سلوك الفرجة

رولا حسينات
2017 / 5 / 24

سلوك الفرجة هو سلوك عفوي نما مع الغريزة المسيطرة على التفكير للمواطن العربي، الذي ربما لا أملك الحق في انتقاده من كثرة ما تعرض له من ظلم ومهانة وإجبار واضطهاد على مر التاريخ المعاصر، والذي جعل فيه الحكم العثماني أساسا في التعبير عن مرحلة تاريخية دقيقة وغاضبة ونوعية في نفس الوقت، فبعد أن كانت الإمبراطورية العثمانية السرير الذي يأوي إليه الجسد العربي المنهك من البحث عن أصول الحياة وانهزم أمام نفسه بتخليه عن كل ما يمكنه من الرقي، غير أن سمة الاستسلام هي الصفة الغالبة على المشاريع العربية الفكرية، فكانت الإمبراطورية التركية التي سيطر عليها حزب الاتحاد والترقي وحكم الحريم في آواخر أيامها قد مارس شذوذه في التنكيل بالمواطن العربي على امتداد تواجده الجغرافي، فكانت العصا لمن عصا واجعل رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس....أو ارفع رأسك سال الدم...وبعد سلسلة الأمثال العقيمة التي تمد جسورها العصبية إلى الدماغ ثم إلى الجسد ويتطور السلوك ليس بالإطاعة بل الرضوخ الكامل والقيام بدور المؤدب لخدمة السلطة...أي كانت بدءا من الغفير إلى الباشا الإقطاعي انتهاء بأي مسؤول مهما كان تصنيفه...وبعد ذلك عاشت الشعوب العربية تحت نيران الاستعمار ومواجهة السلاح..فكان كما لو حمامة رقصت بدمائها من رصاصة..فلا هي عادت للحياة ولا عاشت أفراخها..إن ما انتجته السنوات العجاف من هزائم ومجازر علم العربي بأن يقفل بيته ويرتجف مطأطئ رأسه في زاوية البيت الطيني والدبابة أمام بيته وهو في عين المدفع... الصغير قد كبر وقد أصم أذنيه الصفير وما عاد الطرب ينفعه غير أن تحريك العصا يرقص الموتى...
فكان سلوك الفرجة تحصيلا حاصلا، وكون العربي عانى من نزعة الخوف والكبت والظلم والقهر وغيرها من مسميات فإنه اليوم يرغب في إسقاط هذه العقد النفسية على من هو أضعف منه في هرم القوي والضعيف، فكان الضعيف يتكبر ويتقاوى على من هو أضعف منه في السلسلة السلوكية...وهذ ما نعيشه كل يوم...على مستويات بسيطة كلما انتقلت إلى تزداد تعقيدا، فعلى سبيل المثال: تصبح تحت رحمة تلك السيارة الصغيرة التي لا تحمل نمرة أو لا تبين أرقامها عن الإشارة الضوئية...وقد يلزمك كنترول الباص بالصمت أمام سوء طبعه وقلة حياءه...حتى تضمن وصولا آمنا إلى أقرب نقطة توصلك إلى هدفك، كما أنك تصبح فريسة في شباك السكرتيرة لأحد الأطباء الذين فقدوا شرفية المهنة وهي علاج البسطاء وعلاج الإنسانية...إلى تجارة المرض وتجارة الاستحواذ على محفظة المريض...الذي لم يخرج عن كونه مريضا صاحب حاجة ضعيف أكثر ما يكون وراغب بشدة إلى عودة ما سلب منه...وهكذا دواليك ضمن أي سلسلة مجتمعية ....
إن سلوك الفرجة سلوك فطري يبرر الطاعة واخفاض الرؤوس وتقبيل الأقدام...والصمت العفوي والتسليم للواقع مهما كان ..فإبصار شاب يتحرش بفتاة هو في الحقيقة سلوك قد لا يعني الكثيرين...وفي أقصى حالاته يعني الاستسلام لأي فكرة سيئة أو تسليما للأمراض المجتمعية من صمت مطبق على مفهوم التحرش واستبداله بلفظ العيب...وعبارة فضيحة...ويمك أن نصمت عند رؤية شرطي يقلب عربية يرتزق منها بسيط تجود بربطات الشعر ودبابيسه لتتناثر في الطرق وتتقاسمها عجلات السيارات..صمتنا نابع من سلطة القوي على الضعيف، دون أن نكون قادرين على المطالبة بحق هذا البسيط أو ذاك بتأمين مواقع مرخصة بأقل التكاليف يستطيع زبون الفكة (الفراطة) من نبش جيوبه عن تلك القطع المعدنية دائرية الشكل...سلوك الفرج يندرج تحت أي مشهد درامي صامت أبطاله كثر وقد خرج عن الموندراما كما خرج عن النص الإنساني...
مدونتي المرئية على مدونات الجزيرة فيها مشهد آخر...http://blogs.aljazeera.net/topics/video/2017/5/23/%D8%B3%D9%84%D9%88%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%AC%D8%A9?BlogID=396b16a1-4a00-4ac6-a5b1-641ad53bf826