أخلاق الفرسان وتحديات أدب الأطفال

صلاح شعير
2017 / 6 / 11

ولعل من أبرز الأعمال الموجهة للناشئة في الفترة الأخيرة؛ المجموعة القصصية «أخلاق الفرسان» للكاتب «صلاح شعير»- والصادرة عن دار الجندي للنشر والتوزيع بالقاهرة، والتي تضم مجموعتين هما «عاشق الحرية» و«أخلاق الفرسان» ، هاتان المجموعتان اللتان نلمح من خلال عنوانهما محاولة الكاتب في إعطاء كثير من القيم التي تمثلها أخلاق الفرسان بكل ما تحمله من دلالات؛ لذا نرى أن رمزية العنوان أعطت للمجموعة عمقًا لا بأس به قبل الشروع في قراءة قصص المجموعة.

إذا كنا في أمس الحاجة هذه الأيام إلى الأدب؛ وما يهدي إليه من قيم نفتقدها ونتفقدها؛ فإننا في احتياج أشد إلى أن نزرع حب الأدب وقراءته في نفوس صغارنا، ولعلنا لا نبالغ إذا رهنا تقدم الأمم بما يحسنه صغارها من الآداب والفنون؛ ومن ثم تتهيأ نفوسهم لاستقبال العلوم مؤمنين بأهميتها، مدركين الغاية منها.

إن أكثر المشكلات تعقيدًا في تقديم أدب يخاطب عقول الناشئة، ليتلخص في ثلاث نقاط هي: الملاءمة العمرية، اللغة، القيم والأخلاقيات. وهذه المشكلات الثلاثة تعد مقياسًا صادقًا للحكم على تلك الأعمال الموجهة للصغار، بقدر تمكن الكاتب من السيطرة عليها، أو إفساد هذه المشكلات لأعماله، إن جاز لنا التعبير.

أولاً الملاءمة العمرية:

إن القارئ المتأمل لقصص المجموعتين، ليلحظ أنها تحاول النزول إلى عقول الصغار، كما في قصة «من يفكر ينجح» التي تدور حول تعلق طفلة صغيرة ببطة، تحايلت حتى تحتفظ بها، وتنقذها من الذبح.
وتلائم هذه القصة في محتواها الفكري البسيط من هم تحت سن العاشرة من عمرهم، ولكننا في قصة أخرى مثل «الديك الحائر» نلمح فكرًا أعمق يناسب مرحلة عمرية أكبر قليلاً؛ حيث ذلك الديك المتأزم نفسيًا لأنه لا يستطيع إيصال صوت صياحه نظرًا لوجود مكبرات صوت عالية من حوله في المساجد، وكذلك أيضًا في «صرخة الديك الرومي»، التي يعرض فيها الكاتب لمشكلة يتنبه لها الطائر ويحذر منها الإنسان، وهي خطر انقراض نوعه.
وبفكر أعمق يبدو مناسبًا لمرحلة عمرية أعلى تأتي «الدجاجة الذهبية» والتي يمكننا اعتبارها قصة من قصص الخيال العلمي للناشئة، والتي سنعود إليها في حديثنا عن المشكلة الثالثة.
ولعل كون الكتاب مجموعتين قصصيتين يصب في صالح الكاتب الذي خاطب في قصصه تلك أكثر من مرحلة عمرية، وهذا ما تؤكده اللغة، وهي ثاني المشكلات التي تواجه كاتب أدب الطفل.

ثانيًا اللغة:

تعد اللغة أعقد المشكلات الثلاثة التي تواجه الكاتب؛ وذلك لاختلاف الآراء حولها؛ فمن الباحثين من يؤكد أن الطفل ربما يشعر بنشوة أكبر مع الكلمات الجديدة التي يضيفها إلى معجمه اللغوي، بينما رأى آخرون أن تعرف الطفل إلى المفردة الجديدة من الأفضل أن يكون في المدرسة، لأن هناك من يعتني بهذه المسألة من المتخصصين، إلا أن هذا المتخصص لا يرافق الطفل أثناء قراءته الحرة في المنزل.
ربما لن نخوض في تلك النقطة بقدر ما نلقي الضوء على علاقة اللغة والمفردات المستخدمة بالمرحلة العمرية التي يستخدمها الكاتب، والكاتب هنا رغم صعوبة المفردات في بعض القصص، مثل "تركب اسم البطة دون جدوى" و "لماذا يعزف الديك عن الطعام؟" و "هل هذه الحبوب لا تروق له؟"؛ إلا أنه قد اعتمد طريقة ناجحة في توصيل تلك المفردات؛ وذلك من خلال تقليل كثافة المفردات الجديدة في كل قصة؛ بل في كل فقرة، كما اعتمد على تفسير الكلمات بعضها ببعض؛ مثل: "تجلس اللبؤة زوجة الأسد حزينة لا تأكل"، ولكن هذه الكثافة تتفاوت رغم قلتها لتؤكد ما أشرنا إليه من تفاوت الملاءمة للمراحل العمرية؛ فبعض القصص تناسب في لغتها مرحلة عمرية مختلفة عن بعض القصص الأخرى، إضافة إلى ما تحويه من قيم.

ثالثًا القيم والأخلاقيات:

ورغم أن القيم لا تتجزأ؛ إلا أن بعض القيم يناسب بعض الأعمار دون بعض في طريقة تناولها؛ وإن كانت أوحت لنا الشخصيات بالبساطة والمناسبة لصغار السن؛ لذا نؤكد على تفاوت المراحل العمرية التي تستهدفها القصص.
إن ذلك كله يرجع إلى صعوبة ملاءمة المتطلبات المختلفة من لغة ومحتوى وأسلوب، ليناسب المتلقي، إضافة إلى عامل آخر لا يواجهه من يكتب للكبار؛ ألا وهو اختلاف السن بين المتلقي والكاتب؛ لذا فإن السبيل الوحيد لحل تلك المعادلة الصعبة، يكمن في التجريب المستمر، ليطور كل كاتب من نفسه، وليصل إلى المتلقي من جهة، وليرتقي به ويعلمه من جهة أخرى؛ ليحقق الأدب غايته الأعظم في النهوض بالفكر والأخلاق.