كوابيس الشر تعترض أحلام الملائكة

صلاح شعير
2017 / 5 / 6

رؤية نقدية بقلم : نادية كيلاني

عن رواية - صلاح شعير- الصادرة عن دار الجندي بالقاهرة

وأحلام الملائكة ليست في منام فيتخلص منها فوراستيقاظه إذا كانت صادمة وليست أحلام يقظة فيشكلها كيفما يشاء، بل أحلام يناهضها الحسد وتقابلها قوى الشر... والقرية التي تدور بها الأحداث هي جزء من الوطن؛ الناس نفسها فيهم الخير وفيهم الشر، فيهم الحاسد والطامع ولكنهم وقت الشدة متعاونون في تكاتف، وفيهم البلطجي والفاسد وأيضا البين بين.

يبدأ كاتبنا الرواية بوصف لجميزة "العم حافظ" وهل لشجرة الجميز هذه دور في سيران الأحداث... نعم فهي التي تنثر فوق الفلاحين ظلا ظليلا وهواء عليلا وتغرد فوقها الطيور، الفقراء يتغذون على ثمارها، وهي التي تساعد "نور" بن العم حافظ على توفير ثمن كتاب "سلاح التلميذ" في المرحلة الابتدائية ببيع بعض ثمارها، تحتها يجلس "نور" في المرحلة الاعدادية والثانوية مستمتعا برؤية النيل وجريانه، ولثمار الجميزة فائدة أخرى يعرفها "نور" غير الأكل والبيع، فهو يداوي بثمارها جرح "غزلانة" جارته عندما قرصها ثعبان... ولم يكتف بذلك بل صعد الاشجار ليحصد اليمام اليافع من أجل "غزلانة" بناء عن طلب الطبيب حينما قال بأنها ضعيفة جدا ولابد من أكل اللحم... يدفع نور اليمامات لأمه فتقوم بطهيها وحشوها بالفريك.
و"نور" وهو اسم على مسمى حبيب الكل وعوض عن الابن لمن لم ينجب، وهو فأل حسن لمن ينجب فيسمي ابنه على اسمه، والكل يُهرع إليه في سد حاجياتهم خاصة في حال المرض، فـ"نور" على صغره خبير بالعلاج وقد استعان به بشندي ليعالج زوجته حين فقدت وعيها وحملتها النسوة إلى بيتها.


ويقابل كل هذا الأمان "صقر" البلطجي المشهور بالعنف والإجرام يطلق الرصاص على أي فرد في حال غضبه فهو "صقر" ينقض على فريسته، وهو يرعب الصيادين والفلاحين ويفكر في إقامة علاقة مع "غزلانة" فهو يريدها رغم أنها متزوجة وحامل.

أفهمنا الكاتب أن أربعة بيوت تقطن متجاورة في حارة "الخياط" وهم الشخصيات الرئيسة في العمل، وتدور حولهم الأحداث في الرواية.

بيت العم "حافظ" زوج "فوزية" أم "نور" ، وبيت "محجوب" زوج "غزلانة"، وبيت "التهامي" اخياط ، وبيت الداية أم "حمدية".

وقد رسم لنا الكاتب رسما جيدا لشخصية "نور" الفتى الطيب النابه راجح العقل المحب للطبيعة ولأهل قريته، يحلم حلما ملائكيا أن يصبح طبيبا يخدم بلدته، وله صديق طيب مثله هو "شوكت" ابن العمدة والذي رضع من "فوزية" أم "نور" فهو أيضا أخوه من الرضاعة.

و"غزلانة" الجميلة أيضا اسم على مسمى لها مطامع كبيرة في الحياة فهي ترى أن جمالها يستحق الغنى، بل يستحق بيت العمدة نفسه لأنها أجمل من زوجته، ولها صديقة تناصرها على الخير والشر هي "حمدية"
و"صقر" الصياد البلطجي القاتل المروع للجميع والذي يحصل على ما يريد ولو عنوة وله صديقان يعاونانه على الشر "شمروخ" و "أبو شنب".
من البداية نرى أن كفة الشر ترجح كفة الخير.. وهذا مصداقا لقوله تعالى: أكثرهم (فاسقون- يجهلون- معرضون- لا يعقلون- لا يسمعون) {وقليل من عبادي الشكور}

وتستمر الأحداث؛ فتسعى "غزلانة" لسرقة سمك الصيادين الأشرار وتطعم زوجها "محجوب" الذي لا يهمه سوى ملء معدته، فيأكل سعيدا دون أن يسأل عن مصدر السمك، بل يفخر أمام زبائنه وهو يفترش الأرض يحلق شعر الفلاحين بما أكل من سمك شهي، بل ويلح على زوجته في إحضار السمك، ويستمر الحال حتى توقعها السرقة في الزنا مع الأشرار الثلاثة.

"نور" الآن بالصف الثالث الثانوي يذهب ويعود مرتجلا مسافة 4 كيلومترات في ثلاث ساعات، رافضا مشاركة صديقه وشقيقه "شوكت" في ركوب "الكاريتة"، وكان "نور" قبل الذهاب وبعد العودة يساعد في حقل أبيه، وعليه وحده عبء تجهيز وجبتي الافطار والعشاء للجاموسة، وكان يلتهم العلم ليحقق حلم أهل القرية كلِها فيه، ولكن حظه العاثر ساقه ليرى "غزلانة" وهي تمارس الرزيلة فيتكاثرعليه الثلاثة الأشرار ومعهم "غزلانة" - ولم يشفع له عندها أنه عالجها وغذاها من قبل- فيذبحونه عند شجرة "الجميز".

استطاع الكاتب أن يجعلنا نحب شخصية "نور" المجتهد عزيز النفس فخر البلدة كلها ووالديه وجعلنا نحلم معه بمستقبل الخير والتطور، ورفع مستوى قريته، ولكنه صدمنا بقتله شر قتلة، حتى أنني توقفت عن تكملة القراءة عدة أيام حزنا عليه.
ولأن من قتل يقتل فقد حدث واختلف معسكر الشر وقتل بعضهم بعضا أما "غزلانه" فتهجر القرية لما افتضح أمرها لكنها تعود لتحقق أحلامها القديمة في شراء بيت العمدة ونصف بيوت تقريبا بأموال اكتسبتها من تجارة المخدرات... وهو مآل طبيعي بحسب ما عرفنا عنها من البداية من أطماع في سبيلها كل شيء حتى الشرف.

ولأن ربك بالمرصاد.. لقد ضاع في سبيل هذا ولداها في كمين حكومي.

وعندنا شخصية العمدة "عطوان المر" ولأن لكل إنسان 24 قراطا بالتساوي، فقد كان رغم غناه يحسد الفلاحين على صبرهم وكبح شهواتهم ليقتصدوا من طعامهم ما يبيعونه في السوق، وهو الذي لا تكاد حظائره تلبي احتياجاته... هو أيضا يحسد الرجال على فحولتهم، ويحسد النساء على أنهن يلدن بسهولة ويسر وهن يعملن في الحقل بينما امرأته تعثرت في ولادة ابنهما الوحيد "شوكت" ثم لم تستطع إرضاعه. ولأن الدنيا لا تظل على حال استطاعت "غزلانة" جر العمدة لتعاطي المخدرات حتى أدمنها ففقد صحته، وباع لها بيته وأرضه وسكن في بيت الخادمات.

ورغم أنه كان في الماضي يحسد "نور" على نباهته واجتهاده اللذان لم يجدهما في ابنه "شوكت"، وزاد حسده له أن المحافظ قام بزيارة مدرسة الإعدادية لتهنئة "نور" لفوزه بجائزة في حفظ القرآن، و"نور" أيضا يعمل مجموعة تقوية لتلاميذ الابتدائي، وكان العمدة يأنف من مصادقة ابنه له وملازمته الدائمة رغم أن "نور" يرفض أن يدخل سرايا العمدة، وإذا دخلها عنوة برجاء من "عفت" هانم زوجة العمة والتي تحب "نور" وتعتبره شقيق ابنها وهو كذلك بالفعل بحكم الرضاعة، فإذا دخل مجبرا لا يتناول أي فاكهة أو مشروب يقدم إليه... وكان هذا أيضا يوغر صدر العمدة، وبسبب هذا الحسد الذي لا يخفى أتهم العمدة في البداية أن له ضلعا في قتل "نور" لكن الأحداث برأته من التهمة.

لا نستطيع أن نغفل ملاك أخر كان يحلم مع "نور" في الصغر ثم أكمل الحلم بعد وفاة توأمه وهو "شوكت" ابن العمدة الذي حزن أكثر مني على "نور" فأخذته أمه إلى مكان بعيد ينسى فيه أحزانه ويكمل تعليمة، فصار بدافع من تحقيق أحلام "نور" من شاب غير مبال إلى شاب مجتهد.. وظل يجتهد ويجتهد حتى صار طبيبا أخذ الدكتوراه من بريطانيا وصار من أطبائها الأفذاذ وتزوج انجليزية أحبته وتحدت أهلها من أجله وأنجبت له ابنيه.

ثم حن للعودة إلى مسقط رأسه وفيها يصطدم بانقلاب حال كل من أبيه و"غزلانة" فاجتهد على تصحيح الأوضاع حتى نجح، ولكن الشر لا يهدأ جاءته رصاصة الغدر من يد آثمة دفعت لها "غزلانة" الأموال.
في الرواية نرى الشر يعلو ثم ينهزم، والخير يعلو ثم ينهزم، وهكذا الحياة مثاني... لنخرج من العمل بحكمة الحياة... لو دامت لغيرك ما وصلت إليك.

أسلوب الكاتب سلس يصل إلى الهدف دون تقعر ولا يخلو من عبارات جمالية تصل للغة الشعر خاصة في مشهد الموت الرومانتيكي بين شوكت وكاترينا ص170، كذلك دقة الوصف قد يصل لحد التجسيد فيجعلك ترى المكتوب رأي العين منها:
• فلوزة القطن الجافة أطرافها اليابسة المنحنية للخلف حادة كالدبوس. تخرج عناكب بقلة فخارية يكسوها ريم أخضر في نصفها الأسفل.
• رفع قلة الماء إلى فمه كأنه آلة شفط لا تسعفها الفتحات.
• توحدوا مع الطبيعة فمنهم من هو صديق للشمس ومنهم من هو قاهر للبرد.
• كأنهم وقعوا معاهدة سلام مع الحياة القاسية- لم يشعر قلبها الميت بنسيم الأمل المنعش وهو يداعب الكون الفسيح بنضارة الصبح الجديد.
• نسوة بجلاليب سوداء تتحركن كأنهن كتائب جيش يحارب الجوع بالعمل.