قراءة ما بعد بنيوية للقران....هكذا فهمت محمد اركون

الطيب عبد السلام
2017 / 5 / 13

يقول محمد عابد الجابري "علينا ان نفهم التراث بحيث يكون محايثا لنفسه و محايثا لواقعنا في ذات الوقت".
محايثة النص للحظته هو امر مفهوم بأعتباره اساسا وجد ك رمزنة لتلك اللحظة و نقلها الى الكتابه و وصفها و حفظها و اصدار التعليق عليها لكن السوأل هو كيف نجعله محايثا لنا و هو الخاص بلحظات غاية في القدم و واقع غاية في المغايرة هذا ما نريد الاجابة عليه.
جاء القرآن بصفته اجابات مرحلية لأسئلة انسانية حية و متأزلة و لا انفكاك منها لأن الانسان لا انفكاك منه.
الاجابات التي قدمها القرآن في السابع الميلادي كانت تصورات عقلانية نقدية لتلك اللحظة اجابات لاهوتيه مغايرة انقذت اللاهوت اليهودي و المسيحي من التحريف الذي مسه.
اقول تحريف و اسعى الى علمنة هذه المفردة و تخليصها من الحمولة الايديلوجية الثقيلة التي اودت بأي فهم معرفي للاجابات اللاهوتية التي بلغ بها المأزق قمته لدرجة انها باتت تطلع لظهور "فارقليطها" و مخلصها من ذلك المأزق اللاهوتي العصيب الذي ادخل الى المسيحية عقيدة التثليث و التي ادت لالغاء دور العقل و تحول المسيح و امه الى كائنات الاهية و بالتالي اصبح نوابهم الهة ف فسدت البلاد و حبس العقل في زنزانة الغيب.
جاء التصور الاسلامي بأن المسيح نبي بشري أن الله طبيعته مغايرة للبشري جاء انقاذا للمسيحية التي دخلت في حروب مذهبية طاحنة تختصم جميعها في الخرافة و الوهم.
شكل الموقف القرآني بانحيازه الى العقلانية الاريوسية اذا قمة الحل للمأزق المسيحي اللاهوتي.
اذا فاللحظة الاولى للنص كانت لحظة عقلانية نقدية كان طريقا عقلانيا ثالثا اعاد المبادرة و الفعل الى يد البشري يقول القرآن "قل انما انا بشر مثلكم يوحى الي"،هذا التصريح ينحاز للطبيعة البشرية و يعيد اليها تواضعها الذي افقدته المؤسسات الدينية اياه ف جعلته الاها هو الأخر يشارك الاله ازليته و تعاليه و يشارك الانسان سياط ذلك التعالي القسري.
نستنج اذا بأن القرآن كان في راهنه عين العقل النقدي و العقلانية هذه الراهنية التي تعالت بها المؤسسات السلطوية التي قدست تلك الراهنية و احالتها الى مشروعية ابدية احالت "حرارة النص" الى "برودة الترديد" و من كهف التأمل و التفكر الى معابد و زنزاين تسجن ذلك العقل و تمأسسه و تبتعد به كلية عن طبيعته الحية المتدفقه.
تمثل سورة الكهف خير مثال لفكرتنا هذه،هذه السورة اللاهوتية النقدية المغايرة لبقية النص القرآني.
قبل اجراء دراستنا على هذه السورة اشير الى أن النص القرآني خضع الى نوعين من القرأة و كلتا هاتين القرأتين متضادتين و جوهر النص و مغزاه و حقيقيته.
اولى هذه القرأت هي القرأة التراثيه التفسيرية و هي قرأة مكان عملها اللفظ و هي تحيل الالفاظ الى غيرها محتفظة بتلك الشحنة التقديسية التي تجعل العقل عاطلا عن العمل ازاء القرآن يتلوه و يترنم به من دون ان يعامله معاملة موضوعية بل معاملة تمثيلية تجعل معاني الالفاظ غارقة في دوامة من التقديس و التأليه لا تفضي الى مستنتج موضوعي.
هذه القرأة التعبدية الطقسية هي قرأة تمرر خلفها مشروعية "الطاعة و التسليم" لرجل الدين المتحالف بدوره مع سلطة اما يحيلها ل "أمير المؤمنيين" او يحيلها الى ذاته كما في الاكليروسات السلطوية الواضحة ابتداء بالاكليروس الموجود في الطرق الصوفية و انتهاء باكليروس دولة الفقيه.
هذه القرأة تعدم النص القرأني حيا و تؤدي الى انتاج نمط دوغمائي متعصب من المؤمنيين.
هذه القرأة ب تبنيها لاسباب النزول تتحالف سرا مع قرأة المستشرقين و فكرتهم حول تاريخانية القرأن مع فارق ان هذه القرأة تعترف باسباب النزول في التاريخ ثم ترتفع بذلك التاريخ لدرجة التأليه مستشهدة بذلك بالحديث "خير القرون قرني و الذي يليه".
لا يهمني هنا البحث في صحة الحديث بقدر ما يهمني كشف الرؤية الفكرية الثاوية خلفه و هي فكرة "نهاية التاريخ" و بأنه لا زمن قادم أخر و ان القيامة على الابواب،يتضامن مع هذه الفكرة حديث أخر هو "بعثت و قيام الساعة كهاتين".
اذا كان ثمة يقين داخلي قوي بأن الفناء الاكبر على الابواب و أن الله سينهي المهزلة.
هذا الارتفاع بتلك اللحظة جعل من "مفاجاءة ان الحياة استمرت" بمثابة قفل مسبق على العبء الحياتي القادم الذي ما هو الا ضلال و كفر و لذلك نلاحظ عقدة سيزيفية لدى المؤمنيين الذي يستشعرون "خيانة ما" حدثت بحقهم حينما لم يكونوا مضمنيين تلك اللحظة مما ادى الى حدوث انجذاب مستمر لتلك الايام انجذاب ولد مزيدا من السلطات و الاكراهات ف تحولت رؤية النبي مناما بمثابة تنصيب جاهز في سلم التقديس و الايمان.
القرأة الثانية هي قرأة المستشرقين الفيللوجية و هي قرأة وصفية بنيوية تحليلية تنظر للظاهرة الدينية باعتبارها محض تطور بشري و تنظر الى "المعجزات" فيها باعتبارها اساطير مكانها سلة المحذوفات.
هذه القرأة البئيسة الميته المؤدلجة وفقا للاداتية التجريبية الرتيبه تحرم النص من اكتشاف الأنسان فيه و ما هو مستمر من تلك الافكار الثاوية في النص في العقل البشري و في سلوكه اليومي.
هي قرأة "مخطط لها" ترمي الى رمي "الفعالية الحية" للنص في البحر و تقيم له جنازة باهتة مع بقية الالهة.
انها قرأة عاجزة و هي محض تمامة لاكتساح الحداثة الاداتيه للعلوم الأنسانية.
انها قرأة ينظر اليها المؤمنون باعتبارها عدوانية ترمي بمقدسهم هكذا و بمنتهى البساطة في خانة الا معقول و الخرافة.
مشكلة البنيويين الفيللوجين هي انهم يريدون التثبت من دقة وقوع الحدث بذات العقل الاستدلالي الجنائي حتى يحددوا هل وقع الحدث ام لا و ان لم يقع وصم بأنه "خرافة" انه منهج عقيم في التعامل مع الفكر البشري الحر من ادايتهم اذ شتان بين الواقعة ك "حدث" و الواقعه ك"مدونة".
انهم مهمومون برافة اصحاب الكهف و هل ناموا ثلاثة قرون بالفعل ام لا.
ليسوا مهموميين ب تتبع الحوجة البشرية و اللحظة الابيستيمولوجية التي انتجت ذلك النص بقدر ما هم حريصين على جردهم الاداتي لما يسمونه ب الخرافات البشرية.
لا يريدون محايثة الوعي البشري و فهمه لحظة انتاج ذلك التصور و تلك القصة التي حجزت مكانها في الوجود بدليل
وصولها الينا
غير أنني بصدد تقديم قرأة مختلفه تعيد الى النص طزاجته و حيويته و امكانية تحيثه للراهن ذاك و أنه كان بوصلة ذلك الراهن و سلفه "الميمي" وفقا لريتشارد داكونز سلفه الميمي الأقدم.
و اشير قبلا الى أنني استعير هاهنا منهج محمد اركون ما بعد البنيوي في قرأة هذا النص المعنون ب سورة الكهف.
من المعلوم أن قصة اهل الكهف و الرقيم تتمحور حول انتقالات خمس هي :
اولا : فتية أمنوا بربهم
ثانيا : تواروا عن قومهم
ثالثا: ناموا او غابوا عن الوعي لثلاثة قرون.
رابعا : بعثهم الله
خامسا : قرروا الموت بعد ان شاهدوا ان دينهم تحول الى اكليروس جديد.
عبر هذه الانتقالات الخمس نستطيع ان نرى و بوضوح أن ثمة مجموعه فتية العقل أمنت بالعقل النقدي الالهي و تمردت على الاكليروس القديم و رفضته معولة على الخلاص المسيحي الجديد الذي حررهم و تسامى بقلوبهم و عواطفهم و اضطروا للتواري في الكهف.
ناموا ثلاثة قرون و نيف و من المفارقة بمكان أن الامبراطورية الرومانية تحولت الى المسيحية المؤسسية قي القرن الثالث الميلادي و تحديدا في مجمع نيقيا سنة "325م".
بعثوا بعد هذه القرون الثلاثة ليجدوا دينا أخرا غير الذي عرفوه،دينا تكالبت عليه المؤسسات و البيروقراطيات و احالته الى "وثنية جديدة" ف عبدت "صورة المسيح" و اهملت فكرته في التنقية الباطنية و السمو الروحاني و تخليص اللاهوت اليهودي من "ماديته الجشعه".
خلال قرون ثلاثة تبدلت العين الناقدة و الحية التي أمنوا بها و استحالت "رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم" تمعنوا هذا الانثيال القرآني اللطيف و هو يعلق أنه لا رهبانية و لا اكليروس في الدين و أنما هو الاجابة النقدية الشافية لماثل اللحظة الراهنة.
حينما خرج الفتية من كهفهم انهارت مشاعرهم حينما رأوا دينهم الحر الخلاصي تحول الى مأسسة و كهنوت لم يروه ابأن معاصرتهم هم للطزاجة الاولى و الحرارة البكر لشرارة الخلاص.
هذه السورة تحكي الصيرورة البشرية المتصله في كيف يمكن لاكثر الافكار نقدية ان تتحول الى كهنوت و بطرياركية تسد طريق المسقبل و تسجن العقل البشري.
أنها قصة الاسلام نفسه الذي تحول في نهاية قرنه الثالث الى مؤسسة فقهية سلطوية لا علاقة بينها و بين حرارة العقلانية الاولى التي رسخها القرأن.
انها ذات قصة الماركسية التي ولدت كقرأة عقلانية مادية للتاريخ فتحولت الى احزاب شيوعية حديدية وقفت في وجه العقل و التأريخ.
هكذا اذا نقراء قصة اهل الكهف،نقراء الأنثيال العقلاني فيها وفق لحظتنا الراهنة من دون ان نستشعر ذلك التناقض او التعارض بين التراث و الواقع بل أننا نستشعر ذلك التضامن العميق بينهما بل و ذات التحديات التي واجهت الفكر التجديدي من ناحية و من ناحية أخرى تحول ذات الافكار التجديدية الى مؤسسات قهرية سلطوية تقف ضد التجديد ة تناهضه.
و من طريف الأمر انني كتبت تناصا شعريا مع هذه السورة قبل اربعة اعوام بعنوان "فتية النهر" منشور بمجموعتي الشعرية وحي العتمه اقول في بعض مقاطعه :
"و شرب الفتية كأس الورق اليابس"
و انتقموا من كل دقيقة سير
خاضوها ضد الغير
"ترى الموج يبللهم ذات اليومين و ذات الشمال"
"سيقولون ثلاثة رابعهم قلقهم"
و الله يعلم انهم ملح الخلق و انتم لا تعلمون.

انه من المؤسف حقا ان تتحول هذه الحرارة النقدية في هذه السورة الى محض "ايات ميتة متلوه" لا يستشعر مغزاها و جوهرها.
أن القرآن كتب ليبقى لأنه الانسان و حرارته لأنه اسئلته و مخاوفه لأن نيته الاساس هي تحرير الانسان لا استعباده...لأن نيته النقد لا النص.
أن الثاوي خلف النص هو الأنسان و اشكالاته الجديدة القديمة و هو مناط دراستنا و عميق تركيزنا لنرى كيف تفاعل معه النص و تفاعل هو مع النص..انها وثيقة مشتركه بين التعالي الأنساني و بين القاصر و المحدود فيه.
يقول عاطف خيري : أخر الناجين من الذبح صار يعبد خنجرا...
الذي تحرر من كهنوت قديم عبد كهنوتا جديدا.
لكن "اصحاب الكهف و الرقيم" سيظلون هم النقديون في كل عصر الاحرار من مأسسة الحقيقة و سجنها في المسلمات و القطعيات و الاكليروسات و التراتبيات.
هم ايائل الحقيقة الحرة يحبون الله دونما وسيط او وصاية في مناجاة روحية خالصة و على ذلك قس العقل التجريبي العلموي اليوم الذي استحال اكليروسا جديدا و ارادات للتسلط ثاوية خلف عبارة "الحقيقة العلمية".

احالات :
د/ يوسف زيدان "اللاهوت العربي و اصول العنف الديني"
محمد اركون / الاسلام دراسة علمية
محمد عابد الجابري / مدخل الى القرآن الكريم.
يورغين هبرماس / المعرفة و المصلحة.