في فن إبراهيم السيد طه القصصي

رولا حسينات
2017 / 5 / 30


إبراهيم السيد طه...كاتب مصري متميز، له قلمه وبصمته التي يعرف بها، استوقفني كثيرا وأطلت في نصوصه النظر وحلقت بالأفق بعيدا...أيُّ داهية في القلم هو؟ إبراهيم طه حريٌّ به أن يعرف تميزه، وحريٌّ بنا أن نقدر ما له في الفن القصصي، غير أني أعتذر إليه أنني لم أقرأ له من قبل، وأعتذر للكثيرين أني لم أقرأ لإبداعات القلم، وترانيم الروح، ونزعة الخيال، والواقع والألم المباح، وحكايا الترف، والجوع، والحكمة، والحزن، وحكايا الشجن، ولم أستيقظ بعد من لقم الحروب العالقة فوق حجر ليس برحى ليطحنها، وليس ليناً ليطيح بها إلى الجوف المشبع بالشظايا... وبحر الدماء، وصفحة السماء الرمادية، ودويّ القنابل، والمهادنة مع الموت بألف طريقة وطريقة... أعتذر منكم جميعا، لكني رغم ذلك عندما أقرأ... أقرأ ما بين السطور، وأطيل النظر... فلا أدري إن كان ذلك نعمة أم نقمة؟ إن كان ذلك يساعدنا في قمرة ذاكرتنا البئيسة أم يلهبها مرارة، وحزنا، ونزقا على الواقع...
الواقع الذي لا يفارق صفحات ما نكتب، وما نلونه بغير الحقيقة... بلون الحب، وكحل العين وحمرة الخدين والريق الذي تفوح منه رائحة العسل، لنخفي ما يقلب أجسادنا على الصفيح المحترق، وما يكوي أقدامنا على الرمال الملتهبة، وما يلهب مفاصلنا، ويدمي قلوبنا، ونحن نحمل كوز الماء من مبترد قراح، وغيرنا من لاجئين، ومعدومين لا يجدون الملح الأجاج... ونحن نفرش موائدنا بما لذ وطاب، وغيرنا ممن افتتنوا بموسيقى القنابل، وتلونوا بالبراميل المتفجرة، ومن قتلوا بالرصاص فهووا كما لو حمامة ذهلت برصاصة صياد، وبقيت ذكراها عالقة بملح الأرض، وحمرة السماء...
ولكن فن طه لم يكن فناً في الحرب، وأزمة اللجوء، والمعارك، كان فناً آخر على خط موازٍ من خط النار... خطا متأججا بفخاخ الحياة، وشره الواقع الذي رسم خطوطه بمهارة وحذاقة ...الكاتب الذي أبصر ووعى وكتب الموسيقى المتناغمة في حروفه التي لم تكن من عبث، كانت تمنحنا رسالة بمعنى: أن تخون نفسك وأن تخون من تحب وأن تسلمه طواعيةً إلى وحش المادة وأيُّ وحش كان؟ فما عهدناه غير نازف للعاب وقد لمع نصل الأنياب...
فكانت رائعته (الشياطين يرتدون زي الملائكة) ما جعلتني استوقف بين الحوار النفسي والحوار مع الزوجة والحوار الذي كان يخفي الكثير ويبصر النص منه القليل، عندما أراد ثلاثتهم جسد امرأة ليقلبوه تباعا بينهم فقط، لأنهم يملكون المال الذي تشرى به النفائس، وتشرى به الذمم، ويبيع به الزوج زوجته... مائة ألف...نعم هي مائة ألف...الكافية للخروج من أزمة الدين والقروض، والحياة التعسة، هي التي تؤمن شراء سيارة بدلا من أزمة المواصلات، وهي التي تبدله بدل بنطلونه الذي لم يعرف لونه، وقميصه الذي ذبلت ياقته، وهو الذي سيعوض زوجته أمناً بعد أن تبيع جسدها ليلة واحدة، يستطيع الزوج أن يغفرها لأنه سيعيش وزوجته عمرا ليستلذوا بمالها، ويبقى الزوج صريع الفكرة بعد قبولها... في حرب بين الضمير والضمير وإلى أيٍّ منهما سيهوي عقله؟ والزوجة التي أرادت أن تضحي بجسدها من أجل أن تخرج وزوجها من قمع الفقر إلى صخب الحياة ولو ليلة واحدة...بفانوس اسمه الجسد...ليلة واحدة لا تساوي شيئا في قواميس الشرف، مادام المال كفيلا بأن ينسيهم همَّ ما هم فيه، والجسد بالٍ والروح مترفعة والقلب لا يزاحم من فيه أحد... ولا أاحد يعلم وما نستطيع إخفاءه نحن أقدر على نسيانه. لكن فقه الواقع لم يكن ليختم على صحته أولئك الثلاثة الذين تنفسوا الصعداء عندما خلوا إلى أنفسهم بأنهم قد أتقنوا اللهجة وأتقنوا فن اللعبة، وإغواء الشهوة... شهوة المال، ويبقون سرهم حتى النهاية... لتأتي إليهم الطعم بقدميها... الزوجة التي ستريح واحدا وتملأه بما يريد من شهوة للنساء، وإذ بها أمام ثلاثة، لكنها ومع ذلك لا تأبه فكلها ليلة، والخير بواحد فكيف بثلاثة؟ ولكنها بعد أن تمنحهم ما يريدون، لم يلبوا رغبتها بمنحها ما تريد من مال... ومنحوها ما أرادوا هم كما أرادوها شهوة وجسدا ينضح بالحياة، أرادوها جسدا ميتاً يبيعونه كل قطعة فيه تساوي ثروة... ويمضون لا يعرف عنهم أحد، ويجيء الزوج بقدميه باحثا عن شرفه يريد أن ينقذه وأفٍ للمال ولكنه يجيء بعد أن صفر الحكم، وأطفأت الأضواء ليلقى مصير زوجته، ويباع جسدا كما باع جسد زوجته...
إنه فقه المادة الذي صوره لنا الأديب طه بحرفية لنقرأ النص من أول كلمة إلى آخر كلمة وهو ذاته الذي نتحالف على بعضنا البعض بمثله - أنا ومن بعدي الطوفان-ولا يهم الشرف آنذاك.
وتأتي من بعد ذلك قصة الحجة بجة اعتقدتها من العنوان أنها أنثى، لكن ما كان يبوح به النص غير ذلك... إنه الصغير الذي لم يكن كأحد من إخوته والذي جاء معاندا الوجود، والذي لم يمنح الكثير كما منح أشقائه، والذي ثقل لسانه ولم يكن مدركا كل ما حوله، لكنه كان رغم كل شيء محبوبا يحبه الكثيرون، ولم يقف عند عقدة النقص وعانى من اجل أن يصل إلى أول الطريق ونال رغما عن قسوة الحياة معه، العمل، والزوجة التي لم يكن له أن يتمناها، ولكن أكانت هذه البساطة التي تجعل الإنسان ينال ما يريد رغم أنه لم يكن ليحلم بأيٍّ منها؟؟
ويبقى أن احي الأديب طه على قلمه الذي رغم بساطة ما نطق به إلا أنه منحنا الكثير من العبر التي نتقاسمها في حياتنا ونمضي كما لو أنّا جُردنا من إراداتنا باستسلام واستكانة ...