قيامة في ليل

سلام إبراهيم
2017 / 5 / 13

قيامة في ليل
من رواية "في باطن الجحيم"
(واصلنا المسير في بقاع خاوية تشبه الأرض قبل خلق الإنسان. بقاع يصفر فيها الصمت والفراغ، شعاب ودروب وطرق جبلية موحشة. مررننا بقرى هرب سكانها. دخلنا بيوت مهجورة غادرها أصحابها على عجل تاركين أشياءهم بمكانها؛ قدرٌ على نار مطفأة، صحون طعام مملوءة بالرز والمرق، ثياب مبعثرة. يبدو أن القصف داهمهم فجأة مضاف إلى الهلع الذي تنشره الأخبار التي ينقلها القادمون من العمق حيث خلفوا قتلاهم في أمكنتها. كنا نبحث عن خبزٍ وكساء. وتحسباً للقادم حملت إبتسام ـ أم نصار ـ و ـ بهار ـ أردية كردية قديمة تركتها العوائل الفارة، قد يحتجن إليها في حالة عبور الحدود. أردية قرويات هربنَ بأرواحهن على إيقاع ذاك الرعب الذي عمّ وقت زحف الجيش العراقي العائد من حربه مع إيران. مشينا يومين وليلة. ومررنا بعشرات الحقول المحروقة، والبغال القتيلة، وجثث الفلاحين التي قضت بالقصف، والمرمية على جانبي المسالك الجبلية وفي فسحات السفوح. لم يكن لدينا وقت للتوقف ودفنها، إذ كنا نسابق الزمن كي لا نحاصر في حالة سيطرة الجيش على القمم الحدودية التي فيها مواقع لربايا قديمة اضطر إلى تركها بسبب الحرب مع إيران. في صبيحةٍ توقفنا للراحة وتناول وجبة الغداء جوار عين ماء دافقة. شوينا ما نحمل من لحم معلب. وبعد مداولات قررت قيادة المفرزة ترك العوائل والرفاق المتعبين مع جموع الأكراد المنتظرين على نقط حدودية قريبة، يعني أنا و بهار، أم نصار و زوجها، وبصحبتنا ـ أبو حاتم ـ (مناف الأعسم) الذي كان وقتها يعاني من مشكلة بفقرات ظهره. بررت قيادة المفرزة قرارها؛ لصعوبة وخطورة المرحلة الأخرى من الطريق الموصل حتى المثلث الحدودي، فسوف تضطر إلى الدخول مرات عدة عبر الجبال التركية وسط ربايا وقرى كردستان تركيا. أتذكر مدى حرقة ـ أم نصار ـ أقدم نصيرة في كردستان، إذ ظلت تبكي مفجوعةً وكأن عزيزاً لها مات للتو. بقينا مع شخصين من أكراد تركيا يمتون بصلة قربى لرفاق لنا. سرنا من الساعة الثانية عشرة ظهراً وحتى هبوط المساء. عند حافة سفح في الظلام طلبا منا تسليم بنادقنا قائلين:
ـ سنخبئها لحين عودتكم!.
كان قولهم كذبا بيناً!. نزعنا بنادقنا وسلمناها لأحدهم فاختفى بها على الفور، بينما الثاني أكمل المشوار معنا. في اللحظة التي سلمت فيها بندقيتي والليل يساقط رذاذ عتمته أحسست بعجزي ووحدتي واستسلامي التام لمصيرٍ مجهول. قادانا عبر ممر ضيق على السفح عبر قمة الجبل فأطللننا على مشهدٍ جديرٍ بكاميرا من كاميرات الأفلام الكلاسيكية التي تحكي مأساة جماعية زمن الحروب والتشرد. مشهد جعلنا نتوقف لا شعورياً مبهورين. تحتنا ترامى وادٍ ضيق يعجُ بنيران وضجيج جموع الأكراد النازحة المنتظرة عند بوابة الحدود على امل السماح لها بالدخول.
قال لنا:
ـ تنزلون مع هذه الجموع ومصيركم مصيرهم!.
وغاب هو الآخر في الظلام.
بقينا لحظات مشدوهين قبل أن أتحرك وأقول:
ـ هيا بنا!.
انحدرنا نتعثر بخطانا المخذولة، فضوء النيران المشتعلة في عمق الوادي تعتم المسلك الضيق النازل. كان ضجيج الحياة يتصاعد صاخباً من الحشود الملتمة حول النيران، قرقعة أواني طبخ، صياح، مناداة، ضجة، دخان يتصاعد. أحسسنا بصخب الحياة الصاعدة من الوادي يطرد شعور الوحشة لتركنا من قبل الرفاق ونزع سلاحنا، فالمرء دون بندقية يشعر زمن الحرب أنه عارٍ فعلاً. قبل أن نصل عمق الوادي ونخلتط بالحشد، قامت الرفيقتان بتبديل ملابسهما خلف أكمة فألقين عنهن رداء البيشمرگه المكون من شروال وقميص، ولبسن ثياب القرويات الكرديات الطويلة الفضفاضة الصارخة الألوان. اختلطنا بالحشد، والعوائل تتجمع حول نيران متقدة. تطبخ. تغلي الماء لتخدير الشاي. كان كل شيء مفتوحاً، فالمحنة وحدت الناس وجعلتهم عائلة واحدة تواجه الليل والغد المجهول، وهي محاصرة بين حرس الحدود التركي الذي لم يسمح لهم بالدخول منذ عدة أيام وبين الجيش العراقي المتقدم سريعاً من الشريط الحدودي. جلسنا مع عائلة، فقدمت لنا الطعام والماء والشاي، ووزعت علينا بطانيات خفيفة، فالوقت أواخر الثامن والليل بارد في الجبل.
لا أدري كيف مرت تلك الليلة المضاءة بنيران المواقد حيث يحشر الحطب المجلوب من السفوح القريبة بين حواجز صخرية!.
كنت أعيش جواً أحس أنني عشته سابقاً لكن في باطن روايات تحكي عن حروب أهلية وجوع وتشرد ورعب وحياة فاقة وتضامن ونيران في ليالٍ مظلمة مثل هذه تضيئها نيران مثل هذه النيران. أجواء ذكرتني برواية ـ عناقيد الغضب ـ لجون شتينباك، وأجواء ـ مائة عام من العزلة ـ لماركيز.
هاأنذا في خضم رواية حقيقية شخوصها من لحم ودم، زوجتي رفيقتي وزوجها، الرفاق الذين تركونا وضاعوا في الشعاب و لاندري هل يصلون أو لا؟!. وجموع العوائل بأطفالها وأحمالها ورجالها ونسائها الطاعنين في السن الذين يروون لبعضهم على ضوء النيران المتأججة أهوال ما جرى لهم في طريق إنسحابهم الطويل، والحاجز الحدودي التركي القريب حيث يقف الحرس متأهبين شاهرين أسلحتهم على أهبة الاستعداد لأي طارئ قرب بنايات واطئة السقوف مضاءة بمصابيح خافتة الضوء تشرف على طريق عريض يسع لمرور مركبة. سمعتُ قصصاً تبدو مثل خيال، عن أمهات فقدن أطفالهن في القصف، أو أثناء عبور نهر ـ الشين ـ و ـ الزاب ـ أو عن أم كانت تبكي طوال الوقت فزوجها أصابته شظية وابنها الرضيع ارتطم رأسه بصخور مسلك فمات على الفور عندما تعثر البغل وسقط على ركبتيه، وابنتها بنت العشر سنوات كانت في زيارة لأختها الساكنة في قرية على السفح المقابل للجبل حُصِرًتْ ولا تعرف مصيرها. قصص تروى وراويها يحكيها إما باكياً وإما مذهولاً على إيقاع الوادي الضيق الضاج بأصوات تنادي، وصراخ أطفال، وحوافر بغال تراوح في مكانها. قمت من مكاني فسألتني زوجتي:
ـ إلى أين؟!.
ـ سأقوم بجولة وأعود!.
ـ خاف تضيع!
علقت ضاحكاً:
ـ كلنا ضايعين!.
وأردفت:
ـ لا تخافين.. سأرجع!.
خطوت بين أكداس البشر المتناثرة كأشلاء على فسحة الوادي الضيق، وعلى ضوء نيران تلقم بالحطب الجاف كلما خفتت رأيت ما لا يحصى من الوجوه والأجساد المنهكة، تروى قصصاً. تعري أجسادها المحروقة، المبقعة بالفقاعات، المسلوخة بغازات الكيمياء. تسعل سعالاً مخنوقاً. تصرخ بألم. تغفو مجهدة. صخب وصراخ وقصص، وسؤال حاسم يتردد كل لحظة يقول:
ـ هل سيسمح حرس الحدود التركي بدخولنا؟!.) ص289-294
صدرت عن وزارة الثقافة-بغداد2013
بالإنكليزية عن دار صافي الولايات المتحدة