في تجربة مظفر النواب الشعبية -1- علاقة أشعار مظفر بالوجدان العراقي

سلام إبراهيم
2017 / 6 / 23

في تجربة مظفر النواب الشعبية -1-

علاقة أشعار مظفر بالوجدان العراقي

سلام إبراهيم
رسخت أشعار مظفر الشعبية بالضمير العراقي، وانتشرت انتشاراً هائلا، فتداولها المثقفون والعمال والفلاحون بلهفة، وحُفظِتْ عن ظهر قلب، وتناقلها الناس كتابةً وشفاهاً، وأمعنوا في تأمل معانيها، وأطربتهم إيقاعاتها الآسرة، ويا ما جهد الشباب في جمع أشعاره في جميل الدفاتر، وظل الأمر قائماً حتى بعد طبع ديوانه "الريل وحمد" ورقياً. وكان لأشعاره وقعاً يفوق تأثير البيان السياسي في نفوس الناس، وسأورد مثلاً كان معروفاً وشائعاً في وقته، لكنه مهم للتدليل على فعل شعره في الحياة، فقد عمدتْ سلطة عارف القمعية عقب انقلابها في تشرين 1963 على سلطة البعث والحرس القومي الدموية التي سيطرت على السلطة في 8 شباط 1963 وقامت بمذابح جعلت من العنف مذهباً راسخاً في تاريخ العراق ومستمر حتى الآن. قامت سلطة عارف للتخفيف من الأعداد الهائلة من السجناء الشيوعيين الذين ضاقت بهم السجون إلى إصدار قانون يقضي بقيام السجين السياسي بالتنكر لمبادئه عن طريق تقديم براءة خطية تنشر مع صورته في الصحف العراقية، وقد أدى هذا القانون في ظروف الخيبة والانكسار تلك إلى انهيارات كبيرة جداً، إذ قدم آلاف من السجناء براءتهم، وعجزت البيانات السياسية التي توزع سراً عن إيقافها أو الحد من انتشارها، لكن حينما كتب مظفر النواب من السجن قصيدة "براءة" بذلك الحماس والدفق الروحي، دعا فيها إلى الصلابة والثبات متناولاً أشد العلاقات تأثيراً في الوجود الغريزي والعاقل علاقة الأم بابنها، والأخت بأخيها، فكانت القصيدة بصوت المرأة في صورتها الأقرب إلى الرجل وهي تدعوه وتستصرخه كي يقاوم ولا يتنكر إلى مبادئه وشرفه مقابل حياة ذليلة. شاعت القصيدة وحُفظِتْ عن ظهر قلب، وكان لأثرها فعل السحر حيث انحسرتْ ظاهرة البراءة الخطيرة على مستقبل البنية النفسية للإنسان العراقي بشكلٍ عام، والسياسي بشكلٍ خاص، لما أرسته تلك "القصيدة- الصرخة" من قيم تُمَجِد كبرياء الإنسان وصلابته واعتداده بنفسه وثبات موقفه. فأعادتْ للذات العراقية القيمة النضالية التاريخية الراسخة في النفوس والخاطر بفضل أراجيز الشهداء التي فضلت الموت على العيش الذليل في واقعة الطف يوم العاشر من عاشوراء.
فيما يلي سأعرض لوقائع وأحداث أقترب بها من السرد كثيراً تبين أثر أشعار مظفر الشعبية في كيان العراقي.
من المعروف أن حلقات الشعر الشعبي انتشرت انتشاراً واسعاً من أوائل القرن العشرين بسبب كونه الوسيلة الوحيدة وقت ضعف الدول العثمانية وسيادة الجهل وتخلف اللغة العربية الفصحى فكان النشاط الثقافي الذي يجتمع حوله الناس في المقاهي، وقد أشار الشاعر محمد مهدي الجواهري إلى هذه الظاهرة في مذكراته ج1 وهو يتحدث عن فترة ما قبل الثورة الوطنية العراقية 1920 قائلاً:
( في مدينتي النجف يرى المرء العجب والعجاب، فحتى القصاب أو البقال، إذا أراد الاستراحة من عناء العمل قرأ شيئاً مما يلقى على المنابر الحسينية، أو على الأقل فمن أبلغ ما كان يتغنى به الشعراء الشعبيون الأوائل) ذكرياتي ج1 دار الرافدين –لندن ص65.
لم يقتصر الأمر على النجف بل عمَّ مدن الجنوب العراقي، وأستمر ومستمر حتى الآن، ففي ستينيات القرن المنصرم كنتُ صبياً ارتاد مقهى ينزوي في طرف شعبي فقير من مدينتي الديوانية يرتادها يساريون وعمال وكادحون وطلبة ثوريون، لأستمع إلى حلقات شعرية عفوية تكتمل كل مساء بوجوه جديدة تنهمك بإنشاد الأشعار الشعبية، موالات، أبوذيات من جميل النسج القديم العميق، ثم يصلون إلى أشعار مظفر المنتشرة في تلك الفترة انتشاراً كبيراً، وكان الحاضر الأهم في تلك الجلسات فتنشد قصائده بانفعال وحماس ورقة حسب القصيدة، وكعادة الناس البسطاء يبدءون محاولة شرح وتأويل معاني القصيدة وفّك رموزها كلٍ من زاويته وخياله وفعل الصورة ودلالاتها في تجربته الشعورية، وكانت القصائد والأبيات الشعرية تثير خلافاً ويحتدم حولها النقاش، ولم أزل حتى الآن وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً أتذكر ذلك الجدل الذي أسرني في ليلة من ليالي صيف الديوانية الفاتن وجعلني منذ تلك الليلة أتأمل البيت الشعري باستغراق تام لأحسه وأكتشف أسراره. أما أي بيتٍ بعث جدل تلك الليلة وكيف فُسِرَ فهو بيت من قصيدة "للريل وحمد"
ذَرْي ذَهَبْ يا مِشْطْ
يَلْخْلكَكْ شطولْه
أشعل هذا البيت حنين رجلٌ يرتدي العقال والعباءة ويبدو أنه هاجر من الريف إلى المدينة، ولم يزل مسكوناً برائحة الأرض والحقل والسنابل، فرأي بالبيت سنابل حقله النائم في ذاكرته وروحه في لحظة فصل البذرة عن السنبلة وقشها الذهب، تلك اللحظة ثمرة صبر الفلاح.
فيما وَقّدَ البيت نفسه وجدان عاشقٍ ولهان، فرأى به مروج ذهب حبيبته الشقراء المتدلية حتى كعب القدمين، ومحنة مشط روحه الصبورة التي تقطع تلك المسافة الغابة المتشابكة الأكثر عذوبة في وجود العاشق.
فيما جَمَحَ البيت بخيال ثوري يحلم بتغيير العالم وبناء حياة أفضل، فرأى فيه ذاته الصابرة وهو يناضل حاملاً سلاحه ويطلق الرصاص الذهب مفتاح الخلاص على حد قوله.
وتشّعَبَ الجدل إلى جوانب الواقع..
أن تعدد مستوى فهم وتأويل أشعار مظفر يعود إلى أن تلك الأشعار لمست الهم الإنساني المشترك في تعقده وتشابكه وجدلت القيمة الفكرية فنياً، فغارت في كيان الإنسان المثقف والبسيط أياً كان همه سياسياً أو شخصياً أو إنسانياً.
ومن هنا أصلُ إلى علة تفسير قصائد "مظفر" الغزلية تفسيراً سياسياً مما حدا بالسلطات القمعية التي تناوبت على الحكم في العراق على منع أشعاره ومنع بث قصائده المغناة من خلال إذاعاتها الرسمية، لا بل وجرمتْ من يساهم في نشرها وأشاعتها علناً. فباتت أشعاره الزاد الروحي للثوري، يحفظها عن ظهر قلب، ويتداولها سراً في شتى الظروف، في المعتقلات والسجون، وفي البيوت السرية، وفي ظروف الثورة المسلحة في أهوار الجنوب وفي جبال الشمال وبأزمنة مختلفة وتجارب مختلفة، إذ يستمد من معانيها وإيقاعاتها الساحرة العزيمة في مواجهة مشقة النضال، ولم يخفت تأثيرها بالرغم من اختلاف الظروف السياسية التي مرّتْ في العراق، ففي فترات الهدوء الظاهري والمؤقت في أوائل سبعينيات القرن الماضي وقت تحالف الحزب الشيوعي وسلطة البعث 1973، كانت أشعاره تنشد في الحفلات والمقاهي ونوادي الجامعة بالرغم من محتواها الناقض للأوضاع السياسية القائمة وقتذاك.
وفي ظروف القمع الشامل أواخر سبعينات القرن المنصرم والذي طال كل مظاهر الديمقراطية الشكلية التي أقيمت في ذلك العقد، أصبحت قصائده محطة مضيئة في روح الثوري المتوحشة، إذ كان تعين الثوري المختفي في بيوتٍ سرية والملاحق في زمن أحكمت السلطة فيه قبضتها على رقاب الناس ومارست التقتيل في السر والعلن، فقد حكى لي أحد أولئك الأبطال الذي أستشهد لاحقاً تحت التعذيب في أوائل الثمانينات وكنت ألتقي به سراً في بغداد بأن أشعار "مظفر النواب" خير نديم لأرواحهم يستمدون منها القوة والعزيمة في مواجهة ظروف النضال بالغة التعقيد، وتوقد إيمانهم بعدالة خيارهم الشريف. وكان يطلب مني في كل لقاء أسماعه بعض ما أحفظه من تلك القصائد قبل اعتقاله وضياعه إلى الأبد.
في مطلع عقد الثمانينات التجأت المعارضة الوطنية إلى انتهاج أسلوب الكفاح المسلح لمواجهة قمع السلطة الوحشي، وكانت أشعار مظفر نديماً للثوار، فكنا ننشد أشعاره بحماس في الاحتفالات الوطنية والتي نقيمها على ضوء نيران الحطب الملونة بلهبها وجوه المقاتلين المتعبة والصاخبة فيبدأ كل احتفال بصهيل شعري يشعل فينا العزيمة ويُشّربْ أرواحنا بنيران التحدي والمقاومة من أجل تحقيق حلم الإنسان في المساواة والعدالة الاجتماعية.
(هَذولَهْ أحنه
سِرَجْنَه الدَمْ
على صْهيلْ الشِكر
يَسْعودْ)
فينشد كل الحضور. الشيوخ والشبان الرجال والنساء، فيتردد صدى أرواحنا في الأودية وتتشّربه الصخور ويسرى مع الجداول والأنهار الصاخبة السريعة الجريان في عمق الأودية والمنحدرة جنوباً صوب مدننا المذبوحة بالقمع والقتل والحرب ووحشية سلطة ليس لها مثيل. وكثير ما كان الثائر ينشد شيئاً من أشعار "مظفر" الثورية قبل الإقدام على معركة، أو في خضمها وهو يحاول شحذ الهمم ساعة اشتداد المعارك مع قوات السلطة المتفوقة عدةً وعدداً.
فما سر شعبية أشعار "مظفر النواب" واستمرار تأثيرها على وجدان العراقي بشكل عام، والثوري بشكل خاص؟!.
الكثير ممن لم يتمعن في أشعاره، ولم ينصت إلى إيقاعها العميق ومعانيها المجدولة والمستقاة من الحياة وصورها يعزو هذه الظاهرة إلى سبب سياسي، كون "مظفر النواب" أرتبط بالحركة السياسية العراقية وتحديدا "الحزب الشيوعي العراقي" الذي أنتشر في الشارع العراقي وأكتسب شعبية كبيرة منذ نهاية الأربعينيات، والخمسينيات، والستينيات، وهذا الارتباط صنع من مظفر شاعراً بهذا الحجم. بالرغم من أن هذا الرأي فيه جانباً من الصحة يتأتى من كون الشاعر، بخلاف الكثير من أدباء تلك المرحلة المبدعين لم يقف متفرجاً على الرصيف ليعتاش على دراماتيكية التجربة السياسية بل كان في قلبها، وتحمل تبعاتها سجناً وعذاباً واختفاءً وتشرداً وغربةً، لكن هذا لا يفسر إطلاقاً سر تلك الشعبية الهائلة والتجدد الحيوي المستمر لأشعاره مع اختلاف الظروف وطبيعة الصراع السياسي المتقلب والدموي في التجربة العراقية، ثم أن العديد من الشعراء المرتبطين ذات الارتباط باليسار العراقي المعارض على الدوام كتبوا مئات القصائد ذات الهم السياسي والإنساني، لكن لم تأسر أشعارهم الذات العراقية المعذبة ولم تؤثر مثلما أثرت أشعار "مظفر النواب" في الوجدان العراقي.
فأين يكمن التفسير المنطقي والمعقول إذن؟.
أعتقد أن ذلك يرتبط ليس بالتفسير السياسي.. بل بالتفسير الفني وبتشخيص أدق، بإنجاز "مظفر" الإبداعي في ميدان الشعر الشعبي، وهذا ما سأحاول دراسته في
الفقرات التالية.