الأول من آيار: نشيد الأمل، ونشيد الموت!

شاكر الناصري
2017 / 4 / 30

مثل كل المناسبات التي تحتفل بها البشرية، المناسبات التي تذكر الجميع بامكانية العيش في عالم أفضل، خال من الاستعباد والظلم... يواجه الأول من آيار، عيد العمال العالمي، حملة شرسة لتحجيم الأبعاد السياسية والاجتماعية والطبقية التي يمثلها، وسحبه، بالتالي، إلى حلقة ضيقة تتمحور حول قضايا لاتمت للعمال، ولا للصراع الطبقي، صراع الطبقة العاملة ضد الرأسمال، بصلة. الدين، الطائفة، الإرهاب، الحروب، المصلحة الوطنية، دعم المنتوج الوطني.....الخ.

الأول من آيار، هو عيد الطبقة العاملة التي يتم التشكيك بوجودها، وبأحقيتها، وأهميتها، فأوركسترا الليبرالية الجديدة، أو الليبرالية اليمينية المتطرفة تعزف ومنذ سنوات نشيد موت العمال وطبقتهم، وتبشر بعالم تسوده الرأسمالية ورفاهيتها الباذخة ونعيم الديمقراطية والفرص المتساوية للجميع، حتى لو تحتم على العالم الغرق في أتون الحروب والصراعات العرقية وموت الملايين، وتشريد ملايين أخرى، من أجل نشر الديمقراطية، وكبح جماح الدكتاتوريات، وتشجيع تشتت وإنقسام الدول، وبعثرت المجتمعات وفق أصول وإنتماءات قومية، أو دينية وطائفية... انها، ودون أدنى شك، جنة الرأسمالية الموعودة!

لا مصلحة للعمال، في العراق، وفي كل مكان في العالم، في كل هذه الأناشيد البائسة. مصلحتهم في لجم جماح الحروب وشره الرأسمال للمتاجرة بأرواح الناس وبالموت والقذائف والدبابات، والنفط، وتفريخ الجماعات الإرهابية، والقوى اليمينية العنصرية التي يحذوها الأمل بإستعادة بريق نازية هتلر وفاشية موسوليني، لأنها تفرض المزيد من البؤس والخراب والتشرد على العمال وعلى الفئات المحرومة في المجتمع. الهجرة المليونية إلى أوربا منذ أواسط 2015 وحتى الآن، خير دليل على حجم التدمير الذي مارسته الدول الرأسمالية الكبرى على العديد من الدول والسعي الحثيث لمحوها من الخريطة، سوريا، العراق..على سبيل المثال!

النظام السياسي لداعش، أو للمليشيات في العراق، و لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران، أو لبوكو حرام، و السعودية، وموزمبيق، نيكاراغوا، أو هاييتي...الخ ، لايختلف قيد أنملة عن النظام السياسي لأي دولة في أوربا، أو في غيرها من قارات العالم. قد يختلف معه في التفاصيل وطريقة الأداء، وفي النفحة الإنسانية المتحضرة التي تسلب لب العقول، لكنه في خاتمة المطاف نظام واحد. الأصل هو الحفاظ على مصالح الرأسمال، والشركات الكبرى والبنوك وفرض الضرائب على الرعايا، أو من يخضعون لسلطة هذا الكيان، أو تلك الدولة، بالقسر والإكراه وإشاعة الذعر من التشدد الديني!

اخذت الراسمالية، على عاتقها، ابتكار الاساليب التي تساهم في تشتيت الطبقة العاملة، الحروب، الهجرة، تنامي البطالة وتسريح الملايين من العمال، في أوربا، والعالم الغربي عموماً، بسبب انتقال الشركات للعمل في البلدان الفقيرة التي تخضع لسطوة قوانين التجارة العالمية، حيث رخص الأيدي العاملة وتخلف بيئات العمل، بل ولا إنسانيتها، كما هو الحال مع عمالة الأطفال في الصين وبنغلادش وباكستان..الخ، وفي إيجاد تشريعات تبقي الملايين يعيشون في حدود الكفاف، واستغلال ما تبقى من هيكلية الدولة وهيبتها المزعومة، الضمانات الاجتماعية والصحية التي تحولت إلى ورقة استعباد بيد السلطات الحاكمة ضد رعاياها الذين يعجزون عن تدبير أمور حياتهم دون الخضوع التام للدولة ومؤسساتها البيروقراطية.. لكنها، أي الرأسمالية، لم تنجح في أطفاء جذوة الثورة، وتحول العمال إلى قوة أصيلة وحاسمة في الصراعات السياسية والاجتماعية، أو في دفن الماركسية كراية نظرية وفكرية تذكر هذا العالم، بأزماته وامكانية سقوطه!

تحول الطبقة العاملة إلى قوة وبزوغها مجدداً، كحركة اجتماعية وطبقية، تمتلك البديل السياسي والاجتماعي القادر على مواجهة السلطة البرجوازية ومطامح الرأسمال وشركاته الكبرى، ليست أمنية نكررها في الأول من آيار من كل عام، بل هي وقائع وحقائق بحاجة للعمل الجاد والمضني، تنظيمياً، طبقياً، واجتماعياً. فالمواجهة الحقيقية بين الطبقة العاملة وعموم الفئات المحرومة والمفقرة والمعطلة عن العمل، من جهة، وبين الرأسمالية، سلطات، شركات، بنوك، أحزاب، ومجاميع إرهابية ومليشيات..الخ، هي مواجهة سياسية وطبقية حاسمة، ولايجب أن يتم تمييعها بوعود الاصلاح والحوار المجتمعي ورحمة السلطات التشريعية.

كل آيار، والطبقة العاملة في العراق، والعالم تقاوم الاستغلال والاستلاب، وتستعيد الأمل بغد حر ومرفه.