ما بعد الليبرالية...ما بعد الحداثة

الطيب عبد السلام
2017 / 5 / 6

********************************** *
"صار المكان هو الزمان"
مع ظهور النظرية النسبية تغير كل شئ و اصبح الزمن نفسه داخلا في الخليط الكوني و جزاء اصيلا منه و لأن الكون يكاد ان يكون لا متناهيا و ان المسافات فيه هي بالمثل لا متناهية احتاج العقل لقياسه باسرع المركبات الوجودية الممكنة فكانت سرعة الضوء هي المقياس لابتعاد الاجرام السماوية عنا فصرنا نصف بعد الاجرام و الاجسام عنا باقصى مقايس قياسنا اليوم.
ولد هذا الامر فكرة ان الزمن قابل للارتداد الى الخلف او الرحيل الى الغد كما هو معروف و مشهور.
هذا الامر انعكس مباشرة على العلوم الاجتماعية فظهرت مراكز و ابحاث دراسات المستقبل التي تحقق للبشري الطامح لارواء غريزة الخلود تحقق له منظورا افضل لما سيكون عليه مستقبل كده اليوم تماما كما يتصور المزارع الذي يشتل شجرة التفاح مستقبل ما شتله وفقا لدراساته و تنبوأته و هو قادر في هذا التمثيل البسيط و بصورة باكرة على تحقيق الانحراف المستقبلي لشجرته و تغيير مستقبلها القاتم عبر تصوره و تغذيته لشجرته بما يقيها اضرار الغد.
ذات الامر ينطبق على البايوتكنلوجي و الاستثمارات الطبية الكبرى في علوم الأجنة التي تهتم اساسا بمتابعة الجزء المنبثق الى الكل و تصحيحه باكرا عبر مقارنة الجزئيات الموجودة سلفا و التي نتجت عنها اعطاب ماضية.
أن العالم و منذ ان عرف ان المستقبل بات في المتناول باتت كل اعماله و مجهوداته منصبة في تقريب هذا المستقبل الى اللحظة الراهنة و ذلك نابع من دافع اعمق ولدته الرؤية العلمية الجديدة التي فهمت ان التطور يحدث للأمام و ليس الخلف و ان اي تغيير قادم سيحدث التغيير القاصم في نتائجها و ادواتها البحثية و انها تراكم نفسها للامام و ليس الخلف و أن نجاحاتها المرئية اليوم كان سببها الغزل المستمر و نقض ذلك الغزل.
بذات المنطق كان على السياسة أن تستقبل ضوء الشمس لحظة صدوره و ليس لحظة وصوله و بذا عليها السفر في الزمن لاستبصار ما هو ناتج و ليس التعامل مع النتائج.
من هذه الفلسفة النيرة نرى موجتنا الثالثة استقبالا للغد الذي حل و عمرت شمسه الارض دون ان نستيقظ من مشاعر الامس و همومه.
لقد حل علينا عصر الطاقات البئيية المتجددة و المشاريع الالية المؤتمته و تصير الكون برمته الى حالة برمجية محض و حلت البرامج مكان الأنسان في غالب الاحيان و لذلك ثماره الكبرى في اخراج يد العامل من الحقل الى المعمل و احلال الالات لتأدية الاعمال البشرية الهينة ليتفرغ البشري للاهم و للأكثر جدوى و ليدلف الى المصعد الاجتماعي.
أن التغيير العظيم قد حل و لكننا لا زلنا نصر على المكوث في الماضي و رفع يافطاته المهترئية من قضايا مطلبية و هموم تجاوزتها الحداثة بزهاء القرنيين من الزمان.
أن علينا التحرر من جوعنا اليوم و تصور لحظة الغد لأن لحظة الجوع تنتج افكارا دونكيخوتية اداتية لا تؤدي الى اي نتيجة فعالة او الى احل ابعد من حدود القدمين.
أن تصور وضعنا في اللحظة القادمة لا شك سيؤدي الى نتائج قاصمة دينميكية و اكثر رقيا و نقلا للفاهمة البشرية.
و لا يترأى للقارئ ان ما نقوله هو حالة من الرفاه او الترف بل هي نظرة ابعد لراهن الجوع و تفكيرا في الاسباب و سيرا في خطها لننتج رؤية كلية تعينه مطلقا على تحقيق الرفاه و ليس مجرد اشباع الجوع.
أن الامر هنا شبيه ببحث الجائع في محيطه الضيق عن الغذاء لكنه لو ارتفع اكثر لابصر محيطه جيدا و وعى الموارد المتاحة في القرب و تبصر مكانها بدلا عن اضاعة الطاقة و الجهد في الدوران في نفس المكان دون نتائج جدية.
بهذه الرؤية نبشر بالموجة الثالثة لننظف اسقف الاحزاب و المنظمات من خيوط عناكب القضايا المطلبية التي هي في اساسها "نتائج لاسباب أخرى" ليكون اشتغالها هو الفكر المستقبلي و البحث العلمي المتمكن من رؤية فلسفية و اخلاقية بينة متيحا اقصى امكانات المفارقة و التجريب و كسر المألوف حماية له من الوثوقية و الاداتية و الجمود.
أنه لا يمكننا العيش في القرن الواحد و العشرين بهموم القرن العشرين او هموم القرن السابع الميلادي!! لن نودع رحلاتنا الذاهبة الى المريخ بلافتات اوقفوا الختان الفرعوني.
لقد ادت الحداثة الى نتائج كارثية مخيمة فاصبح الاستهلاك هو شعار المرحلة و اصبح الجمال اثداء منتفخة و اصبح الطعام ماركات تجارية و اصبح الاعلام اقوالا نمطية و ادوات لانتاج شعوب بمستوى فكري معين فغاب العقل النقدي و حل مكانه العقل الاداتي و حل مكان الكهنة بروفيسورات في الميكنة.
و ضرب الفن في مقتل و امام حدة التنافس و ماكينات يانصيب صناعة النجوم و الكتاب توارى الابداع الحقيقي و غطته سحابة ادخنة العوادم.
اذا فلننتبه و لنعي أن عصر الحداثة قد ولى و أننا بحاجة قصوى لعمل نقدي حقيقي و جرد حساب عملي لهذه البثور التي تغطي مشروعنا النقدي اليوم و كأننا خرجنا من فخ القرون المظلمة لنسقط في حفرة وهم المعرفة.
من سيقدم النقد الناجع لمشروعنا ان لم نقدمه نحن؟؟ هل سيقدمه زومبي العمال الموتى في المصانع المهجورة؟؟ هل سيطعننا به من هم يرتهنون لعقيدة ماركسية دوغمائية غارقة في هموم القرن الماضي و عمال مصانع الكاكاو في نيكاراغوا؟؟ ام سيقدمه لنا بدو الصحارى الرحل الجهل الاحياء خارج التاريخ في غابات الامازون القصية حيث فاتهم قطار التطور و شلت ثقافتهم في قرن الاجداد و اصدقائهم الملائكة؟؟
نحن الاكفاء لتقديم هذا النقد الى مشروعنا البشري النقدي الذي مسه الانحراف كثيرا.
لقد هرمت الديموقراطية تماما و يلزمها الاصلاح الجذري.
لقد انتهى مفهوم الدولة الذي نفهمه و نحن اليوم في طريقنا الحثيث نحو الامركزية القصوى لا بل و الا سلطوية التي يظن الظانون انها الفوضى في حين انها ارقى ما سيدركه الفرد البشري من تطور سياسي و اجتماعي و قد طرقت ابوابنا ثقافة المستعمرات البشرية المعزولة حيث لا رقابة لدولة او وصاية لقوانين و بروتكولات معقدة و اذونات و جهات منظمة،و اصبح الفرد هو مبتداء الامر و مسك ختامه مستثيرين في الفرد اخفى ما يخفيه ليساير القطيع لأخراج اجمل ما فيه و يجعله منمازا عن الجمع لأن اللحظة اليوم لحظة النوع.
من هنا نبشر بالموجة الثالثة بيسار جديد، يسار ما بعد حداثي و بهموم حزبية نقدية منعطية مع الراهن لا مشغولة بحروب الماضي و همومه رأية للامر من شرفة غده لا من كبوة يومه.
مبشرين باستبصار اخضر للحياة و لاقتصادها،عارفين ان اثمن ما في الكوكب هو الفكر البشري المنتج المتمرد.
لا نقول ما قاله نيتشه : لم اولد لهذه الأذان و لكن نقول ما قاله عاطف خيري : جملة اولياء النحت الصابقين الحواس بي ركعة.
هذه هي موجتنا اليسارية الثالثة عين النقد و التمرد اليقظة الفاحصة.
**********
قبل قليل/14 يوليو.

الطيب عبد السلام