التربص بأحلام الملائكة

صلاح شعير
2017 / 5 / 8

دراسة نقدية
بقلم: طلعت أبو سلمة

يقدم لنا الأديب صلاح شعير رواية "أحلام الملائكة" والصادرة عن دار الجندي بالقاهرة، وهي رواية رائعة واقعية اجتماعية؛ تصور وتجسد لنا الريف المصري. سار بها المؤلف علي درب من سبقوه ابتداء من المرحوم الدكتور محمد حسين هيكل في روايته زينب – وإن كانت هناك محاولات للرواية قبلها – مروراً بالرعيل الأول ومن جاء بعده كطه حسين في"دعاء الكروان" و"يحي حقي" في "صح النوم" و"توفيق الحكيم" في "يوميات نائب في الأرياف" و"محمد عبد الحليم عبد الله" في "شجرة اللبلاب " و "عبد الرحمن الشرقاوي" في " الأرض" و "يوسف ادريس" في "الحرام"، و"خيري شلبي" في " الوتد" وغيرها و"سليمان فياض" في " أصوات " و "يوسف القعيد" في روايته " وجع البعاد ".خلاصة القول أن "صلاح شعير" يكتب ويسير على نهج عظماء الأدب الروائي بامتياز، وبخصوصية تعكس شخصية وملامح الكاتب الصاعد، والذي تتأكد ملامحه مع كل عمل جديد.

مشروع مسلسل تلفزيوني ناجح:

يتسم بناء رواية "أحلام الملائكة" بأنه بناء روائي متكامل، وقد استطاع المؤلف ببراعة زرع فكرته زرعًا في المتلقي مهما كان مستوى ثقافته، وهذا النص علي وجه التحديد يمتلك مقومات الدراما التلفزيونية، ومؤهل لأن يصبح مسلسلا فنيا ناجحا باميتاز، لأنه يحتوي على عناصر متعددة، وشخصيات نابضة بالحياة، ومضمون غاية في الأهمية، ولو طالعه أي منتج أو مخرج كبير لن يتردد في تحويله إلي مسلسل تلفزيوني، فالورق في الرواية يكاد أن تسمع له صوتًا.


صعوبة الأعمال الروائية التي تتناول القرية:

إن تناول الحياة في الريف من خلال عمل روائي ليس بالعمل الهين الذى يقدر عليه كل روائي، فاحتراف البناء المعماري للرواية ليس الشرط الوحيد الكافي؛ إنما يلزم الأمر الإلمام الكافي بأدق التفاصيل اليومية لحياة الفلاحين وطريقة معيشتهم وتدبير شئونهم الحياتية، والتغلب علي ما يعترضها من صعاب، وهو ما يمكن أن نطلق عليه اقتصاد الفلاحين.

لابد أيضا من إدراك واقعهم الاجتماعي بالوقوف علي عاداتهم وتقاليدهم: كيف يفرحون، وكيف يعبرون عن أحزانهم، وخير مثال علي ذلك ما نلاحظه في أدب الكاتب الكبير نجيب محفوظ، فرغم غزارة إنتاجه الروائي إلا أن نجيب لم يتناول حياة الريف وهذا يحسب له وتصرف يعكس ذكاءه الروائي الإبداعي فهو لم يعش حياة الريف فلم يدركها مثلما أدركها من كتب عن الريف وعايشه.

الواقعية في أحلام الملائكة:

تثبت رواية أحلام الملائكة أن تيار الرواية الاجتماعية والواقعية قائم وبقوة، فالكاتب قد استغل قدرته العالية ومخزونه المعرفي البيئي ليرسم صورة فائقة الحساسية لواقع الحياة بالريف المصري في مرحلة زمنية من عمر الوطن، تحديداً بعد عام 1967 أي بعد اندلاع أحداث يوليو بأكثر 1952 بما يزيد عن عقد من الزمان والتي غابت علي إثرها شمس الملكية وشروق شمس الجمهورية وما تلا ذلك من آثار اجتماعية واقتصادية غير من نسيج المجتمع المصري لا شك في ذلك.
تمتد أحداث الرواية حتى حاضرنا الحالي وهو زمن الرواية، وتكشف الأحداث أن مشاكل الفلاح المصري ظلت كما هي، ومازال يعاني من الجهل والتجاهل والتخلف والمرض والفقر وهي أمراض كفيلة بهدم القيم والعادات والتقاليد وانحلال الأخلاق في المجتمع.

كما تكشف لنا الرواية صراع الإنسان مع الطبيعة ومحاولاته الحثيثة في ترويضها والتغلب عليها، وذلك بإزاحة اللثام عن النفس البشرية وانفعالاتها وتعريتها لتلقي هذه الأنفس ما في الأعماق من طباع وسمات وسلوك بشري سواء كانت هذه الطباع سلبية أو إيجابية.

ترصد "أحلام الملائكة" أيضا القيمة المبدعة التي تمتع بها الفلاح المصري علي مر العصور، وهي القدرة الفائقة علي تدوير الموجودات والمخلفات والاستفادة منها بأقصى درجة، وقدرته علي ترشيد الاستهلاك، وعدم الإسراف، حيث إن القرية المصرية بالماضي كانت تشتهر بأنها قرية منتجة للغذاء من لحوم بيضاء وحمراء وبيض، ومنتجات ألبان من سمن وجبن، وحتى العسل بنوعيه الأبيض والأسود، علاوة على كونها سلة غذاء المدينة، بيد أن الواقع المرير يؤكد أن القرية المصرية قد تحولت بفعل فاعل إلي قرية مستهلكة، ومن المؤسف أن أنشطة الجمعيات التعاونية الزراعية بالقرى والتي أُنشئت لخدمة الزراعة في المقام الأول تحولت إلى متجر لبيع السلع الاستهلاكية للفلاحين.

في لمحة ذكية وبصوت هادئ يتمكن الكاتب من خلال أداة السرد الروائي أن يقول أن من لا ينتج غذاءه؛ يخسر نفسه ويهزم وطنه ويهدم كيانه.

محاربة الفقر والجهل والمرض:

تؤكد الرواية علي ضرورة العلم ومدي أهميته، فالمعارف المتنوعة هي السلاح الذي يمكن أن نحارب به الجهل والتخلف والعادات والتقاليد البالية، وبالعلم أيضا يتم القضاء علي المرض، من خلال التوعية من ناحية، ومن ناحية أخري بإعداد الأطباء والكوادر المخلصة.

يجب أن تكون قوى الخير دائما مستعدة لأنها على شفا حرب مستمرة مع الشر، فأدوات المجرمين في نشر الفوضى والشائعات المغرضة متعددة ومتجددة، ومن خلال السرد داخل الرواية نجد أن الأطباء وبتخطيط من أصحاب المصالح- والتي يدعمها الطبيب "سمير"- أطلقوا الشائعات التي حرضت الأهالي علي حرق المستوصف الخيري، رغم أنه المركز الطبي الوحيد بالقرية الذي يعالجهم مجاناً، إلا أنهم ولجهلهم وتخلفهم استجابوا، ولم يستطيعوا أن يفرقوا بين الحقيقة والزيف، وأضروا بأنفسهم وبمن يخدمهم وانساقوا وراء من ينتفع من جهلهم.

التحذير من التغيير في سلوك الإنسان:

ترصد الرواية التغيير الحاصل في سلوك الإنسان ابن القرية الطيبة، فقد تغيرت أخلاقه وأصبحت الرشوة وسيلة من وسائل اكتساب الرزق الحرام، حدث ذلك بالتزامن مع تقلص المساحات الخضراء، لصالح الكتل الخرسانية، ولصالح جريمة الاعتداء علي الرقعة الزراعية والعشوائية في كل مكان، وانتشرت رائحة العطن في الحواري نتيجة عدم دخول الشمس البيوت، بسبب فوضى الارتفاعات غير المناسبة عند البناء ، كما رصدت الرواية وحذرت من خطورة تلوث مياه النهر على البشر في مصر بصفة عامة، فجريمة استخدام النيل وفروعه كمصرف للمجاري تعكس مدى التدهور في الوعي المجتمعي والإداري على حد سواء، فخطورة ذلك السلوك الأحمق جد خطيرة على صحة الإنسان والحيوان.

التأكيد علي روح الإيثار:

تقدم لنا الرواية صورتين من قيم الإيثار التي تفرد بها الإنسان المصري في الريف حيث اشتهر بجوده وكرمه-تلك السمة العامة الغالبة التى تجعل عطاء المصرى لا يتوقف رغم احتياجه وفقره. الصورة الأولي نرصدها في الإطار السردى في أول الرواية حين تكاتف الجميع لتغذية "غزلانة" التي أصابها الهزال في فترة الحمل جرّاء سوء التغذية، حتى تتعافي، وتغلبوا علي فقرهم وعوزهم بأن قام "نور" باصطياد اليمام وتقديمه لها عوضاً عن ندرة اللحم، ويستكمل باقي الفلاحين من جيرانها الملحمة في توفير غذائها المطلوب حتى تتعافي وتشفي.

الصورة الثانية التي تسجلها الرواية هى تكاتف أهل القرية مع الفلاح "شاكر" الذي نفقت جاموسة اليتيمة، والتي يتعيش منها فيحزن علي نفوقها، ولكن بالتكافل بين الطيبين وتعاضدهم يتوحدون بهدف شراء جاموسة أخري للعم "شاكر"، فمن يبيع بعض الغلال، ومن يبيع دجاجة يملكها، وهكذا حتى يكتمل ثمن الجاموسة ويدخلون بها عليه، فيدخل السرور علي قلبه مرة أخري.

التضامن في وقت الأزمات:

يحمل الفصل الأول نموذجًا من التضامن وقت الأزمات، وذلك عندما أصيبت "غزلانة" بعضة الثعبان، وتسممت وعند شعورها بالألم والوجع تستغيث "بنور" ابن "حافظ" والذى يجسد معاني الخير ويرمز له، فيبادر بسرعة لإنقاذها ولا يدخر جهدا، ويحملها علي حماره ومعه بعض الفلاحين متجهين لطبيب القرية بالوحدة الصحية، هذا الموقف بما يحمل من الشهامة والمروءة والنجدة من نور، وتحمله المسئولية رغم حداثة سنه لن تقابله "غزلانة" مستقبلاً إلا بالنكران.

اللغة والأسلوب في أحلام الملائكة:

معلوم أن اللغة هي الأعمدة الحاملة التي ينهض عليها العمل الفني، أو يمكن أن نقول هي القالب أو الوعاء اللفظي الذي يصب فيه المبدع جملة ما يجول في خاطره من أفكار ليجسد رؤيته الإبداعية الفنية في شكل متناسق.
واتفق النقاد إن لم يكن كلهم فأغلبهم على أنه من الضروري علي المبدع أن يدرك أهمية حديث الشخصية في الرواية بشكل يلائم فكرها وثقافتها ومستوي تعليمها، وبيئتها وسلوكها في الحياة، وبعيدا عن قضية الفصحى والعامية، فنحن نجد أشخاصا في قمة الهرم المعرفي والثقافي وتتحدث العامية. إذا أن القضية الضروية هي قضية المحاكاة الحقيقية، والقدرة علي نقل الشخصيات من الواقع إلي الورق، وهذا ما فعله بجدارة الكاتب في روايته "أحلام الملائكة"، فكل شخصية تتكلم بواقعية تنم عن طبيعتها، وتعكس مدي وحجم مدركات النفس لديها لا تنخفض.

حتى شخصية نور البطل المحورى بالرواية، وارتفاع اللغة عند نور بالنسبة لحداثة سنه مقبول، لإمكانية وجود النوابغ، ونفهم ذلك من خلال السياق السردى للعمل فهو الأسطورة حامل لواء الخير والعدل والحق والإنصاف والصلاح.
تنوع الشخصيات في أحلام الملائكة:

تتناول الرواية العديد من الصور الشخصية والمهنية، فنجد شخصية الفلاح وشخصية الطبيب، وشخصية المحامي، وشخصية الموظف بالجمعية الزراعية، والداية، والبقال، والصياد، وشخصية البلطجي.
ولكن نلاحظ من خلال الإطار السردي أن خطر الفعل الإجرامي علي المجتمع يكون أشد ضراوة إذا خطط له، وارتكبه المتعلمون، وطبقة المثقفين، فالشخص المتعلم يفترض أن يضئ الطريق لغيره من البشر ويكون داعياً للخير وهادياً للرشد، أما مكمن الخطر فهو قدرة المتعلم علي إخفاء الدليل، والوصول بالجريمة إلي درجة الكمال والتمام ، ولولا أن إرادة الله شاءت نصرة الحق لما اكتشف العديد من الجرائم ولذهب أبرياء ضحايا جرائم لم يرتكبوها. ومثال ذلك بالرواية الطبيب "سمير" ومعه أطباء القرية يشاركهم "أشرف زهدي المحامي" فإذا كان الجهل والفقر سبب تحول (غزلانه، صقر، شمروخ ، وأبوشنب) إلى الجريمة، فإن الجشع والغيرة كانا محرك "شاهين الوزان" نحو الغدر من أجل الاحتفاظ بكرسي العمودية، كانت جرائم كل هؤلاء تمثل تحالف قوي الشر ضد الخير.

التناص مع شخصيات التراث العربي:

وشخصية "نور" ذلك النابغة فيها تناص مع التاريخ العربي، ففي زمن الدولة الأموية دخل على "عمر بن عبد العزيز"- رضي الله عنه- في أول خلافته وفود المهنئين من كل جهة٬ فتقدم من وفد الحجازيين للكلام غلام صغير لم تبلغ سنه إحدى عشرة سنة.
فقال له عمر: ارجع أنت وليتقدم من هو أسن منك.
فقال الغلام: أيد الله أمير المؤمنين. المرء بأصغريه قلبه ولسانه٬ فإذا منح الله العبد لسانًا لافظاً، وقلبًا حافظًا، فقد استحق الكلام٬ ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق منك.
وهذا النابغة الذي قارع أمير المؤمنين، تكاد أن تقترب منه شخصية الفتى "نور" بطل الرواية.

جمال الأسلوب الأدبي:

وضوح الفكرة وصدقها والإيمان بها في ذهن الأديب "صلاح شعير" كان له أبلغ الأثر علي جودة الكتابة، فجاءت الكتابة متميزة من حيث الأسلوب، غاية في الدقة، والوضوح بعيدة عن الغموض والتراكيب المبهمة، حتى عندما استعمل الرمز كوسيلة فنية من تكنيكات الكتابة الروائية كان المراد والمبتغي من وراء الرمز مفهوم وهو ما يؤكد قدرة الكاتب علي الابتداع الروائي.

كما استخدم المحسنات البلاغية في محلها داخل الإطار السردي، ويظهر هذا بجلاء في القطع الوصفية فينتقل من التشبيه إلى الجناس والتضاد لم يسرف كثيرا في السجع، وهذا يحسب له، استعمل الإطناب في محله، فجاء خادماً للعمل الروائي ويمكن أن نعلل ذلك بأن الكاتب كان غرضه التوضيح، ومزيدا من البيان للفكرة التي يرغب التعبير عنها.

لم يرصد للكاتب في العمل ثمة مفردة أو لفظة غريبة علي سمع القارئ، بل نجد أن مفرداتها ومعانيها قد جاءت معبرة وواضحة، وكما سلف القول جاءت مفردات الرواية تعبر عن أغوار النفس البشرية.

ونكتفي بمثال علي استخدام التشبيه في صورة رائعة فيقول "يكتم العمدة عطوان المر غيظه والجنون يضرب رأسه عندما يري قوة التحمل لديهم فهذا "بشندى" يمشي علي الأرض الملتهبة بحرارة الشمس وقت الظهيرة حافي القدمين دون ألم أو معاناة، البشر في القرية قد توحدوا مع الطبيعة فمنهم من هو صديق للشمس، ومنهم من هو قاهر للبرد، ورغم أنهم مغموسون في الطين والتراب والشقاء؛ تري في عيونهم الأمل كأنهم وقعوا معاهدة سلام مع الحياة القاسية "

وفي صورة جميلة من صور المجاز يقول "لم تكن رائحة النشوة تسمح لغزلانة بأن تفكر في العواقب. لم تكن رائحة السمك التي تنبعث يومياً من منزل "محجوب" سوي وشاية بين شفاه النسوة حول شكوك تتأكد لدي البعض، والبعض الآخر يرفض الخوض فيها دون علم، الظنون والهمسات والاستعاذة بالله من شر مستتر قد يحل بالقرية ،هل ستكرر حادثة زوجة "الحداد"

وفي صورة أخري بيانية معبرة عن شدة الفقر، يقول: " كان البؤس قد تعاقد مع شرائح كثيرة داخل القرية، والعوز يضرب أكباد الجميع " فتصوير الكاتب بشكل مجازى للبؤس بأنه شخصية طاغية متغلبة تتعاقد بعقد من عقود الإذعان مع فقراء القرية تعكس أسلوب الكاتب وقدرته العالية علي التعبير السهل المشوق.

والمدقق في أدب الكاتب "صلاح شعير" يكتشف في كل فقرة صورة بيانية بلاغية جميلة تحملها إلي القارئ لغة شاعرية ولفظة سهلة عذبة.


لغة الحوار حسب ثقافة الشخصية:
تتغير اللغة في العمل الأدبي حسب تطور الشخصية، فجاء الحوار كله داخل العمل الروائي بالعامية المصرية، علي عكس لغة السرد التي جاءت بالفصحى السهلة، وبرز ذلك في شخصية "غزلانة" علي سبيل المثال فقد تحولت في الرواية من الطهر والعفاف والبراءة إلي مستنقع الوحل والانحلال الأخلاقي والجريمة.

نجد مثلا في حوارها بالفصل الأول مع "حمدية" يحمل السمات الشخصية لبنت الطاهرة، بما يعكس نفورها من مطاردة كل من "صقر" ذلك المجرم، و"الوزان" البقال المستغل عديم الضمير، الاثنان ينهشان جسدها بنظراتهما، ورغباتهما المحمومة في سباق محموح للفوز بجسدها " كما بالحوار التالي:

- غزلانه : (تخبط بيدها علي صدرها ) يالهوتي. هي ناقصة؛ مش كفاية "الوزان" البقال في الرايحه والجايه نازل بصبصه وخايفه أجيب سيرة لحد والبلد تولع والرجالة تقع في بعضها "

ويبدو ذلك أيضًا في الحوار الذي يدور بين "بشندى" ذلك "الخفير" مع زوجته "عناكب" و"محجوب" الحلاق، والطبيب "إبراهيم جاد" في أماكن متفرقة، هذا الحوار يعكس بوضوح شخصية "بشندي" الطيبة البليدة التي تكسوها قشرة رقيقة من العنف المكتسب من قسوة الحياة عندما يطلب "قلة الماء" من زوجته بعنف
– عناكب : (بعنف متبادل) خد القله.
بشندى : (يزمجر كالأسد) بالراحة يا بت.
عناكب : (تزوم بقرف ) اللي تعاشرك تعرف راحة عمال تزعق وصوتك جايب لآخر الدنيا القله يا بت ،مره واحده كفايه، خد القله أهي.

وفي مشهد يعكس بلادة "بشندى" يقوم "محجوب" عمداً بدفع فرشاة الحلاقة المغراة بالصابون في فم بشندى غيظاً إلا أن بشندى لم يحرك ساكنا ولم يعترض رغم سيطرة الخوف علي محجوب وخوفه من بطشه.
محجوب : غصب عني يا بشندى الفرشة اتزحلقت مني.
بشندى : ( علي غير عادته وبلا مبالاة ) ولا يهمك ، وتنفجر الضحكات من هذه المواقف.
وفي مشهد أخر يجمع "بشندى" مع الطبيب "إبراهيم جاد" عندما وقع الكشف علي زوجته عناكب وطمأنه عليها وأخبره أنها حامل وليست مريضة وأقسم "بشندى" علي تسمية مولوده المنتظر "نور" ، ويدور الحوار بينهما الذي يعكس سذاجة "بشندى" وطيبته التي تصل إلي حد البلاهة وبالتالي فهي تتحدث بهذه الطريقة.
الطبيب : وماله البلد بحالها عاوزه تسمي كل مولود علي اسم نور.
بشندي : (يزوم مستنكراً) وهو فيه أحسن ولا أرجل من "نور" ابن عمي "حافظ" (بسذاجة) ياكش تكون غيران منه علشان ح يبقي حكيم الوحدة الصحية مكانك.
الطبيب : ( يضحك مستبشراً) ساعتها أكون طلعت معاش ،المهم إياك تنسي الحلاوة... ألخ
نجد لغة الحوار الدائر بين نور ( البطل المحوري للرواية ) وبين العمدة "عطوان المر" تعكس شخصية كل منهما، وبالتالي يبدو طبيعياً أن تتحدث هذه الشخصية بهذه الطريقة.
والمشهد الذي يلقي الضوء علي كلا الشخصيتين- وما تحمله من أغوار نفس- العمدة تجاه "نور" ابن الأجير في أرضه الذي يتصرف بعزة وعفة نفس، ويرفض الدخول إلي السرايا مع "شوكت" ابن العمدة رغم إصرار "شوكت" ويفهم العمدة ذلك علي أنه كبر، وترفع من "نور"، وبعد دخول "نور" بإلحاح من صديقه يدور الحوار التالي:
نور: السلام عليكم .
العمدة : ( يرد متبرماً ) وعليكم ... إيه ياد يا بن "حافظ" مستكبر تخش سرايا العمده، خلاص عشان المحافظ دخل داركم ما حدش عاد مالي عينك ياكش كنت عاوز العمده يقوم يستقبلك.
نور : (بثقة وأدب ) العفو يا عمده المقامات محفوظة بس أنا كنت مستعجل عشان عندى حصة.
العمدة : (يزوم بغيظ) حصة؟ بيقولوا أنك عامل مجموعة تقوية لتلامذة الابتدائي ، وكمان عاوز تبقي دكتور.
نور : لازم أساعد ولاد بلدي وبعدين أنا و "شوكت" ح نبقي دكاترة بإذن الله .
العمدة : (تنفرج اساريره) طيب خد بالك منه، حاكم أنت نبيه شويتين عنه.
وعندما يحدث تطور لشخصية "غزلانة" وتنتقل من معسكر الخير إلى معسكر الشر، في الإطار الروائي تتغير لغة الحوار عندها، فنرصد هذا التغيير في الحوار الدائر بينها وبين "شاهين الوزان" الذي استولي علي منصب العمدية، وأصبح شغله الشاغل كيف يتخلص من "شوكت" الذي حلت فيه روح "نور" وحماسه للخير وحبه لأهل قريته، وتصميمه علي تخليصهم من الجهل والتخلف المرض والفقر.
غزلانه : (بغل) إيه يا عمده "شوكت" ما بيتهدش ليه.
شاهين : (بدهشة ) حاجه غريبه بعد حرق المستوصف والشكاوي لسه مصمم علي مشروعه.
غزلانه : وإحنا مصممين أكتر منه.
شاهين : رزق ابني قالي إنه ح ياخد إفراج بكره.
غزلانه : شوف يا عمدة حكاية البلاغات دى مش نافعة لازم أحرمه من الدنيا زى ما حرق قلبي وحرمني من عيالي.
شاهين : إزاي ؟
غزلانه : (بخسة) هي رصاصة.

من خلال النص الحوارى السابق وما سبقه أيضا من حوار وردت علي سبيل المثال لا الحصر يتضح أن جميع شخصيات الرواية تكلمت بلغة أعماقها ومستوى تفكيرها وبيئتها المحلية، وما طرأ عليها من تغيير في السمات الشخصية.

مضمون الفكرة والتناص مع الحضارة المصرية:

مرت أحداث الرواية بعدة أحداث جزئية كونت الإطار العام للفكرة، ورواية أحلام الملائكة تحمل في طياتها تجليات أسطورة "إيزيس وأوزوريس" (الاسطورة المصرية الفرعونية القديمة) التي جاءت أجزاء منها في متون الأهرام، ووردت بشكل أوسع في بردية "شيستربيتي" وهو المصدر الأكثر تفصيلاً، وتروي لنا الاسطورة كيف أن "ست" وهو الذي يمثل الشر والمعروف بشهوته الحيوانية وطيشه وجنونه وتصرفاته الوحشية، والذي ينكب علي اغتراف الخمر ليل نهار لا يكاد يفيق من سكرها، كيف دبر لقتل أخيه "أوزوريس" الذي يمثل جانب الخير والحب والعطاء وفرق أشلاءه في الأقاليم، ولكن "إيزيس" استطاعت جمع أشلاءه وحبلت بحورس الذي يقوي ويشتد وينتصر لقوي الخير ويحارب عمه "ست" انتقاماً لمقتل أبيه "أوزوريس" ومحاربة الشر، وهذا المعنى يتضح في الرواية بطريقة غير مباشر في الصراع الدائر بين الخير والشر.

كما أوضحت الرواية أهمية شجر التوت اقتصاديا وطبيًا، وكيف استخدم الفراعنة شجرة "الجميز" في صناعة "التوابيت"، وفي الطب الشعبي كان يتم التدواي بعصارتها، وأن المصريين كانوا مُسحلين بثقافة رصينة مفادها أن زراعة النباتات المثمرة على حافة الترع والطرق، وسيلة لتعظيم العائدين ومن ثم قام السابقون باستغلال الطاقات المتاحة بطرق رشيدة، علي عكس السائد حاليا حيث يتم تبديد الجهود في زراعات غير مثمرة، وعقيمة بالطرق، وبالمدن الجديدة، هذا التراجع يبدد الجهود.

الفقر والجهل بوابة الجريمة:

تتفق الرواية من حيث المضمون مع الإحصائيَّات العلميَّة التي تشير إلى أنَّ للفقر والبطالة آثارًا سيِّئة على الصحَّة النفسيَّة، وخاصَّة عند الأشخاص الذين يفتقدون الوازع الديني، ولذا اهتمَّ الباحثون بمشكلتي الفقر والبطالة، وحرصوا على علاجهما - قبل نشوئهما - بوسائل متعدِّدة حفاظًا على المجتمع من الأخطار التي قد تصيبه أخلاقيًّا وسلوكيًّا وعقائديًّا.

وحسب الرواية عندما أوجع الفقر أمعاء "غزلانة" اتجهت نحو السرقة، ويهاجم رأسها حلم الرفاهية وبسبب تقاعس زوجها "محجوب" عن القيام بدوره في تأمين مطالب الأسرة تلجأ "غزلانة" إلي سرقة ما يصطاده "صقر" من أسماك ليلاً رغم ما يتهددها من خطر، فهي تعلم أن حلم صقر أن ينال منها، ويرغب في نهش جسدها ويتحقق ما تخشاه "غزلانة"، عندما ضبطها "صقر" متلبسة بسرقة سمكه فتنهار، ومن خوفها تخضع لطلباته الدنيئة وتهوى في مستنقع الرذيلة بعد أن يطأها "صقر" في علاقة محرمة، يكتشف "نور" الأمر مصادفة أثناء مروره بهم حيث يجد "غزلانة" أسفل "صقر" لا يصدق نفسه، فيقرر الآثمان التخلص منه دفعاً للفضيحة ويأتي قتله في أقوي مشهد درامي بالرواية ويدور حوار باك ومناشدة من البطل "نور" "لغزلانة" يتوسل إليهم أن يتركوه ولن يتكلم بما شاهده من علاقة آثمة بينها وبين "صقر" و"شمروخ" و"أبوشنب" إلا أنهم قتلوه.

بسبب لامبالاة زوجها "محجوب"، ماتت البقية الباقية من فضيلة الحياء لدى "غزلانة" فكسر بداخلها حاجز الخوف من عقوبة القتل لمن تفرط في عرضها، وهو الجزاء التي نالته زوجة "عطوه الحداد"، وتحولت "غزلانة" إلي عاهرة بامتياز، لم يعد يهمها أن يطأها "الوزان البقال" أو ينهش جسدها آخر.

الصراع بين قوى الشر:

قوي الشر تأكل نفسها كما تأكل النار نفسها إن لم تجد ما تأكله، وتتطور الأحدث داخل الرواية ويشتبك "صقر" مع "شمروخ" بسبب رغبة الأول في السيطرة علي كل أسماك النهر، حتى لو أدي الأمر لقتله كما قتل "رشيد الفرماوى" من قبل، تحل عليهما لعنة الدم، وشؤم المعصية ويتقاتلان بضراوة، ويتبادلان إطلاق الأعيرة النارية علي بعضهما البعض، ويسقطان مدرجين صرعي في دمائهما في النهر، ويتم القبض على "أبو شنب" ثالثهما، وتبدأ معه النيابة التحقيق، فتخشي "غزلانة" من افتضاح أمرها، فتقرر إقناع زوجها بمغادرة القرية إلي القاهرة بحثاً عن الرزق ولأن "غزلانة" شخصية تقبلت فكرة إرتكاب الجريمة ولم تشعر بوخز الضمير ومازالت تشعر بفوران ذل الجسد البض الذي تملكه، ويشتعل قلبها بالثورة والحنق علي زوجها ذلك المحجوب عن الفهم، فلا يعي الزوج أحلام زوجته، فتكشف لنا أحداث الرواية لاحقًا وبسرعة عن اقتحام "غزلانة" عالم المخدرات بمساعدة زوجها الذي يتحول إلي رجل أعمال بأموال تجارة المخدرات الحرام.

شهوة الانتقام تحرق القرية:

تقرر "غزلانة" الانتقام من الجميع من العمدة "عطوان المر" وتخطط للاستيلاء علي السرايا، ذلك الحلم السابق الذي ظل يراودها طوال حياتها، بالعيش الرغيد داخل سرايا العمده بدلا من "عفت" زوجة العمدة، فتنسج خيوط فكرتها الشيطانية وتعد الخطة بمعونة "أشرف زهدى" المحامي، ويلتف علي العمده ويحاصره بالمواد المخ
درة حتى يدمنها ويبدأ بتبديد ثروته؛ ولتوفير الأموال لشراء المخدرات يبيع فدانا بعد فدان، وفي النهاية لا يجد العمده مفرا إلا بيع السرايا، وفي صباح يوم ما تفاجئ "غزلانة" أهل القرية بعودتها بشكل جديد وهيئة جديدة فقد أصبحت هانم.

التغيير بالصدمة:

يترتب علي قتل "نور" تطور في شخصية "شوكت" الذي يتلبس شخصية "نور" وتحل فيه روح المثابرة والجدية وحب الخير ورغبته في التفوق الدراسى ليحارب الفقر والجهل والتخلف وهزيمة الشر، أنه مصر علي استكمال حلم صديقه لقريته التي يعشقها بوصفها وطنه الصغير. ذلك التحول الجذري الذي طرأ علي شخصية "شوكت عطوان المر" صديق "نور" وخله، وحبيبه وتوأم روحه، والذي جاء موته ليصنع الأزمة المؤقتة "لشوكت"، ويدخله في حالة مرضية عضوية، ونفسية تجعله يهذي ولا يصدق موت صديقه قتلاً، لم يستوعب "شوكت" الأحداث إنما كان مستوعباً حلم نور جيداً، ذلك الحلم الذي طالما حدثه "نور" عنه بتفاصيله الدقيقة إنقاذ البسطاء من المرض، ويتحول "شوكت" من ذلك الفتي المدلل ابن العمده إلى ذلك الشاب المثابر المجتهد الذي يرغب في الحصول علي شهادة الطب، فيسافر إلي لندن، ويجتهد يستذكر دروسه، وينتقل من تفوق لتفوق، ويتعرف علي صديقة دراسته "كاترينا" ابنة "البرت" ذلك الرجل اللندني العنصري الذي يعارض فكرة زواجها من عربي مسلم، بعنصرية مقيتة يصارع الفتى "شوكت" الذي أصبح من ألمع جراحي الطب في لندن، وفي النهاية ينجح الفتى الحالم بالزواج من "كاترينا" وينجب منها "نور" و"نبيل"، يقرر الرجوع إلي وطنه لتحقيق حلم صديقه "نور" والوقوف بجانب أهالي القرية، فيكتشف ما حدث لوالده العمده فيقرر محاربة الشر الذي يتمثل في "غزلانة" ومن يساعدها ليخلص القرية من شرها.

الوسائل الفنية في السرد:

استخدم "صلاح شعير" تقنية التخييل السردى كحيلة فنية ليستكمل البناء الدرامي المطلوب ليصنع ديالوجاً بين "نور" و "شوكت" تارة وبين "نور" و"غزلانة" تارة أخري وبين "نور" والعمدة "عطوان المر". "فنور حافظ" هو الضمير القابع في وجدان كل شخص يبحث عن الخير وينشد الخلاص من الألم، وفي ذات الوقت هو السوط الذي يلهب ظهر كل من يصنع الشر لأهل القرية ويتسبب في بؤسهم وشقائهم. وكمثال هذا الديالوج بين "نور" و"شوكت" يلخص الرسالة الهادفة من الرواية:
- نور : خربوها.
- شوكت : ما عدش ممكن أحقق الحلم ، الحلم مات يا صاحبي.
- نور : اصنع أنت الحلم الجديد إياك تتراجع يا شوكت اللي بوظوا بلدنا عاوزينك تيأس.
- شوكت : هم مين دول؟
- نور : اللصوص الكذابون المزورون ... دورك يا شوكت تصنع الحلم اللي يناسب عصرك .
نلاحظ أن هذا الحوار يشمل أيضا استخدام الكاتب ببراعة فنية الرمز ليصل للقارئ بما يريد بصوت هادئ عميق دون خطاب عال صادح و ضجيج لا ينتج شيئاً.
استخدم الكاتب المونولوج الداخلي كوسيلة فنية آخري في المعالجة السردية للنص الروائي، وفي هذا الشأن يقول الجاحظ في "البيان والتبيين" "ما خرج من اللسان لا يتجاوز الآذان " وغاية أي كاتب أن يصل ما يكتبه للقلوب وتعيه العقول ،فلابد إذن أن يكتب من القلب.

الصورة الوصفية البارعة :

وتتمثل في الأمثلة الآتية : حين يصف مخاض "فوزية" زوجة "حافظ" الذي يتزامن مع مخاض "عفت" هانم زوجة العمدة "عطوان المر" ليجعلك تقف علي التفاوت الطبقي المر فعلاً، فيقول الكاتب: " كانت "فوزية" تعمل في حقل العمدة، وجاءها المخاض فجأة ،وفي لحظات قذفت بابنها "نور" إلي الحياة ليخرج من الرحم مباشرة مع آخر زفرة لتستقبله الأرض اليابسة القاحلة التي تشققت من العطش ..."
صورة آخري تكشف مدي حالة الفقر الذي يعيشها أهل القرية ومنهم "بشندي" الغفير: فيقول الكاتب: "يُفتح باب منزل "بشندي" فيسمع له صوت كأنه أنين رجل يحتضر فالشمس الحامية كادت أن تحرقه لتتناثر منه شظايا صغيرة تخترق راحة يد الطارق، ولولا سمكه لانهارت الألواح الخشبية لتذوب تحت الطرق". ويلاحظ أن الصورة السالفة الأخيرة تحمل صوتاً ملازماً للصورة وهو صوت صرير الباب مما يضفي عليها بياناً وإيضاح أكثر.
البكاء على رحيل البطل:

ويحدثنا صاحب الإنشاء "أبو العباس القلقشندى" في كتابه "صبح الأعشى" عن ضرورة اتساع خيال الأديب ليكون محيطا بفنون التعبير وأساليب الكلام لتطابق المشاعر في مختلف الأحوال من الفرح والحزن وغيرها فيقول عن الأديب: " حتى أنه يحتاج إلي معرفة ما تقوله النادبة من النساء في المآتم والجنازات ... وما تقوله الماشطة عند جلوة العروس ... وما يقوله المنادى في السوق علي سلعته ... فما ظنك بما فوق هذا وذاك" وكلام "القلقشندى" ينقلنا الي المشهد الدرامي العبقري المبكي الذي صوره بالألفاظ الأديب "صلاح شعير"، وبحساسية مفرطة (حين تندب "فوزية" ولدها "نور" المقتول ) فيقول الكاتب علي لسان الأم "فوزيه" وهي تخاطب ولدها وهو فوق النعش كي يُدفن: "نور يا ولدي أنا جبت لك العجلة عشان تروح بيها المدرسة قوم يا حبيبي عشان تشوف عجلتك، ما حدش هيركبها غيرك ، ح ترتاح من المشوار الطويل يا ولدي وح تروح المدرسة راكب. نور يا ولدي، نور يا ضناي، يا بن بطني، بص علي عجلتك أهي جبتهالك جديدة سامعني؟ يا ولدي أانزل من الخشبة؟ قولي يا ضناي مين ركبك النعش ده ؟ لسه بدري عليك. طيب أنزل وأنا أطلع مكانك. "

ومن تمام المعني وإدراك الفهم تناسب رد فعل "حافظ" والد "نور" وأخيه "سيد" مع المرحلة العمرية فنجد "حافظ" الذي شاخ فجأة من هول الصدمة ينعني ولده بكلمات تقطع نياط القلب بحكم سنه واستدباره للحياة، نجد الثورة وفوران الدم والحماس للثأر رد فعل طبيعي عند سيد حزناً علي أخيه.
ختام الرواية بلحظة التنوير:

تنتهي رواية أحلام الملائكة بقتل "شوكت" و"كاترينا" علي يد "عماد الأدهم"، بعد التحريض من قبل قوى الشر بالقرية، فتنفجر مشاعر الغضب لدي الأب "عطوان" وولدي "شوكت" "نور" و"نبيل"، و"حمدي سويلم" وغيرهم، ثم يسرد الكاتب مطلقاً العنان لكل شخصية تعبر عن نفسها في مناجاة منفردة، فمناجاة "حمدي سويلم" كمثال علي رثاء "شوكت" و"كاترينا":
- حمدي : " أه يا بلد مجروحة. يا بلد مقهورة. يا بلد مريضة ومنهوبه أه أه. مش ممكن حالنا يتغير أو بلدنا يتقدم وفيها عقارب بتبخ السم فينا..."

ثم تنتهي الرواية بأن تتحرك الجموع تحمل المشاعل، والسلاح للخلاص من العمدة اللص "شاهين الوزان" والبلطجي "عماد الأدهم" و"غزلانة" والطبيب المثقف الذي باع ضميره وخطط ودبر، هذه الطاقة الجبارة التي توحدت لتقضي علي الفساد تذكرنا بذات المشهد الذي صوره القدير "ثروت أباظه" في روايته "شيئ من الخوف"،

ومع قسوة النهاية بمقتل "شوكت" و"كاترينا" إلا أن السطور الحالمة للختام تبعث فينا الأمل ،فنجد جحافل الضوء تشق الظلام بالصدور، توضأت القلوب بالبصيرة، حلقت الأرواح فوق الأماني تبتغي الماء الزلال ؛ لتغسل ما ران علي الأفئدة بالنور... وهكذا يبعث فينا الكاتب الأمل رغم قسوة الواقع المرير.