كتّب لراحلين خفت أموت دونها

سلام إبراهيم
2017 / 5 / 4

كتّب لراحلين خفت أموت دونها

في أزمتي الصحية الأخيرة، أوشكتُ حينما هبَّ عليَّ جسدي، الماكنة التي أتعبتها الأيام والتجارب العنيفة، فلازمتُ المستشفى مرات متكررة، في الأيام التي خف فيها الألم قليلا، تصفحت مكتبتي وأستتلت كتب لأصدقاء وكتاب ماتوا دون أن أقرأ الكتب التي بعثوها، فقررت إن تحسنت صحتي قليلا سأقرأها، فمن غير المعقول أموت أنا الآخر ويبقى الكتاب غريبا في مكتبتي وقد يلقى في القمامة في هذا البلد الغريب.وفعلا بلشت بمجموعة "حارس المهدي المنتظر" لحسين الموزاني الذي أهداني كتابة في زيارته لكوبنهاكن 2013 حيث أقمت له أمسية هنا، مكونة من أربع قصص متوسطة الطول هي على التوالي، 1- حارس المهدي المنتظر، 2- نهار في القاهرة، 3-أشياء صغيرة عن العرعر والوروار، 4-الجالوق، والقصص منوعة تتناول تجارب مختلفة الأولى عن مسؤول بعثي في زمن صدام في مدينة سامراء يعين حزبي زوجته جميلة كحارس في مكان غيبة المهدي المنتظر مخافة ظهوره، ليتسلل ليلا إلى زوجه الحارس محاولا مضاجعتها وهو من أقربائه، أما بقية القصص فهي تجارب حسية فيها تفاصيل وفي هذه التفاصيل يقوم "حسين الموزاني" بتأملها وأضفاء أبعاد فلسفية تتعلق بالوجود والمعنى باثاً فلسفته ووجهة نظره من خلال بنية السرد وتكوينة في الوصف والجملة وحركة الشخصيات ومفردات المكان.
أما رواية "محطة النهايات" للروائي الرحل "عارف علوان" الذي غادرنا قبل شهرين تقريباً في منفاه الأنكليزي، والتي مضى على وجودها في مكتبتي قرابة عشرين عاماً، فتتناول حياة اللآجئيين في إيطاليا، من خلال حياة عراقي يعمل في بيع البضائع وعلاقاته بمجموعة من العاملين فيلج بنا إلى أمكنة العمل العلاقات، النساء، علاقة العراقي بأثيوبية مطلقة ولديها أبناء، والعلاقة حسية جسدية، فيها تفاصيل حميمة، ومثل أي علاقة في المنفى غير مستقرة، وأفقها مغلق مفتوح، بالرغم من حاجتهما لبعضِ، لكن مسار حياتيهما يجعل من العلاقة حميمة قلقة، ضرورية، لكنها مهددة للأنفراط في أية لحظة، وهذا القلق الإنساني قدمه الكاتب، حياً منساباً قوياً بسردٍ لغته شفافة بسيطة تمكنت من رسم تعقد الحالة الإنسانية، وفي خضم هذا الأضطراب يتعلق العراقي بفتاة إيطالية كانت تسكن في بناية مقابلة وتراقب الشخصية كما تخبره برسائل تصل إلى بريده العادي، ثم يلتقيان ليجدها غريبة جدا إذا لا تمنحه إي فرصة للقاء جسدي، فدائما تفلت من الموقف، أو تكون باردة، ومن خلال تشابك هذي الأحداث في مناخ آسر محكم قوي تخلص الرواية والقارئ إلى أن عبث حياة المنفى أكيد، وضياعه لابّد منه، كما حياة كاتب الرواية الذي مات غريباً في مدينة غريبة وبصمت تام من مثقفي وطنه العراق الذي كتب عنه روايات ومسرحيات وقصص وبسبب مواقفه ترك العراق ليتغرب ويلهج به في نصوصه ووجوده.
أما الكتاب الثالث فهو لكاتب شاب حي "الحلو الهارب إلى مصيره" للعراقي "وحيد غانم"، تمتعت فيه إيما متعه وأعده إضافة مهمة للرواية العراقية الجديدة، ومع الأسف تجاهله الكتاب والنقاد والوسط الأدبي العراقي في داخل الوطن خصوصاً، ولدي وقفه خاصة مع هذا النص الكاشف.