجم الدليمي
تعد المركزية – الديمقراطية أهم مبدأ لأدارة المجتمع الأشتراكي ، ولبناء ونشاط الحزب والدولة الأشتراكية والمنظمات الأجتماعية .
إن المركزية – الديمقراطية بوصفها مبدأ لأدارة المجتمع ، هي عبارة عن الجمع بين الديمقراطية - اي سلطة الكادحين الكلية ومبادئهم ونشاطهم الذاتي وأنتخاب الهيئات القيادية ومحاسبتها أمام الجمهور الحزبي (أجتماع ، مؤتمر ...) وبين المركزية – اي القيادة من مركز واحد وخضوع الأقلية للأكثرية ، والأنضباط . أن دور وفعالية المركزية – الديمقراطية يكمن في الأساس في قيادة الحزب والدولة والأقتصاد . وفقاً لمبداء المركزية الديمقراطية يتم أنتخاب جميع هيئات سلطة الدولة من أدناها الى أعلاها ومحاسبتها أمام الشعب وألزامية قرارات الهيئات الأعلى للهيئات الأدنى .
إن المركزية – الديمقراطية تجمع بين القيادة الواحدة وبين مبادرة ومسؤولية كل هيئة من هيئات الدولة وكل أداري عن العمل المعهود به. لقد صاغ ماركس وأنجلس مبدأ المركزية الديمقراطية بخطوطه الكبرى وتم تطبيقه في عصبة الشيوعيين ثم في الأممية الأولى . أن مبعث هذا المبدأ هو حاجة الحركة العمالية الى توحيد قواها في النضال ضد الرأسمالية والأمبريالية ، والى تأمين صلابة الطليعة البروليتارية وتنظيمها .
لقد طور فلاديمير لينين قائد البروليتاريا العظيم مبدأ المركزية – الديمقراطية تطويراً خلاقاً ووفقاً للظروف التاريخية الجديدة ، اي لعهد الثورات البروليتارية ، وفي عام 1906 وفي المؤتمر الرابع للحزب إذ ثبت في نظامه الداخلي (( أن جميع منظمات الحزب ينبغي أن تبنى على مبادئ المركزية – الديمقراطية )) .
أن المركزية الديمقراطية بوصفها مبدأ البناء الحزبي تشكل اليوم أساساً راسخاً لنشاط الأحزاب الشيوعية والعمالية التي تسترشد بنظريتها العلمية والثورية وهي النظرية الماركسية – اللينينية ولبنيتها التنظيمية . ان ضرورة بناء الحزب الشيوعي على أسس الديمقراطية تنبع قبل كل شيء من ذلك الدور الحاسم الذي تضطلع به الطبقة العاملة والجماهير الكادحة في حقل الأبداع التاريخي .
أن تنظيم حياة الحزب على أساس المركزية الديمقراطية يؤمن للشيوعيين التأثير الحاسم في رسم سياسة الحزب وتكوين هيئاته القيادية يوفر المقدمات الضرورية لنشاط الشيوعيين الفعال من أجل تحقيق أهداف الحزب وبرنامجه ، ان ضرورة بناء الحزب على اساس المركزية تنبع من الطابع الطبقي للمجتمع وكذلك من طابع وأفكار الحزب ذاته بوصفه منظمة سياسية للطبقة العاملة وحلفائها تطرح مهمة إسقاط النظام الرأسمالي الأستغلالي وبناء الأشتراكية ، وخير دليل ما حدث في روسيا عام 1917 بقيام ثورة أكتوبر الأشتراكية العظمى بقيادة لينين – ستالين ورفاقهما الأخرين .
لقد كتب لينين (( ليس للبروليتاريا سلاح في نظالها وفي سبيل الحكم سوى التنظيم . إن وحدة الحزب الفكرية والتنظيمية ضرورية لكي يكون بمقدوره ان يقاوم ضغط أيديولوجية الأمبريالية سواء على صعيد جماهير الشغيلة أم على الشيوعيين أنفسهم . أن الحزب الشيوعي يقوم ويعمل على اساس المبادئ الفكرية والتكتيكية والتنظيمية الواحدة وله هيئة قيادية عليا واحدة وهي مؤتمر الحزب .
أن المركزية تعني محاسبة الهيئات الحزبية أمام منظماتها الحزبية وأمام المنظمات الأعلى وهي تتطلب من جميع أعضاء الحزب الأنضباط الحزبي الصلب والمسؤولية الواحدة أمام الحزب بغض النظر عن المراكز التي يشغلونها . إن الأنضباط الحزبي المبدئي والسليم والتمسك
بالأصول الديمقراطية لحل القضايا الحزبية مطلبان يشترط احداهما الأخر . فلا يجوز تعزيز المركزية أعتباطاً وتضييق الديمقراطية الحزبية دون الحاق ضرر كبير بفعالية الحزب ودوره القيادي وتأثيره في المجتمع .
وكذلك لا يمكن بدون الحاق ضرر كبير بالحزب ، توسيع الديمقراطية ونسيان ضروة المركزية والتشدد والانضباط الحزبي الدقيق .
إن النسبة بين الديمقراطية والمركزية في نشاط الحزب العملي رهن بالظروف التاريخية الملموسة ومستوى نضوج العلاقات الحزبية الداخلية والمهام التي تواجه الحزب .
إن تطبيق مبدأ المركزية الديمقراطية في أدارة الأقتصاد الوطني له أهمية كبيرة جداً في ظل الأشتراكية وبهذا الخصوص يؤكد لينين إن (( مهمتنا الأن أن تطبق المركزية الديمقراطية على وجه الضبط في ميدان الأقتصاد)). إن ألأنتاج الأشتراكي الكبير العصري هو الأساس المادي والتكنيكي للمركزية الديمقراطية في السياسة الأقتصادية ، كما أن الملكية الأشتراكية لوسائل الأنتاج التي تربط جميع فروع الأقتصاد هي أساسها الأقتصادي . أما الظروف الأجتماعية والسياسية الضرورية فيوفرها وجود سلطة الدولة في أيدي الشغيلة ووحدة المجتمع الأجتماعية والسياسية والفكرية وتطابق المصالح الجذرية للمجتمع والطبقات والجماعات والأفراد .
إن المركزية الديمقراطية في البناء الأقتصادي تؤمن وتعبئ جميع الموارد البشرية والمادية خدمة للمجتمع والأقتصاد الاشتراكي بهدف تحقيق الرخاء والرفاهية المادية والروحية للمواطن الأشتراكي . وبقد ما تتطور الأشتراكية العلمية وتتوطد ، تتعاظم الامكانيات الموضوعية لأجل مواصلة تطوير الديمقراطية والمركزية سواء بسواء .
إن تطبيق مبدأ المركزية الديمقراطية في حياة الحزب غاية في الأهمية يتطلب فهماً وأيماناً كاملاً ومرناً من جميع أعضاء الحزب من القيادة حتى القاعدة ، ويجب ان تعطي قيادة الحزب وكادرها المتقدم المثل الحي والملموس في فهم وتطبيق هذه المبدأ على جميع الرفاق لمصلحة الحزب التنظيمية والفكرية .
الملاحظ ان الغالبية العظمى من قيادات الأحزاب الشيوعية لم تلتزم ولم تطبق هذا المبدأ الهام وبما يخدم مسيرة وهدف الحزب وهذا يعود لأسباب عديدة ، منها عدم الايمان والفهم واحيناً الجهل لهذا المبدأ من الناحية النظرية والتطبيقية ، فهو يطبق أحياناً وفقاً للمزاج أو لأعتبارات غير مبدئيه ويرجع سبب ذلك وغيره الى أن غالبية قيادات الأحزاب الشيوعية ظهرت من أصول فلاحية / مجتمعات زراعية تابعة ومتخلفة بحكم التبعية للأستعمار القديم / الحديث ، وبالتالي فهي تأثرت بسلوكها السياسي بالعادات والتقاليد النابعة من المجتمع الأقطاعي المتخلف وبالنتيجة عكس هذا السلوك أو سلوكها على هيئات الحزب وعلى الرفاق في تعاملها الحزبي ، إي إنها لم تتخلص وبشكل كامل من أرث النظام الأقطاعي المتخلف .
وكما يلاحظ أن غالبية الأحزاب الشيوعية تعاني من ضعف الوحدة والتنظيمية وغياب شبة كامل للديمقراطية الداخلية من حيث الممارسة وغياب مبدأ النقد والنقد الذاتي وضعف العلاقات الرفاقية الحميمة ... وبسبب ذلك وغيره ظهرت الأنشقاقات داخل الحزب او الحركة الشيوعية العالمية ، ناهيك عن أنقسامها على الصعيد الدولي ، وظهرت التكتلات الحزبية داخل الحزب وحتى ممارسة السلوك اللامبدئي – اي التأمر داخل الحزب من قبل رئيس الحزب أو من قبل مجموعة من المتنفذين في قيادة الحزب بالضد من رفاق الحزب سواء كانوا معهم في قيادة الحزب او ضد الكوادر المخلصة وهؤلاء المتأمرون يجيدون فن التأمر والسلوك التأمري وتشويه مكانة الرفيق السياسية / الأجتماعية وعبر التنظيم ، ومما يؤسف له ان بعض أو غالبية الرفاق (( يؤمنون )) وبشكل (( مقدس )) كل مايأتي من (( القيادة )) .
ان من أخطر وأكبر الأخطاء التي مارستها غالبية قيادات الأحزاب الشيوعية هي إنها لم تسمع ولم تأخذ برأي الكادر وأعضاء الحزب في القضايا الهامة والمصيرية ، واحياناً تكون غير صادقة مع كادرها واعضاء الحزب في بعض القضايا الهامة والمصيرية ، واحياناً أن أراء ومواقف الكادر والأعضاء هي أكثر نضجاً من أراء ومواقف بعض (( القيادين )) المتنفذين في الحزب ، وبسبب غياب الممارسة الديمقراطية ، ضعف دور ومكانة الحزب في وسط الجماهير وفي المجتمع .
ان غالبية القيادات في الأحزاب الشيوعية حاكمة او غير حاكمة لن تؤمن بالصراع الفكري داخل الحزب ، بل هي تؤمن فقط من الناحية النظرية ، أي إنهم (( نظرياً )) بارعين ، أن أي قيادي أو كادر أو عضواً في الحزب يطرح وجهة نظر خاصة وفقآ لقناعاته مباشرة يتم إ بعاده وعزله ومحاصرته ومحاربته سياسياً واجتماعياً واحياناً أقتصادياً وبالتالي يدفعون المخلصون سواء كان ذلك بشكل مباشر او غير مباشر الى خارج الحزب .
يلاحظ ان غالبية القيادات الحزبية في الأحزاب الشيوعية هي معزولة عن القاعدة الحزبية وان الأجتماعات الحزبية أخذت طابعاً روتينياً ومملة وغير فاعلة ، واحياناً غياب ذلك أصلآ ، وتشبعت ونمت فيهم الروح البيروقراطية القاتلة وأبتعدت عن الديمقراطية الحقيقية وبسبب ذلك وغيره فقدت الأحزاب الشيوعية دورها ومكانتها في المجتمع وتشتت الحزب الى عدة احزاب وتنظيمات شيوعية لا مبرر لها وهذا كله يصب في مصلحة عدوا الحزب الطبقي إلا وهو الأمبريالية العالمية وحلفائها ، ولمصلحة الطبقة البرجوازية الحاكمة .
ان غياب المبدئية في التعامل الرفاقي تشكل كارثة كبرى داخل الحزب فمثلآ سكرتير حزب شيوعي كبير يحرم رفيقه القيادي معه من تسجيل ابسط حق له إلا وهي الأقامة في المدينة لأنه عارضه على نهجه الخياني في المؤتمر وفي الاجتماع الموسع ، وسكرتير شيوعي أخر لا يود لرفيق قيادي معه ، فهو دائماً يكلفه بمهام صعبة بهدف وقوعه في يد النظام الغاشم واسقاطه سياسياً ، أو تقديم مجموعة من الرفاق الى قيادة الحزب من دون الأخذ بالشرعية الديمقراطية والنتيجة كانت معروفة للجميع . لماذا كل هذا ؟ لمن ولمصلحة من يتم كل ذلك ؟
نعتقد ، إن غالبية القيادات الحزبية في الأحزاب الشيوعية ، سواء كانت حاكمة أو غير حاكمة لن تؤمن بممارسة الصراع الفكري داخل الحزب ، بل هي (( تؤمن )) به من الناحية النظرية فقط ، وان الأستمرار على ذلك سوف يؤدي ذلك الى الأنقسمات والتشرذم للحزب وأضعاف وانهاء دوره في المجتمع . ففي حالة أن يتم طرح وجهة نظر معينة داخل الحزب سواء كانت سياسية أو فكرية أو غير ذالك من قبل عضو الحزب ، فأنه سوف يواجه إجراءات غير مبدئية وغير شرعية يتم إتخاذها من قبل (( النخبة القيادية )) با لضد من هذا الرفيق وبغض النظر عن موقعه الحزبي ، فتبداء الأجراءات من المحاصرة السياسية والأجتماعية ، وأحياناً حتى الأقتصادية – طبعاً – أذا توفرت هذه الأمكانية عند هذه ((النخبة المتنفذة))اللامبدئية وتستمر هذه الضغوطات ضد عضو الحزب وبالتالي يتم عزله خلافا للنظام الداخلي ومن دون تبليغه رسمياً بالقرار – طبعاً – إن وجد ذلك. إن اي قيادة حزبية تخرق دستور الحزب تصبح قيادة غير شرعية يجب تنحيتها من موقعها الحزبي .
أن هذا النهج وهذه الممارسة اللامبدئية والمخالفة للديمقراطية الحزبية، قد إلحق ضرراً كبيراً في الحزب ، واصبحت هذه (( القيادة )) – كما نعتقد ، قوة طاردة للأعضاء والكوادر وبعض القياديين المخلصين يواجه خياران ، أما الأستسلام لرغبة ((النخبة))إي يصبح عضو الحزب عضواً مطيعاً وخانعا، عضواً إنتهازياً وغير مبدئياً بحكم الواقع المفروض عليه ، أو يستمر في موقفه المبدئي وبالتالي يتم إبعاده ، طرده من الحزب من ودون رجوع للنظام الداخلي ، وأحياناً يبعد عضو الحزب وينحى من الحزب ، والذين يمكن أن
يكون لهم دوراً كبيراً وفي قيادة الحزب ، أي يمكن القول إنها تصفية حسابات سياسية غير مبدئية وغير نظيفة أصلاً ،وبنفس الوقت فأن هذه ((القيادة)) تصبح قوة جذب ((للأعضاء)) الأنتهازيين والوصولين والنفعين واللامبدئين ، وهؤلاء يؤثرون ويلعبون دوراً سلبياً على سمعة ودور ومكانة الحزب وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي.
إن هذا النهج اللامبدئي يضعف الحزب أمام الشغيلة والمجتمع ويصبح حزباً غير جماهيري ، وهناك مئات من الأدلة الحية والبراهين الملموسة والتي يعرفها ‘إعضاء الأحزاب الشيوعية ، وهذا جزءاً قليلاً من الحقيقة التي تريدها ((القيادة المتنفذة )) في الحزب، لأن الحقيقة الموضوعية مرة على الوصوليين والأنتهازيين في الحزب وبغض النظر عن الموقع الحزبي .
نطرح سؤال مشروع : لمصلحة من يتم كل ذلك وفي غالبية الأحزاب الشيوعية ؟ ، ولماذا تستمر هذه ((القيادة الحزبية)) على هذا النهج اللامبدئي ؟ وهل يمكن القول أن هذه ((النخبة الحزبية)) هي مخلصة وأمينة للفكر والحزب والشعب ؟، أم لديها مخطط ((ذكي ومدروس)) من أجل أضعاف وتخريب وأنهاء دور ومكانة الحزب الشيوعي وسط الجماهير؟، وهل إن هذا النهج اللامبدئي الذي حدث ويحدث اليوم داخل غالبية الأحزاب الشيوعية هو محض صدفة أم ...؟؟؟ ولماذا حدثت وتحدث اليوم هذه الأنقسامات والتفتت داخل كل حزب شيوعي وعلى صعيد الحركة الشيوعية العالمية وهل هي ظاهرة سليمة ؟ ولماذا لم تعالج هذه المشاكل وغيرها بشكل مبدئي ولمصلحة وحدة الحزب والحركة الشيوعية العالمية ؟ وهل أن زعامة ((قيادة )) الحزب فوق المبادئ وسبب رئيس في أستمرار هذه الظاهرة الكارثية السوداء؟.
يطرح سؤال : ما العمل .
نعتقد على القيادات والكوادر والأعضاء المخلصين والذي يعنيهم مصير ومستقبل حزبهم من أن يلعبوا دورهم المبدئي في إبعاد هذه ((القيادة))اللامبدئية من الحزب وبالأساليب الشرعية والديمقراطية ، أي من خلال مؤتمر الحزب الذي يمثل أعلى سلطة حزبية من أجل أرجاع دور ومكانة الحزب في المجتمع ، وفي حالة صعوبة تحقيق ذلك فكل الخيارات الحزبية المبدئية والمشروعة مفتوحة وممكنة التنفيذ والتحقيق وبما يخدم وحدة الحزب ومكانته في المجتمع بهدف تحقيق هدفه المشروع في بناء المجتمع العادل ، المجتمع الأشتراكي .
يؤكد لينين ان (( دفاعنا عن المركزية ، إنما ندافع فقط عن المركزية الديمقراطية )) وكما يشير لينين على (( إننا نقف الى جانب المركزية الديمقراطية ، وينبغي الأدراك بوضوح ، كم هو بعيد الفرق بين المركزية الديمقراطية وبين المركزية البيروقراطية من جهة اخرى ، وبينهما الفوضوية من جهة أخرى )) .