الأسطر البيضاء

رولا حسينات
2017 / 6 / 20

الأسطر البيضاء
طوى إليه سجادة الصلاة أمامه بعد أن حفظ أماكن البروز فيها، عند المآذن والمسجد والكثير من الخيوط الذهبية النافرة، لأول مرة يطيل التأمل فيها، ربما لم يجد بداً من ذلك، فالألم الحاد أصاب ظهره، مضى كوميض برق برقته ثم اختفى، لكنه كان كفيلاً بأن ينبئه بتقدم العمر الذي قطف منه أوراقاً خريفية كثيرة، ربما توقف عن عدها عندما قصف الورقة الخامسة والخمسين، وأبقى على حاجز الزمن فغيّر الكثير من أموره، صبغ تلك الشعرات البيضاء التي بدأت تمد شبحها الأبيض من غير استحياء و تطيل المكوث في شعره الأسود المائج، كما حلق شاربيه ليغدو أصغر سناً، وعمد لزيارة العديد من العيادات التي انتشرت في الآونة الأخيرة لشد وجهه وإزالة تلك الصبغة البنية التي بدأت تنتشر على صفحة وجهه الحنطية، وبخاصة أسفل الهالة السوداء حول عينيه التي جاهد زمناً لإزالتها، ولا يدري كم دفع لتغيرها، ولكن كل محاولات الطب فشلت وحتى لجوءه إلى الأعشاب والوصفات التي أغرقت عالمه وتناقلتها ألسنة الخبراء ورصدتها أذناه لم تنجح...كل ما فعله كان ضرباً من اللعب ومضيعة الوقت، ولكنه اليوم أمام قضية مصيرية أخرى كالتي وقف على حقيقتها، والتي كادت أن تغير من حياته وهي حقيقة أنه عاقر ولكنه أدرك أنها لا تعني أن لا يستمتع بالنساء، لكن هذا الوميض الذي أقلقه في صلاته والذي لم يجعله قادرا على رفع ظهره لخمس أو ست ثوان كان شيئا آخر، كان كفيلاً بأن يلهب مفاصله وجميع أوتار وأعصاب وعضلات ظهره، ببساطة بكل شيء في صفحته، في ذلك الجزء الذي اعتاد أن ينبض بالوجع من الكليتين إلى أسفل الظهر، ولكنه ليس هذا هذه المرة فقد انسحب إلى جذعه وجعله يطيل الجلوس على هذه السجادة التي أثاره تمازج الألوان فيها بلباقة وجمال، ولم يعره انتباهاً من قبل، يُعمل تفكيره: من أين له بها، إنها نوع ثمين، وهو لم يطف بالبيت الحرام ولم يفطن أن عليه فرضاً وقد أوقف عداد الزمن عند الأربعة والأربعين، فهي تكفيه لأن يكمل العمر دون أن يصيبه الهرم.
لكن لم يكون تصميم قطار العمر أن يسير به في محطات لم يرد ركوبها ؟
لم لا تسير الأمور كما يشتهي وينتهي الأمر؟
لن يحتاج حينها أن يذهب إلى أي مكان، ما يريد هو أن يجمع المزيد من الأموال التي لم يكن يعوزه إيداعها في حساباته البنكية، تجارته الثمينة وذكاؤه ومنح زوجته المتعاقبة جعلت له الكثير بين ليلة وضحاها، وهاهو السجاد الكشميري خاصته يمد رأسه كأفعى في طريق متعرج طويل بل وتسلق الكثير من المناطق البعيدة، بواجهات محلاته الزجاجية التي تعرض الكثير من المعروضات التي تثير أعين المارقين فتستوقفهم ليحملوا معهم من السجاد الفاخر الكثير، ومن النثريات الهندية البراقة، وكثير من المصنوعات الخشبية والمعشقة بالأحجار الكريمة، تلك التجارة التي كان ينفرد بها بعرض الأسواق وطولها، ولم يكن أحد ليستطع مجاراته في تجارته التي نفخ فيها الرذاذ الذهبي...أخذ يقلب ناظريه بتلك السجادة النافر نسيجها وأطلق زفرة حارقة...فلم تعد الأمور كما كانت، أفعاه قطعت رأسها وتراكمت على كاهله الكثير من الديون، لم يدر أكان قد أتم صلاته كاملة أم أنه أنقص منها ركوعا أو سجودا أو قراءة لسورة قصيرة أم لا ؟! هل كان هذا بفعل ذلك الوميض حقا أم بسبب ما ألمّ به وبتجارته التي تكاثرت خسائرها كبيوض الثعابين...؟! وسرعان ما تفقس بمئة رأس وسيظل الشق الرفيع على جنبي الرأس يحدُّ بمخاوفه والجزع في قلبه، وهو يقلب عدد الليالي الباردة التي سيقضيها وراء القضبان أو فاراً خارج البلاد يدير من هناك مملكة من الفشل؟!
كل شيء غاب عنه في يوم وليلة، لم يكن ليصدق أحد ما حلّ بالحاج عبد الوهاب الذي أحسن للكثيرين ولو رياءً والذي صلى الكثير من الصلوات رياءً والذي حضر موائد الرحمن رياءً بسبحته المشكوكة من حبات اللؤلؤ، الآن اكتشف حياته التي بناها من ورق اللعب، والتي لن تصمد بهشاشتها أمام الريح، وسرعان ما ستطفو فوق الماء، وتقلبها أمواج هائجة ويسحقها المد والجزر. ولم يبق لنفسه أيّة صورة، لقد سقط من ذاكرة الزمن، ومن يهتم بالحاج عبد الوهاب الذي لم يورث ولدا ولم يكن له ذلك؟...لم يكن ليفكر بعجزه ووهنه أمام كم الخسائر التي نُكب بها دفعة واحدة وكأن لم تقم له مملكة من قبل. الغشاوة البيضاء فوق عينيه تغشتها دمعة غرفها من أعماقه السحيقة التي لم يكن يظن أن بها شيئاً من الرحمة.
زفرة حارقة نفثها من صدره قطتها أنّة زوجته التي لم تعرف النوم منذ زمن لم يعد يذكره ربما خمسة أو ستة أشهر، الذي كان يستطيعه هو أن يحافظ على عهده معها، رغم أن هذا ليس من طباعه، لكنه أرغم نفسه منذ زمن على المواربة، كثير من علامات التعجب والاستغراب ستقف كأزاميل تُعمل نحتاً في ذاكرته، ولكنه سيتجاوزها بالتأكيد، والتي جعلته ينظر إليها كتمثال عاجي، نحتته زوجته لها والتي تمتد بأصولها العريقة لعائلة أرستقراطية، تمثالها العاجي لم يعجبه وحسب بل أعجب الكثيرين، وهو مثلهم يطيل النظر إليها كلوحة زيتية ذات إطار ذهبي تجعلهم يشهقون ثم يبتلعون الشهقة من جمالها الأخاذ...كان يمكن أن يبقي على نفسه معلقا ناظريه ومستجمعا جميع حواسه فيها لولا الأسئلة الحمقاء التي تخرج رأسها كلما نسيها، والتي تدور حول موضوع واحد رغم اختلاف أشكالها، لم تكن لتبتعد عن عدم إنجابهما طفلا واحدا يرثهما ويحفظ اسم أبيه...عجزه عن الإجابة يكسر عينيه ولكن قوتها الفولاذية كانت تثير حمى الاستهزاء بالواقع لم يمتلكه، الأسئلة التي تثقب طبلة أذنه وطنينها يصيبه بصداع وشعور بالغثيان في تلك الجلسات التي تتبع حفلات البذخ الكثيرة، كانت تجيبها بتعليق سيجارة من علبة السجائر الفاخرة خاصتها بنكهة النعناع، وتحلق بتلك الدوائر وهي ترسل زفرة طويلة تتبعها بكلمات مقتضبة: ومن يهتم بصغير يُنقص العمر؟!.
هذه العبارة وحدها كافية لأن يدور في فلكها هذيان الكثيرات اللواتي أوجعتهن الحياة بمرارتها رغم كثرة تبرجهن وعطورهن...أما الرجال فيستغلون فرصة انشغال زوجاتهم عن ملاحقة أعينهم ليطيلوا النظر في تمثالها دون أن يرقبهم أحد ويبحرون بتلك الزرقة التي توصدها أشفار مغمسة بالكحل...تلك الصورة المثالية لخروجهما معا هي كانت الشيء الوحيد الذي يجمعهما دون أن يشعرا أحدا بمقدار الجفاء الذي بنى أعشاشه بينهما، وذلك الجدار الذي كان من ترسانة حديدية...تلك التنشئة الارستقراطية لم ترحم تقلبه على سرير بارد ووسادة خالية والكثير من الأسطر البيضاء...كم مرة وقف في منتصف الطريق إلى حجرتها...لم يكن أحد غيره مسؤولا عن هذا الجدار، الكثير من الأكاذيب، الكثير من الخبايا التي ألف تلفيقها، عقمه، اختلاسه، سرقته من مالها، رغم أنها منحته برضاها منه الكثير...
الكثير من الأشياء التي خبأها لم تكن لتفوت امرأة كزوجته ليس من طبعها إلقاء أذنها لعابر سبيل، لكنها لغة العيون التي يتحاشاها، لغة العيون التي تغرف منها الحقيقة وليس سواها...
لم يدر أيَّ قوة مرت بساقيه المشكوكين بخدرة سمرتهما في أرض يبسة، قام وهو يتوكأ على كل سنواته، كل رغباته، كل ما فاته، لينهي مهزلة الجدار العازل، وليهوي إلى قلبها، ليدور في كوكب اسمه هي، لينهي تقلبه على... وعلى الكثير من الأسطر البيضاء، يملؤها بما يريد، وبما كانت تريد...
لم خلاها عمرا ومضى؟
لم تركها تهجره ومر على ذلك مرور الكرام واكتفى؟
أيُ عاجز هو ؟
أيكون اكتفاؤه بمغرفته أنه عاقر وقد هوت به إلى قاع صفصف، فلم تلبث أن خلته قاعا صلدا لا يلوي على شيء...؟
أمواله التي كانت سيفه في حياته لم تلبث أن أصبحت عكازا قد أكلته الأرضة دون أن يشعر وبات يخشاها... أولم يكن يحسب حسابا أنه لم يجمع أيّاً منها بقدرته؟!
أولم يعرف أن كل ما كان تهلكة له؟ أولم يؤمن بالعاقبة خيرا كانت أم شرا؟ ترى لم لم يشتر أحسنها إن كان لا يقبل بغيره في الدنيا؟!
لكنه سيبدأ ولم لا يبدأ ؟! سيعبر الممر الطويل والكثير من الأبواب وسيتركها جميعها ويوقظ كل شوقه ليطرق بابها الخشبي... سيفتحه ولو كان مغلقا وسيهوي عند قلبها ويبسط لها حاجته وسيعترف بالفواحش التي اقترفها لعلها تعفو عنه وتغفر له...
الأمتار القليلة كفيلة بأن يحصد كثيرا مما عمل، سيدفعه بقسوة ويدخل، سيدخل قلبها رغما عنها... لكنه وجده مواربا لأول مرة باب حبيبته مفتوح بشق رفيع، لقد أتته الفرصة والكثير من الأسطر البيضاء ليكتب ما شاء وما شاءت... سيودع كل ما كان وذلك الوميض في ظهره الذي تركه عند السجادة التي أطال فيها النظر، ودقق في تفاصيلها.
سيترك ذلك الهرم مكانه ليولد من جديد...
أطلق شباك عينيه فإذ به يبصره جالسا حيث كان عند السجادة دون أن يطويها إليه...
أبصر ذلك الهرم فيه، وهو ينظر إليه، التقت أعينهما دون أن يرتد إليه طرفه ...
إن كان هو هناك فمن هو؟!
أدرك أخيرا أنه قد فات الأوان... لقد فات الأوان على الأسطر البيضاء ...