كفاح المثلية الجنسية. شكراً .. الآن تورنغ

مروة التجاني
2017 / 5 / 12

قبل الدخول إلى عالم المثلية الجنسية يجب أن نكرم الأجيال الأولى التي عاشت في أزمنة سابقة، كانت أزمنة صعبة وشاقة عليهم، لم يكن لهم الحق بالأعتراف بمثليتهم بل وأبعد من ذلك دفعوا الثمن باهظاً عند اكتشافهم، كيف كانوا يلاحقون ويطاردون وينبذهم المجتمع؟ ، كانت المثلية وإلى زمن قريب عاراً .. الآن حان وقت تغيير هذا التفكير خاصة في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي والأسلامي، لتفتخروا بالمثلية الجنسية، لكن أولاً وقبل الخوض في المفاهيم العلمية والنظرية يجب علينا أن نكرم الجيل الأول، نعيد لهم الأعتبار مجدداً، نحن لا نعرفهم جميعاً حيث كانوا يتألمون بصمت، وفي هذا الصمت والوحدة والدموع التي بللت قلوبهم، سنبكيهم، سنحزن لأجلهم، لكن أيضاً سنذكرهم بكثير من الفخر وسنقدم اعتذارنا. اليوم سأقول شكراً الآن تورنغ .. سأشكرك بحق وبحب.

ولد تورنغ في العام 1912م ببريطانيا، كان منذ بداياته الأولى عبقرياً في الرياضيات بشكل خاص وكذلك في مجال الحاسوب والمنطق وتحليل الشفرات. عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية كان تورنغ يعمل في مركز فك الشفرة البريطاني وبخاصة في القسم المسؤول عن تحليل شفرات البحرية الألمانية، كان عمل المركز سرياً وعندما نجح البريطانيون في فك طلاسم الشفرات الألمانية كان يغضون الطرف عن بعضها، مثلاً تعرف بريطانيا أن المانيا ستقصف اليوم منطقة معينة ولكنها لاتقوم بصدها، كانت استراتيجية ناجحة من جانب السياسيين لأنهم بذلك لم يكشفوا للألمان إنهم يعرفون لغة شفراتهم، وكانت عمليات الصد تتم في المواقع الأستراتيجية، في معركة الأطلسي برزت أهمية العمل الذي كان يؤديه تورنغ، وفيما بعد بفضل هذا الأنسان الرائع انتهت الحرب العالمية الثانية، أدى عمل تورنغ إلى تقصير مدة 4 سنوات .. أتصدقون يا أحبتي؟ .


في عام 1936م أي قبل الحرب العالمية الثانية، نشر بحث لنموذج حاسوبي مهمته آداء العمليات الحسابية، فيما بعد سمى هذا الجهاز ( آلة تورنغ ) وأهمية هذا النوذج إنه قادر على تنفيذ كل خوارزمية قابلة للتنفيذ بواسطة الحاسوب، حيث يتم فحصها أولاً بواسطة هذا الجهاز وهو ما يعرف بقابلية الحساب، الآن .. تعرفون يا أصدقائي فضل تورنغ في تطوير جهاز الحاسوب الحالي، كلما تذكرون الحرب العالمية الثانية، وعندما تستخدمون هواتفكم الذكية وأجهزة حاسوبكم قولوا .. شكراً الآن تورنغ.

كان تورنغ مثلياً .. لكن بسبب نظرة المجتمع الرهيبة لهذا الموضوع في ذلك الوقت كان الأمر سرياً لفترة طويلة، لكن شاءت الأقدار في العام 1952م أن تكشف الشرطه أمره، فكانت الكارثة التي هزت حياته، انتشرت القضية وتحولت لرائ عام، يا إلهي كيف تحالف كل المجتمع ضده؟، على الأقل ضد من ساهم في وقف أكبر حرب شهدتها الكرة الأرضية، لكم أن تتخيلوا الصدمة التي عانى منها، الخوف الذي سكن عينيه لفترة، الألم الذي تآكله، آهٍ يا تورنغ ..


في العام 1953م قدم للمحاكمة بتهمة المثلية الجنسية وكان حكم المحكمة قاسي حيث خير بين السجن والإخصاء الكيميائي بواسطة حقن هرمونات انثوية .. أي خيارات قاسية كان عيه أن يواجهها؟ ، اختار تورنغ الإخصاء، ولمدة عام كامل كان يحقن بالهرمونات بشكلٍ منتظم.


فيما بعد تم فصله من عمله ومن جامعة مانشستر التي كان يعمل فيها، قضى تورنغ عاماً كاملاً في عزلة تامة، كانت العزلة بمثابة سجن جديد وكأنه حكم عليه بالعقوبتين معاً، وحيداً في منزله، كيف كانت تمر عليه ذكريات الحرب وشغف الرياضيات والحوسبة؟ أي صمتٍ عانى منه ؟، بعد عام من خضوعه للحقن انتحر.

مات تورنغ بتفاحه مسمومة .. مات وحيداً.

شكراً الآن تورنغ .. ستبكيك كاتبة المقال ما بقيت على قيد الحياة .. سأذكرك دائماً ، سنخوض معارك التغيير وأنت تسكن في عقلنا وقلبنا ، سنشكرك كلما ادركنا ماهية الحواسيب والأجهزة الذكية، سنذكرك بفخرٍ كبير فأنت جزء هام من مسيرة الأنسانية.

شكراً لك.