اجتماعيات (الحشد الشعبي) بالعراق

محمد لفته محل
2017 / 5 / 4

الكتابة عن الحشد الشعبي ليست سارة ولا أمينة وسط حقل الغام، لانه يتطلب من الكاتب موقف مع او ضد، ليضعك في احد خنادق الصراع الطائفي الاسلامي السني الشيعي، فالسنة عامة ضد الحشد والشيعة عامة معه، وإذا كنت شيعيا ضد الحشد او سنيا مع الحشد، فانت مشكوك في طائفتك أو ولائك الطائفي، ولا يُقبل الحياد في الموضوع من الرأي العام العراقي او العربي المتخندق طائفياً، فهذا الحشد اكتسب قداسة شيعية ودناسة سنية،(1) والكلام عن الحشد بحرية ربما يهدد الكاتب بالتصفية الجسدية. فهل بعد هذه الاحباطات والمعوقات أمل بالكتابة خارج هذه الألغام؟ نعم يجب المحاولة وإن خابت افضل من السكوت.
بعد احتلال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) للموصل9/6/2014 ومن ثم احتلاله لثلاث محافظات عراقية بأيام معدودة وفرار الجيش النظامي منها وتهديد التنظيم لاحتلال بغداد، أصدرت المرجعية العليا في النجف فتوى من المرجع الديني (علي السيستاني) بعنوان (الجهاد الكفائي) بتاريخ 13/6/2014 الجمعة، تحث الناس طوعا على قتال داعش لمساندة الجيش، هب على أثرها اغلب فئات المجتمع الشيعي متطوعين في هذا الجيش المشابه للنفير العام، حتى تشكل وجود يسمى (الحشد الشعبي) وهو مجموعة مدنيين انخرطوا في فصائل مسلحة، بعضها مشكل قبل الفتوى، وبعضها تشكل بعد الفتوى جميعها بمسميات دينية تعمل كقوات قتالية إلى جانب الجيش النظامي، يغلب على هذه الفصائل الرموز الطائفية الشيعية (رايات حزبية او طائفية، شالات خضراء، عمائم وكوفيات سوداء، هتافات طائفية، مسميات طائفية، تربية ذقن) وأتباعه لا يخفون توجهاتهم الطائفية بتصريحاتهم "كدفاع عن المذهب او المقدسات" و "تلبية لنداء المرجعية" وبعضهم ذات مرجعية خارجية (علي خامئني في إيران مثلا) وقد أصبح من المسلمات لدى العالم الخارجي أن الحشد جيش طائفي شيعي. معظم السنة اعتبروه جيشا طائفيا ورفضوه بدعم تحرير الجيش فقط لمناطقهم، أما معظم الشيعة فقد ساندوه واعتبروه جيشا دينيا طائفيا. وأنا هنا اصف ولا أدين بكلمة طائفي لانها تعني شيعي فقط، السؤال لماذا ظهر هذا الجيش بالعراق بهذه الصيغة؟ كثير من العلمانيين ينتقد هذا الجيش الطائفي لأنه يضرب أساس الدولة المدنية، وأنا سأحاول أن اشرح الأسباب الاجتماعية التي أدت لظهور الحشد قبل الأسباب السياسية وفق نظرية المدرسة الفرنسية في الاجتماع.
قبل إثبات أن للحشد الشعبي أساس اجتماعي، لابد ان نفهم طبيعة هذا المجتمع حتى نعرف كيف انبثق الحشد منه، لان المجتمع العراقي حاضنة لهكذا ظواهر.
كل عراقي يُعرف نفسه بهوية طائفية (سني، شيعي) أو قومية (عربي، كردي) أو عشائرية (بني فلان أو آل فلان) أو دينية (مسلم، مسيحي، ايزيدي، صابئي)، والعراقيون حالما يتعارفون يسألون عن أصل الفرد العشائري أو المذهبي أو القومي (من ياعمام؟) أو (منين انتَ؟) أو (شنو أصلك؟) وهذا التقسيم اعترِف به سياسياً وتشكلت الأحزاب على أساسه. فالمجتمع العراقي مشكل من جماعات اجتماعية تاريخية ذات هوية طائفية، قومية، عشائرية، وذلك من خلال هوية الأفراد أو موقعهم الجغرافي (الجنوب للشيعة، الغرب للسنة، الشمال للأكراد) أو الاثنيات. يقول الدكتور (قيس النوري) أن البنية الاجتماعية العربية التقليدية قامت على أواصر القربى التي استمدت العشيرة منها وحدتها. وهو ما يدعى في الإناسة "عاطفة الجماعة" وهذه العاطفة تؤدي وظائف مهمة منها قوة الولاء والانتماء للقبيلة والعشيرة، والحرص على مصالحها وشرفها والتضحية من أجلها. ونتج عن هذا الاندماج بين الفرد والجماعة تبلور الذات الاجتماعية في صيغة ال"نحن" أكثر من جنوحها إلى "الأنا".(2) وهذا يسمى في مدرسة الاجتماع الفرنسية (المجتمع الآلي) النقيض للمجتمع العضوي. وكما يصف دوركهايم: التعاون الآلي لا يعني انه ينشأ عن وسائل آلية، إنما لما فيه من شبه مع الانسجام الذي يجمع عناصر الأجسام الجامدة، بعضها إلى بعض، على خلاف الانسجام الذي يضمن وحدة الأجسام الحية. والعلاقة التي تصل الفرد بالمجتمع، علاقة مباشرة شبيهة بتلك التي تصل الشيء بالشخص. والوجدان الفردي للفرد مجرد أداة في يد النموذج الجمعي، يتبع كل حركاته، والفرد في هذه المجتمعات ليس ملك نفسه، بل هو شيء يتصرف به المجتمع، والحقوق الشخصية لا تتميز عن الحقوق العينية.(3) وتقسيم العمل فيه ضعيف. والوجدانات متشابهة، والفرد متبنى اجتماعياً، منصهر هو وأقرانه في النموذج الاجتماعي نفسه، إذ ليس له شخصية خاصة به. وتشابه الوجدانات ينشئ قواعد خلقية تَفرِضُ على كل الناس تحت طائلة التدابير القامعة معتقدات وتقاليد متماثلة. وكلما ازداد التشابه اختلطت الحياة الاجتماعية بالحياة الدينية، واقتربت المؤسسات الاقتصادية من الشيوعية.(4) والدين يحيط بكل شيء لدى هذه المجتمعات البدائية؛ وكل ما هو اجتماعي كان دينياً. والكلمتان مترادفتان.(5) وكلما كانت الحياة الدينية قوية ومكثفة، كلما كانت الحاجة ماسة إلى كهنة لقيادتها والإشراف عليها. وكلما كان هناك عقائد وتعاليم لا يترك تأويلها للضمائر الفردية، كلما كان هناك حاجة إلى سلطات مختصة لتأويل معناها. ومن جهة أخرى فكلما كانت هذه السلطات كثيرة العدد، كلما أحاطت بالفرد، وكبحته، بنحو أقوى.(6) والتضامن الآلي مرتبط بالنموذج المقطعي (المقاطعات السكنية) لأنها تطوق الفرد عن كثب وتربطه بمحيطه العائلي.(7) وهذا التعاون الآلي، ينشأ عن وجوده عدد من حالات الوجدان مشتركة بين كل أفراد المجتمع الواحد. وهذا التعاون هو الذي يصوره قانون الجزاء مادياً. ويرتبط التعاون والاندماج الاجتماعي العام، بسعة الجانب الاجتماعي الذي يضمه الوجدان المشترك وينظمه. وكلما ازداد ما ينشئه هذا الوجدان من علاقات تصل الفرد بالرهط، وبالتالي نشوء الانسجام الاجتماعي عن هذا المصدر، وحمل طابعه.(8) من الطبيعي حينئذ أن يكون هذا الفرد أقل حماية حيال المقتضيات الجمعية، وأن المجتمع لن يتردد، لأقل سبب في أن يطلب منه أن يضع حداً لحياته التي تعتبرها شيئاً تافها لاقيمة له.(9) ففي سبيل غايات اجتماعية يفرض المجتمع هذه التضحية. وإذا ما قصر في أداء هذا الواجب فإن جزاءه الخزي والعار، وينال في أغلب الأحيان عقاباً دينياً(10). فإذا لم يفرضها الرأي العام، فهو يستحسنها (التضحية بالحياة)، فبما أن عدم الحرص على الحياة يعتبر فضيلة، فإن المديح والتشجيع يطرى لمن يضحي بحياته.(11) باسم الشهادة او الثأر او غسل العار مثلا. فالفرد العراقي ما هو إلا ورقة في شجرة عشيرته لا يعيش بدونها، لكنه جزء من الكل، المساس به مساس للكل، والعكس كذلك. والانتماء فيه للجماعة وراثي، بمعنى انتسابي وليس اكتسابي، بناءا على ذلك يكون للأصل مكانة شبه مقدسه، والفرد يكنى بأسم نسبه/أصله (فلان الربيعي، فلان الشمري الخ) حتى يكتسب الاحترام والتقدير. وللنواهي والعرف والتقاليد الجماعية حرمة من الانتهاك، ومن يخالفها يوصف (مو أبن أصول) ويتعرض للتوبيخ والنبذ وهو ما يسمى "الجزاء الاجتماعي"، ويُتهم بسوء تربيته أو بنجاسة أصله إذا كان أبيه سيئاً، أو يُتهم بنجاسة حليب أمه (حليبه مو طاهر) كما يقال بالعامية إذا كان أبوه صالحاً، لأن العرق دساس كما يقال. ومن يتمسك بالعرف يوصف (ابن اصول، ابن اجاويد). فالأصل هو المسؤول عن أخلاق أفراده الصالحة والطالحة. وترى الدكتورة (ثناء محمد صالح) أن بنية المجتمع الزراعية انعكست على بيئته الاجتماعية وأعطته سمته الاجتماعية المتمثلة في ذوبان النزعة الفردية وبروز مفهوم الجماعة.(12) وظلت الجماعة فاعلة في الموازنة السلوكية بين الفرد والمجتمع تتخذ طابعا دينيا. فالمجتمع العراقي اعتمد في بنائه الإجتماعي على وحدة تكوينية تمثلت في الجماعة الإجتماعية، التي استطاعت أن تستقطب وظائف الأسرة مضيفة إليها الممارسات الخاصة بالمحلة مع امتداد قبلي برز بشكل طرف أو محلة في بغداد وديرة في البصرة وزقاق في الموصل يقابلها نزل أو سلف أو آل أو بني في الريف. مثل هذه الوحدة تمارس ضبطا اجتماعيا غير رسمي جمع بين قوالب التنشئة الإجتماعية والموروث الروحي والشعبي.(13) وهذه الجماعة المتضامنة داخليا جعلها تتصلب تجاه أي تغيير خارجي عليها يأتي من المؤسسات الرسمية. فخلق تقاطع بين الزمن التغيري المؤسسي والزمن التطويري الإجتماعي حتى غدت إشكالية مجتمع/دولة.(14) أزمة تحول دون تكون أمة تحكم نفسها سياسيا بوئام. وفي المدرسة الفرنسية كل تضامن اجتماعي هو بنفس الوقت تضامن ديني، وكما يقول دوركهايم (إن من الثابت، فعلاً انه عندما يكون الاعتقاد القوي بعض الشيء، مشتركاً بين أفراد طائفة واحدة من الناس، فإنه لا بدّ وأن يّتخذ صفة دينية، وهو يحمل النفوس على احترامه، كما تحترم المعتقدات الدينية البحته.)(15) لهذا يدافع العراقي عن عشيرته كما يدافع عن طائفته، ومستعد للتضحية من اجلها، و(الأصل، والشرف، والعرض) يحاط بقداسة من التدنيس، ولا ننسى أن لكل عشيرة انتماء طائفي (سنة أو شيعة) ولا تشذ أي عشيرة عن هذه الانتماءات، فإذا تمذهب جزء من العشيرة بطائفة مختلفة، أصبح هذا الجزء مستقل بشيخ لها عن العشيرة الأم (كثير من العشائر منقسمة طائفيا). وحين انقسم الإسلام طائفيا بالعراق اتخذ الانقسام طابعا قبليا، حيث تم تكييف الطائفة وفق النموذج القبلي السائد تاريخياً، فأصبحت الطائفة كالقبيلة تجمع كل العشائر ذات الطائفة نفسها، يطلق اتباع الطائفة الواحدة على نفسهم (جماعتنا، ربعنا، احنا) أي كجماعة متضامنة، يسكنون جغرافيا معا، لهم أزيائهم وأعيادهم وطقوسهم، ولهم شيوخ دين خاصة بهم تميزهم كجماعة داخلية عن الجماعات الخارجية الأخرى. من هنا جرى تماهي بين العشائري والطائفي. والحقيقة أن كثير من كلماتنا الاجتماعية الدنيوية ذات مضمون ديني مثل (خطيئة) يقابلها بالعامية (خطيّه) التي تقال لكل شيء فيه إساءة على الآخرين، وكلمة (حرام) يقابلها بالعامية (حرامات/احترم/حرمة) التي تقال على كثير من القضايا الاجتماعية التي يرفضها المجتمع، وكلمة (نجس) يقابلها بالعامية (ﻨﮕس) التي تطلق على كل سيء أخلاقيا. وهذا ما يميز المجتمع الآلي إن كل قانون جزائي هو شيء ديني بدرجات متفاوتة، إذ إن روحه تتألف من شعور باحترام لقوة أعلى من الإنسان الفرد، أو لقدرة متعالية بمعنى ما، أَيَّاً كان الرمز الذي تتجلى من خلاله للضمائر، وهذا الشعور أيضاً أساس كل حياة دينية.(16) وبعض القوى الاجتماعية ذو مضمون ديني دون أن يقابله اعتراف من الدين الرسمي مثل (قسمة، ﻔﮕر، حوبة، بخت، يشاور، الثار)الخ وهذا يؤيد أنه كلما ساد التضامن الاجتماعي تولدت مشاعر دينية عن هذا التضامن، من هنا فإن ظهور الحشد الطائفي، نتيجة طبيعية لمجتمع آلي جماعاتي ذو تضامن ديني من العشيرة فالقبيلة ثم الطائفة، وكل الحروب التي خاضها العراق كانت بدوافع دينية، فحرب فلسطين كان اليهود العدو الديني للإسلام، ثم الحرب الإيرانية كانت بعنوان ديني تاريخي (القادسية) من حزب يدعي العلمانية، وحين أضيفت كلمة (مقدس) للحشد كانت مقبولة لدى الجمهور الشيعي لان الجيش من بيئة دينية ودوافعه دينية، لخطر ديني (داعش) يهدد بتدمير الرموز الشيعية (الاضرحة)، حتى وإن بدت (مقدس) ردا على النقد الخارجي للحشد. وكل الطوائف اندمجت بالحشد بهويات طائفية (الحشد العشائري سني، الحشد المسيحي، والحشد الأيزيدي) دينية لانهم من ذات البنية الاجتماعية. وحتى تسمية (الصحوة) التي أطلقت على الفصائل السنية التي قاتلت تنظيم القاعدة الذي تم تهويده/شيطنته، هي تسمية دينية لأنها التسمية التي أطلقت على الفترة التي نشطت بها الحركات والأحزاب الإسلامية كبديل عن فشل التيار القومي والتي سميت (الصحوة الإسلامية). وعند ظهور الجماعات المسلحة الدينية ضد النظام البعثي، وحين ظهرت جماعات مسلحة دينية حالما سقوط النظام، وحين رفعت هذه الفصائل لواء (الجهاد) على المحتل الذي وصف ب"اليهودي"(دين مقابل دين) وحين عاد البعثية لاصولهم الطائفية وعادت المناطق المتحضرة (اعظمية، كرادة، حي الجامعة الخ) لاصولها الطائفية بعد الاحتلال، كلها إفراز لهذا المجتمع الآلي الذي ينتج التضامن الديني، والذي لا يجمعه إلا المشاعر الدينية، ولهذا فإن كلمة (علمانية) تقابل بالرفض الشعبي أو التشكيك، وما لم نستطيع الاتفاق على عقد سياسي جامع لا يميز بين الهويات لن نستطيع الخروج من الانقسام الاجتماعي الذي يأخذ انقسامه مضامين دينية. لان حتى الأعداء يفهمون من خلال التفكير الديني، فينظر إليهم ك(شياطين) تكيد لنا المؤامرة والدسائس والفتن حتى وإن بدت لنا خيّرة. بالتالي تأخذ العداوة والحرب والقتل غطاء مقدس كما برهنت الحرب الأهلية الطائفية عام 2006 هذا التصور، اذ كان قتل الضحايا يرافقه هتافات (الله أكبر) وعصابات القتل تكني نفسها بأسماء ورموز دينية كونها "مجاهدين" والمقتولين "أعداء المذهب والإسلام" بل أن كل خصم يرجع عدوه لأصل "يهودي" العدو التاريخي للإسلام في المتخيل الاجتماعي الإسلامي. وجيش السلطة سمي (الحرس الوثني) تحريفا لتسمية (الحرس الوطني). فالحرب الطائفية كانت مقدسة بسبب طبيعة البناء الاجتماعي للمجتمع العراقي. وقبلها ُشيطنت الشيعة والوهابية والشيوعيون والداروينية وامريكا، كلهم اتهموا باليهودية. وأوّلت الحرب الأهلية/الأقليمية في سوريا من منظور الدين، على ان ما يحدث فيها، من (علامات الظهور/المهدي) وان الفصائل المسلحة ذات القاب أموية (جيش معاوية، جيش يزيد) وانها علامات الجيش السفياني، في اسقاط واضح لأسطورة المنقذ على الحاضر.
وبعض الرؤساء الذين حكموا العراق لم يستطيعوا أن يوفروا التضامن الشعبي حولهم إلا بالتضامن الديني، ف(صدام حسين) قرن بينه وبين (صلاح الدين) الرمز التاريخي للحروب الصلبية، وفي المحكمة اعطى صدام لشكله طابعاً دينياً بتربية ذقنه وحمله المصحف. و(نوري المالكي) قرن بينه وبين (المختار الثقفي)، وكلاهما رمزان تاريخيان طائفيان. وصدام قسم انصاره واعداءه دينيا (الفرس في مقابل العرب) والمالكي قسم انصاره واعداءه دينياً (اتباع الحسين في مقابل اتباع يزيد). والانتخابات تم التحشيد لها بفتوى دينية في بداياتها. وهذا من طبيعة المجتمعات ذات التضامن الآلي كما يقول دوركهايم: انه لقانون عام أن يكون للعضو البارز من كل مجتمع، شيء من طبيعة الكائن الجمعي الذي يمثّله، ذلك العضو. وعلى ذلك فحيث يكون للمجتمع هذه الصفة الدينية أو فوق البشرية، التي تصدر عن الوجدان المشترك، فإنها تنتقل بالضرورة إلى الرئيس الذي يقوم المجتمع، ويرتفع بهذه الصورة ارتفاعاً كبيراً فوق بقية الناس. وعلى ذلك فإن ما تقوم به هذه الشخصية من خدمات متعلقة بوظيفتها يبدو قليل الأهمية في ما تملكه من سلطة عجيبة، لان هذه السلطة إشعاع للوجدان المشترك، المتضخم جداً.(17)
إذن فلا لوم على الحشد الشعبي اللوم يقع على المجتمع، الذي يحتاج إلى تغيير في البنية الاجتماعية له، يبدأ من الاجتماع السياسي ثم المنظمات المدنية ثم الاحتكاك الحضاري التدريجي لينقله من مجتمع آلي إلى مجتمع عضوي.
__________
1_السنة والشيعة يسوّقون الحشد الشعبي على انه واحد، بينما (مقتدى الصدر) فرق بين (الحشد المنضبط) و(الحشد الغير منضبط) والمعروف ان الحشد مجموعة فصائل مسلحة بعضها متهم بجرائم قتل طائفي او اختطاف او تهجير او ابتزاز او استغلال نفوذ الخ وذو ولاء خارجي، وهي موجودة قبل ظهور فتوى الجهاد الكفائي. وبعضها تكون من المدنيين سواء الكسبه او الموظفين وليس لهم اي انتماء حزبي سابق، التحقوا بالحشد على اثر فتوى الجهاد الكفائي، ولا يمكن المساواة بين هذه الفصائل بسلة واحدة ابداً، واعتبارهم مضحين بحياتهم سواء. وقانون الحشد الذي شرعه البرلمان حقق مآرب "الموحدين" للحشد استباقا من حل المرجعية للفتوى بعد اندحار داعش، وبذلك تسحب البساط من تحت اقدامهم. علما ان المرجعية لم تسمي "الحشد" في كل خطبها يوم الجمعة واكتفت بتسمية "المقاتلين".
2_أ.د. قيس نعمة النوري، الثقافة والثروة الإنسانية، مدارك، مجلة فصلية تصدر عن مركز مدارك للبحوث والدراسات،13،14،2010، ص131.
3_إميل دركهايم، في تقسيم العَمَل الاجتماعي، ترجمة حافظ الجمالي، مجموعة الروائع الإنسانية_الأونسكو، السلسلة العربية، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع بيروت1982، ص151،152.
4_نفس المصدر، ص257، 258.
5_نفس المصدر، ص196.
6_إميل دوركايم، الانتحار، ترجمة: حسن عودة، الهيئة العامة السورية للكتاب، دراسات اجتماعية4، 2011، ص184.
7_إميل دركهايم، في تقسيم العَمَل الاجتماعي، مصدر سابق، ص342.
8_نفس المصدر، ص129.
9_إميل دوركايم، الانتحار، مصدر سابق، ص270.
10_نفس المصدر، ص268،269.
11_نفس المصدر، ص272.
12_ثناء محمد صالح عبد الرحيم، سوسيولوجيا تاريخ العراق المعاصر، بغداد عاصمة الثقافة العراقية، الطبعة الاولى:2013م، ص32.
13_نفس المصدر، ص33.
14_نفس المصدر، ص36.
15_إميل دركهايم، في تقسيم العَمَل الاجتماعي، مصدر سابق، ص196.
16_نفس المصدر، ص164. يستفيض دوركهايم في شرح هذه الصفة من نفس الكتاب (هناك في أعماق مفهوم التكفير، فكرة ترضية لقوة ما، أعلى منا، سواء أكانت واقعية أم خيالية. وعندما نطالب بقمع الجريمة، فما لأنفسنا نريد الانتقام، بل لشيء مقدس، نشعر بغموض كبير أو صغير أنه خارجيُّ عنا وفوقنا. ونحن إنما نتصور هذا الشيء بصور مختلفة، حسب الأزمنة والأمكنة، فقد يكون أحياناً، مجرد فكرة، كالأخلاق والواجب، كالأجداد، والآلهة. ولهذا السبب لم يكن قانون الجزاء في جوهره، دينياً في الأصل وحسب، بل انه مازال يحتفظ ببعض طابعه الديني، ذلك إن الأفعال التي يعاقَب عليها تبدو كعدوان على شيء متعالٍ، كائناً كان أم مفهوماً. ولا شكّ أن هذا التصور وهم خاطئ، إذ أننا ننتقم إنما لأنفسنا، إن المشاعر المجروحة توجد فينا وحدنا. ولكن هذا الوهم ضروري. إذ إنه لما كان لهذه المشاعر، من جرّاء أصلها الجمعي وشمولها واستمرارها في الزمان وشدّتها الذاتية، قوة فريدة، فإنها تنفصل جذرياً عن غيرها في وجداننا الذي لا يحتوي بعدها الاّ حالات أقل شأناً، فهي تستولي علينا، وكأن فيها شيئاً يفوق الإنسان، ولكنها في الوقت نفسه تصلنا بأشياء خارجية عن حياتنا الزمنية، وعلى ذلك تبدو وكأنها فينا صدى لقوة غريبة عنا، وأعلى من القوة التي نمثلها نحن، ولهذا فإننا ملزمون بأن نقذف بها خارج أنفسنا، أو أن نرجع كل ما يتّصل بها إلى شيء خارجي عنا. وإذن عندما ننتقم لها، فانَّما ننتقم للمجتمع لأَنفسنا؛ ومن ناحية أخرى، فإن المجتمع شيء أعلى من الفرد. فمن الخطاء إذن أن نؤاخذ هذه الصفة شبه الدينية للتكفير، فنجعل منها نوعاً من التكرار الطفيليّ، بل إنها على العكس عنصر صميمي من عناصر العقاب. لا ريب، إنها لاتعبّر عن طبيعته إلا بشكل رمزي، ولكن الرمز ليس شيئا مجرداً عن الحقيقة. (119،120).
17_نفس المصدر، ص208.