محاربة الإرهاب تستوجب محاربة منابعه.

سعيد الكحل
2017 / 5 / 27

حلت الذكرى 14 للإحداث الإرهابية التي هزت الدار البيضاء ليلة 16 ماي 2003 حاملة معها مؤشرات تدل على أن خطر الإرهاب يتزايد رغم كل الإجراءات الأمنية والجهود الاستخباراتية التي تبذلها الأجهزة الأمنية المختصة في مكافحة الإرهاب . وكل المؤشرات تدل على أن المغرب اليوم يواجه مخاطر الإرهاب أكثر من أي وقت مضى . ذلك أن التنظيمات الإرهابية لم تعد تقتصر على الطرق التقليدية في الاستقطاب والتجنيد والتدريب ، بل باتت تعتمد أساليب ، تنفلت في جزء مهم منها من أي مراقبة . وهذا الذي يفسر تكاثر الخلايا الإرهابية في المغرب وبقية دول العالم . ومن أبرز الوسائل التي بات يركز عليها تنظيم داعش مثلا مواقع التواصل الاجتماعي فضلا عن المواقع الإلكترونية . وتلعب هذه المواقع دورا رئيسيا في نشر ثقافة الكراهية وفقه التكفير وتجنيد المتطرفين والإشادة بالأعمال الإرهابية . والمغرب ، كبقية الدول ، لا يحظر المواقع المتطرفة كما لا يجرّم فتاوى التكفير والتحريض ضد الأشخاص والمؤسسات . الأمر الذي تستغله التنظيمات المتطرفة في استقطاب العناصر وتجنيدها لتنفيذ الأعمال الإرهابية داخل المغرب أو السفر إلى مناطق التوتر . وبسبب هذا التقصير القانوني ، سواء في تجريم التكفير والتطرف أو حظر المواقع الإرهابية ، فإن عمليات التجنيد والاستقطاب والتحريض على العنف والإرهاب تظل جد نشطة ،مما يفسر التحاق أعدادا مهمة بالتنظيمات الإرهابية لتنفيذ مشاريعها التخريبية ، سواء داخل المغرب أو في مناطق التوتر . وفي هذا الإطار كشفت إدارة السجون وإعادة الإدماج في المغرب عن أن 1000 شخص اعتقلوا في سجون البلاد، خلال العام 2016، في إطار قضايا التطرف و"الإرهاب".وذكرت إدارة السجون، في تقرير حول حصيلة عملها العام الماضي، أن عدد المعتقلين في إطار قضايا التطرف و"الإرهاب" سجل ارتفاعا في 2016 مقارنة مع العام 2015، الذي شهد اعتقال 723 شخصا . طبعا هذه الأعداد تنضاف إلى الأعداد التي سبق للسيد ياسين المنصوري، مدير المخابرات العسكرية (المديرية العامة للوثائق والمستندات) "لادجيد"، أن كشف عنها في مداخلة أمام اللجنة الأممية لمكافحة الإرهاب، في سبتمبر 2015 . ومما كشف عنه السيد المنصوري :
اعتقال 2676 إرهابيا إضافة إلى إحباط 276 مشروعا إرهابيا، عبارة عن 119 مشروع تفجير باستعمال المتفجرات، تستهدف مقرات المصالح الأمنية، والمواقع السياحية، والتمثيليات الدبلوماسية، وأماكن العبادة المسيحية واليهودية، و109 مخطط اغتيال يستهدف عناصر مصالح الأمنية، والرعايا المغاربة اليهود، والشخصيات السياسية الوطنية والأجنبية والسياح، بالإضافة إلى 7 مشاريع اختطاف رهائن، و41 مخطط سرقة وسطو باستعمال الأسلحة. أكيد أن المخططات الإرهابية جد خطيرة والجهود الأمنية المشكورة كبيرة مكّنت من تجنيب المغرب كوارث وأنهارا من الدماء . إلا أن هذه الجهود الأمنية الجبارة التي هي نتيجة للخبرة التي راكمتها هذه الأجهزة منذ أحداث 16 ماي الإرهابية ، لن تكفي وحدها في القضاء على خطر الإرهاب . ذلك أن الإرهاب ليس فقط عناصر متطرفة ومخططات تخريبية وتنظيمات إرهابية وذئاب منفردة ، بل هو ، إلى جانب كل هذا ، عقائد التكفير وأفكار الغلو وثقافة الكراهية المغلفة بالدين . وهذه البنية الفكرية والعقدية ليست من اختصاص الأجهزة الأمنية التي ترصد أنشطة العناصر الإرهابية وليس فكرها وعقائدها . ووجود هذه البنية الفكرية التكفيرية التي تمجّد القتل باسم الدين في متناول الأطفال والمراهقين والشباب عبر الفضاء الإلكتروني ، سيظل يغذي التطرف والإرهاب ويجعله ثقافة يستدمجها المواطنون بشكل لاشعوري ويطبّعون مع الغلو والتطرف ، بل يمارسونهما دون استحضار مخاطرهما .
وهذا الوضع لا يخص المغرب وحده بل عموم الدول العربية التي باتت نسبة المؤيدين فيها لداعش تستدعي التعامل معها بكل جدية . فقد كشف تحليل لأربعة استطلاعات للرأي في العام العربي تجاه تنظيم "داعش"، أن التنظيم يحظى بحد أدنى من المؤيدين الأقوياء بلغ 8.5 مليون شخص سنة 2014/2015 . وإذا أضيفت أعداد الذين ينظرون إلى داعش بشكل إيجابي إلى حد ما، فإن هذا العدد يرتفع إلى 42 مليون شخص على الأقل.ومن المراكز البحثية التي أنجزت هذه الاستطلاعات : المعهد المستقل لإدارة ودراسات المجتمع المدني، والذي يتخذ من العراق مقرًا له، في مارس 2015، ثم مؤسسة زغبي لخدمات البحوث في نوفمبر 2014، المركز العربي للبحوث والدراسات السياسية، الذي يتخذ من الدوحة مقرًا له، وأخيرًا منتدى فكرة في أكتوبر 2014 بتكليف من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
والمغرب لا يشذ عن هذه الوضعية، بحيث قاربت نسبة المؤيدين لداعش 10% . ويعود اعتماد داعش على إستراتيجية الاستقطاب والتجنيد عبر الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي إلى عاملين رئيسيين هما : 1 ــ سهولة الانفلات من الرقابة الأمنية والأسرية للأبناء وخاصة الأطفال والمراهقين منهم . 2 ــ اتساع الشريحة العمرية (14 إلى 34 سنة )، التي تستعمل مثلا تويتر لتصل إلى نسبة 62% ، بحسب ما صرح به ، الثلاثاء 16 ماي 2017، السيد جورج سلامة٬ رئيس قسم السياسات العامة والعلاقات الحكومية في تويتر الشرق الأوسط . لهذا ،الأمر يستدعي كل الحكومات إلى الإسراع باتخاذ سلسلة من الإجراءات أهمها : أ ــ اعتماد اتفاقية دولية ملزمة تحظر الإرهاب الإلكتروني. ب ــ وضع تشريعات تجرّم التكفير والتحريض على القتل والإشادة بالأعمال الإرهابية. إشاعة ثقافة التسامح وأنسنة الفقه الإسلامي .