من نماذج المعارضة الشعرية في الأدب الانكليزي

ماجد الحيدر
2017 / 6 / 15

من نماذج المعارضة الشعرية في الأدب الانكليزي
قصيدة (في أثر بلنهايم) بين شاعرين
ماجد الحيدر


المعارضة الشعرية فن معروف في الكثير من الثقافات العالمية وتعني أن يكتب شاعر قصيدة ما فيقول مثلها شاعر أو شعراء غيره يحاكونها في الأسلوب والموضوع والعنوان الخ. عرف الشعر العربي (الذي اشترطت فيه المعارضة أن تكون القصيدة الجديدة على نفس وزن وقافية القصيدة الأولى) نماذج قليلة من هذا الفن في العصر الأموي ومنها معارضة عمر بن أبي ربيعة لجميل بن معمر ثم ازدادت خلال العصر العباسي على يد شعراء عارضوا المشاهير من سابقيهم أو معاصريهم أمثال أبي تمام وأبي نؤاس وأبي فراس الحمداني علاوة على المتنبي على وجه الخصوص، واشتهر منها في العصر الحديث معارضات أحمد شوقي للبوصيري وابن زيدون وغيرهما. في الشعر الانكليزي العديد من نماذج المعارضة الشعرية بعضها اكتفت بإلباس القصيدة الجديدة ثوباً معاصراً أو أبعاداً فلسفية جديدة فيما كان بعضها معارضات ساخرة أو نقائض للقصائد الأصلية.


قصيدة في أثر بلنهايم لروبرت ساوذي


Southey, Robert (1774-1843): شاعر إنكليزي، يعد واحداً من أبرز الشعراء الرومانسيين وعضوا في حلقة "شعراء البحيرة" وهم كل من وردزورث وكولَرِج وساوذي الذين أطلق عليهم النقاد المعادون هذا الاسم لأنهم اختاروا ،في أوائل القرن التاسع عشر، العيش في منطقة البحيرات الجبلية شمالي إنكلترا حيث اعتزلوا وكتبوا أشعارهم الرومانسية.
ولد في بريستول وتخرج من جامعة أكسفورد. كان صديقاً حميماً لكولَرِج حيث اشتركا في رسم خطط -لم تتحقق أبداً- لبناء مجتمع يوتيبي في إحدى المناطق الريفية في الولايات المتحدة. غير أن هذا الشاعر الرومانسي انتهى به المطاف الى الانضمام لحزب المحافظين وكتابة الكثير من الأعمال الأدبية دفاعا عن الطبقة الحاكمة ومنها قصيدته السردية الطويلة "رؤيا يوم الحساب" التي كتبها على شرف الملك "جورج الثالث" (1738-1820) ونشرها عام 1821 مصدِّرا إياها بمقدمة هاجم فيها بشدة أعمال اللورد بايرون الذي رد في العام التالي بمحاكاة ساخرة لرؤيا يوم الحساب. عُين شاعراً للبلاط عام 1813 وكتب العديد من الكتب في التاريخ والأدب والأخلاق إضافةً الى الكثير من الأعمال الشعرية من أشهرها هذه القصيدة -المعادية للنزعة العسكرية- التي كتبها عام 1798.

روبرت ساوذي
في أثر بلنهايم

"كاسبر" العجوز فرغَ من عمله.
وجلسَ في الشمسِ ، قُدّامَ بابِ الكوخ
في ذلك العصرِ الصيفي.
وأمامه، على العشب، كانت "ولهلماين"،
حفيدتُه الصغيرةُ .. تلعبُ على العشب
**
رأتْ أخاها "بيتركِن"
يدحرجُ شيئاً ... كبيراً، مستديراً
جاءَ به من عندَ الغدير
-حيثُ كان يلعب-
جاءَ ليسألَ عمّا وجد ،
عن هذا الشيءِ الكبير ، المستدير ، الأملس.
**
كاسبر العجوزُ تناوله من الصبي
الواقفِ منتظراً للجواب.
وهزَّ العجوزُ رأسَه ، ندّت عنه حسرةٌ ، ثم قال:
"هي جمجمةُ تعيسٌ ما..
ماتَ في المعركةِ العظيمةِ الظافرة"
**
"يحدث أن أعثر على أشباهها في الحقل
حيث يوجدُ منها الكثير،
يحدث كثيراً أن محراثي
يقلبها ، ويُظهِرُها للعيان.
آلافٌ من الرجال... " قالَ الجدُّ العجوز
"آلافٌ ذُبِحوا .. في ذلك النصرِ العظيم"
**
"أخبِرْنا الآن عن سببِ ذاك"
صاحَ بيتركن الصغير،
وتطلعتْ الصغيرة
بعيونٍ تنتظرُ الأعاجيب
"أخبرِنا الآنَ عن سببِ الحرب ،
عمّا تقاتلوا من أجله "
**
"إنهم الإنكليز" صاح كاسبر العجوز
"هم هَزموا الفرنسيين.
أما علامَ تعاركوا
فلا أعرف الجواب.
لكنهم ، كلهم ، يقولون :
قد كان نصراً مشهوداً "
**
"كان أبي يومها
يعيشُ في "بلنهايم"
هناكَ ، عند الجدول الصغير.
بالنار سووا بيتَه بالأرضِ
فاضطرَ للفرارِ .. مع الزوجة والصغارِ
جاهلاً أين يمضي ، وأين يلقى الأمانَ"
**
"بالسيفِ والنارِ ... في ريفِنا والجِوارِ
طولاً وعرضاً... حلَّ الخرابُ
ومات يومَها
كثرٌ من صغارٍ ، ونساءٍ حبلياتٍ.
لكن كما تعلمانِ : أمورٌ مثلُ هذي
لا بدَّ واقعاتٌ ... في كلِّ نصرٍ مشهود"
**
" بشعاً كان المنظرُ –هكذا يقال-
بعد أن فاز قومُنا في النزال :
آلافٌ من الجثث
تُرِكت ها هنا .. كي تفسدَ تحت الشمس.
لكن كما تعلمان : أمورٌ مثل هذي
لا بدَّ واقعات ... بعد كلِّ نصرٍ مشهود"
**
"المجدُ والثناءُ لِدوقِنا الظافرِ "مارلبورو"
وأميرِنا الطيّبِ "يوجين! "
"وكيف هذا ؟ إنه لأمرٌ شنيعٌ كريه !"
قالت ولهلماين الصغيرةُ.
"كلا ، كلا يا صغيرتي"
أجاب العجوزُ
"قد كان نصراً مشهوداً"
**
"كلهم أثنوا على الدوقِ
الذي كسبَ الواقعةَ العظيمة"
"وأيُّ خيرٍ جاءَ منها؟ "
سأل بيتركن الصغير.
" أوه ، أنا لا أعرف الجوابَ
لكنه ... كان نصراً مشهوداً "


قصيدة (كان نصراً مشهوداً) لفرانكلن آدمز

فرانكلن بيرس آدمز Franklin Pierce Adams (1881-1960) صحفي وإذاعي وكاتب أمريكي. عرف بأعمدته الصحفية الثابتة طوال عقود في كبرى الجرائد الأمريكية وببرامجه الإذاعية المحببة حيث قدم في كليهما للجمهور العديد من الكتاب والشعراء والفنانين اللاحقين. كما اشتهر بغزارة انتاجه من الأعمال الساخرة والقصائد الخفيفة الظل ومنها هذه القصيدة الساخرة التي يحاكي فيها قصيدة ساوذي.

فرانكلن آدمز
كان نصراً مشهوداً

كانت أمسيةَ صيفٍ
وكاسبرُ العجوزُ
الماكثُ في البيت
جالسٌ قدّامَ بابِ الكوخ
تماماً كقصيدةِ ساوذي
وبجنبهِ ، راقدةً على البلاط
حفيدتهُ جيرالدين
تقلِّبُ مجلةً في فتور.
**
-"لمَ لا تسألينني" كاسبرُ قال
"لم لا تسألين
عما فعلتُ في الحرب؟
قيلَ لي أن كل الصغار
عن هذا يسألون"
**
-"قصتي جاهزةٌ
مذ ثلاثين عاماً أو يزيد"
-"لا تزعج نفسكَ جَدّاه
أمورٌ مثل هذي
أراها مملة،
أرجوك دعني ومجلتي"
شددت الصغيرةُ جيرالدين
**
ودخل بيتركن الصغير
فخاطبه الجد من فوره:
-"أتريد أن تسمعَ عن الحرب
وكيف تركوني إذ حسبوني قتيلا؟"
-"كلا" أجاب الولد
"ثم من يضمن
أنك تقولُ الحقيقة؟!"
**
ونهضَ العجوزُ الواهنُ المَغيظ
بطلُ هذي القصيدة
ومضى في خطى لا يعوزها النشاط
نحو نادي الجنود
ليجلسَ مع سبعةٍ منهم
يحوكون الأكاذيب
حتى العاشرةِ والنصف.