خيارات ما بعد الأزمة السورية

منذر خدام
2017 / 5 / 3


أسئلة كثيرة تطرح عند التفكير بمستقبل سورية، يتفق أصحابها جميعا على أن سورية في المستقبل لن تكون شبيهة ذاتها التي كانتها قبل عام 2011. حتى مناصرو النظام يشاركون المعارضات المختلفة، وكذلك الجهات الدولية المعنية بالأزمة السورية، والمتدخلة فيها، في الجواب عن هذا السؤال الرئيس، أي أن سورية لن تكون كما كانت لجهة شكل البناء السياسي لنظامها، لكن اغلب المعارضات السورية تذهب أبعد من ذلك لتصل إلى القول بأن التغيير سوف يطال بنية الدولة السورية والعلاقات بين أشكال الوجود الاجتماعي والسياسي للمواطنين السوريين. فبعض فئات المعارضة مثل الإخوان المسلمين مدعومة من بعض الدول الإقليمية والعربية مثل تركيا وقطر كانت ترغب منذ البداية بإسقاط النظام السوري لصالح قيام نظام إسلامي يغير من الوجهة السياسية لسورية التي سلكتها خلال العقود الماضية ليس فقط لجهة تحالفاتها الإقليمية والدولية بل السياسية أيضا تجاه إسرائيل والعراق وقضايا المنطقة المختلفة دون أن يطال ذلك بنية الدولة والعلاقات بين مختلف أشكال الوجود الاجتماعي والسياسي للمواطنين السوريين. لقي هذا التوجه بعض الدعم من قبل أمريكا في عهد إدارة أوباما، وبعض الدول الغربية مثل فرنسا وبريطانيا. هذا الخيار لم يكن مرغوبا به من مختلف فئات الشعب السوري، ومن أغلب فئات المعارضة، وكذلك من قبل كثير من الدول سواء الداعمة للنظام، أو تلك الداعمة للمعارضة مثل السعودية والإمارات العربية. لقد سقط هذا الخيار اليوم ميدانيا، من جهة لكون القوى التي صارت الحامل السياسي له ذات طبيعة إرهابية أو متطرفة، ومن جهة ثانية نتيجة لصمود النظام ميدانيا في مواجهته. لقد شكل هذا الخيار السياسي كارثة على سورية وشعبها استغلته كثير من الدول الداعمة للمعارضة لتدمير سورية وتمزيق نسيجها الاجتماعي، كما استفاد منه النظام أيضا لتقديم نفسه كقوة محاربة للإرهاب. ورغم فشل هذا الخيار ميدانيا فلا يزال يتم العمل عليه سياسيا من خلال منصة الرياض والدول الداعمة لها وتحديدا تركيا وقطر والسعودية، عبر مسار جنيف التفاوضي بغلاف من الشعاراتية الوطنية والمدنية. تركز منصة الرياض على تشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة بحسب ما نص عليه بيان جنيف1، لا يكون للأسد والكثيرين من أفراد طاقم حكمه أي دور فيها من وجهة نظرها. ومع أن هذا المطلب غير واقعي سياسيا، فهو خاطئ ميدانيا، ليس فقط لأنه يركز على إسقاط رئيس النظام تلبية لأجندات خارجية بالدرجة الأولى، بل لأن هيئة الحكم الانتقالي التي يركز عليها في المفاوضات يحكمها مبدأ " الرضا المتبادل" وفق ما جاء في بيان جنيف 1، وفي جميع المرجعيات القانونية الدولية ذات الصلة. هذا يعني ببساطة انه لا يمكن تشكيل هكذا هيئة حكم بدون موافقة النظام ذاته عليها ومشاركته فيها.
الخيار الثاني الذي قدمته الأزمة السورية، والذي لا يزال مطروحا، هو الخيار الذي تبناه النظام طيلة فترة الأزمة مع إدخال بعض التعديلات غير الجوهرية عليه، وهو خيار ترفضه قطاعات واسعة من الشعب السوري، عداك عن جميع المعارضات السورية حتى تلك التي تحسب نفسها قريبة من النظام تحت عنوان وقوفها إلى جانب الجيش السوري. لقد شكل هذا الخيار كارثة على سورية وشعبها من خلال تشريعه الأبواب أمام العنف، ودفعه للحراك الشعبي السلمي للدخول فيها، فحصل أن دخلت معه قوى وجهات دولية عديدة كانت تخطط لتدمير سورية وتمزيق وحدة شعبها، كما صار ذلك واضحا، وقد نجحت في مسعاها هذا إلى درجة كبيرة. لقد ابتلي السوريون بنظام أمني شديد المحافظة، فهو من جهة قد بني بطريقة لا يقبل معها الإصلاح نتيجة لقضائه على الحدود الفاصلة بين الدولة والسلطة، فصارت الدولة والسلطة تشتركان في فضاء تكويني واحد اللاحم بينهما هو القوة من جهة، والفساد وإنعاش البنى الأهلية وتجفيف المجتمع من السياسة من جهة ثانية. الغريب في الأمر وهو أنه رغم الدمار الهائل الذي حصل لسورية وشعبها بسبب خيار النظام المشار إليه، فهو لا يزال يعمل عليه كحل لإعادة سورية إلى ما كانت عليه مع إدخال بعض التعديلات غير الجوهرية، مستفيدا من دعم بعض حلفائه له مثل إيران.لا يزال النظام يراهن على الحسم العسكري لتمكينه مرة ثانية من التحكم بصوغ مستقبل سورية، وهو بذلك يلتقي موضوعيا مع خيار الإخوان المسلمين وحلفائهم على الأرض من قوى إرهابية ومتطرفة، ومن بعض الدول العربية والإقليمية .
كلا الخيارين السابقين ساهما في القضاء على خيار ثالث كان مرغوبا جدا من قبل قطاعات واسعة من الشعب السوري، وهو الخيار الذي كان يستبطنه الحراك الشعبي السلمي. لو أتيحت الفرصة للحراك الشعبي السلمي الذي أخذ منذ البداية طابعا وطنيا على صعيد راياته وشعاراته لنجح في تشكيل منابر تعبر عنه في كل بلدة ومدينة ولشكل طاحونة صهر لجميع فئات الشعب السوري على أساس وطني جامع. لكن كلمة " لو" التي تفتح فرص وخيارات مستقبلية لا قيمة لها في الماضي، إلا كأداة تحليل في البحث التاريخي ، لأن الماضي له دائما خيار وحيد هو الذي صار تاريخا. أكثر ما كان يخيف النظام والإخوان المسلمين وكثير من الأطراف الدولية هو استمرار الحراك الشعبي سلميا، لذلك جرى التخطيط والعمل بعناية فائقة للقضاء عليه وقد نجحوا للأسف. النظام من جهته ساهم بدفع الحراك نحو العنف من خلال الإفراط في قمعه، ولم يتأخر الإخوان والجهاديون على تنوعهم واختلافهم، وحلفائهم الدوليين عن الاستجابة لاستراتيجة النظام، أو لتنفيذ استراتيجيهم الخاصة، بدفع الحراك نحو العسكرة. بهذا الشكل تحولت ممكنات الثورة في الحراك الشعبي السلمي خلال أقل من ستة أشهر من بدئه إلى ثورة مضادة بالفعل من خلال العسكرة والتطيف.
لقد انتقلت اليوم جميع الممكنات السياسية للحراك الشعبي السلمي من الساحات والميادين إلى ساحة البحث عن حل سياسي لإنهاء الأزمة السورية عبر المفاوضات، لكن القوى السياسية السورية التي تتبنى هذا الخيار فعليا غير فاعلة بسبب من طبيعتها التكوينية في ظل الاستبداد هذا من جهة، وبسبب استمرار مجابهة المتطرفين -النظام ومنصة الرياض- لها. في ضوء هذا الواقع يراهن كثيرون على دور القوى الدولية وخصوصا روسا وأمريكا في صوغ مستقبل النظام السياسي السوري، بل والدولة السورية. من المسلم به اليوم أن القضية السورية صار يهيمن عليها الخارج، وان القوى السورية المحلية مجرد أدوات، وأن القوى الفاعلة في هذا الخارج أعني روسيا وأمريكا يتفقان على أن الاستبداد لم يعد له مستقبل في سورية، وأن البديل هو نظام ديمقراطي تعددي لا مركزي يجري العمل على بلورته عبر مساري جنيف واستانا. في سياق العمل على بلورة هذا الخيار السياسي ينبغي على قوى المعارضة الديمقراطية أن تقدم مساهماتها من خلال طرح أفكار عملية قابلة للتطبيق.كثير من هذه الأفكار تضمنتها القرارات الدولية المتعلقة بالأزمة السورية، كما تضمنتها الوثائق السياسية للمعارضة الوطنية الديمقراطية، وأخيرا حاول ديمستورا في ورقته " اللاورقة "، أن يعرض بعضا من مبادئها الرئيسة. ونظرا لمساهماتي الرئيسة في إعداد أغلب وثائق هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي عندما كنت عضوا في مكتبها التنفيذي، وكذلك وثائق مؤتمر القاهرة الثاني، وإعدادي كذلك لإستراتيجية وتكتيك التفاوض السياسي، والإستراتيجية الإعلامية المصاحبة له، التي تخلت عنها جميعها هيئة التنسيق لاحقا بعد اندماجها في منصة الرياض، بودي أن أعرض بعض أهم مبادئ الحل السياسي الممكن والمحتمل التي قامت عليها رؤيتي المبثوثة في تلك الوثائق.
أ‌- المحافظة على وحدة سورية أرضا وشعبا
ب‌- النظام الاستبدادي ينتمي إلى الماضي ولا بديل عن نظام ديمقراطي برلماني تعددي لا مركزي.
ت‌- أي حل سياسي ينبغي أن يبدأ بإعداد دستور جديد لسورية.
ث‌- ممثلو النظام شركاء في الحل السياسي الممكن والمحتمل.
ج‌- لا يمكن إسقاط النظام مع المحافظة على الدولة ومؤسساتها إلا عبر صندوق الاقتراع.
ح‌- ينبغي إعادة بناء الدولة ومؤسساتها في ضوء مبادئ الحوكمة.
خ‌- لامركزية الدولة مبدأ رئيس من مبادئ الحوكمة في ظروف سورية تلح عليها اليوم الآثار الكارثية للأزمة على جميع السوريين.
د‌- إن إعادة بناء الجيش والمؤسسات الأمنية المختلفة جزء أساسي من تطبيق مبادئ الحوكمة، عداك عن أنها ضرورة لبناء النظام الديمقراطي المنشود.
ذ‌- الفدرالية على أساس عرقي أو طائفي أو جهوي خيار غير واقعي بصورة عامة.
ر‌- إن الحقوق القومية لجميع السوريين هي حقوق غير قابلة للتصرف، ينبغي النص صراحة عليها في الدستور الوطني، وتحديد كيفية ممارستها.
ز‌- اللامركزية الإدارية على أساس التقسيمات الإدارية القائمة، أو التي يمكن أن تقوم مستقبلا، هي الشكل الأنسب لتطبيق مبادئ الحوكمة، بحيث يكون لكل محافظة مجلس تشريعي محلي منتخب وحكومة وحاكم منتخب، يحدد الدستور الوطني مجال صلاحياتها وولايتها.
س‌- تحتفظ السلطة المركزية بما له علاقة بسيادة الدولة، مثل الخارجية والدفاع والمالية وغيرها، يحددها الدستور.
ش‌- سورية في المستقبل ينبغي أن تكون خارج سياسات المحاور، وان تبني علاقاتها مع جميع الأطراف الدولية في ضوء مصلحة سورية أولاً.
س-إن إعادة بناء سورية يتطلب إجماعا وطنيا، وهذا لن يتحقق إلا بتحقيق مبدأ العدالة الانتقالية، مع تغليب مبدأ المسامحة في ضوء المصلحة الوطنية العليا وسرعة تعافي سورية والمجتمع السوري من الآثار الكارثية التي تركتها الأزمة في جميع مناحي الحياة في سورية.