أهزوجةٌ شعبية توقد نارا عشائرية

حامد كعيد الجبوري
2017 / 4 / 30

الحلة يقسمها شطها الفرات لنصفين فترقد مطمئنة على ضفتيها ، وهناك الكثير من القرى تقع على ضفتي شط الحلة ، وأجمل القرى هي القرى الجنوبية التي ترتبط بمركز المدينة بطريق ساحر يسمى ( السياحي ) ينتهي عند قضاء ( المدحتيه ) مسقط رأس الشاعر الراحل ( كاظم الرويعي ) ، خمسينيات وستينيات القرن الماضي لم تكن الطرق سالكة ومعبدة لهذه القرى ، عام 1970 أمر رئيس الجمهورية الأسبق ( أحمد حسن البكر ) تعبيد الطريق السياحي بالقار لأنه كان يذهب كل أسبوع تقريبا لزيارة مرقد الأمام (( الحمزة ( ع )) لائذا وشاكيا من مرض ألم به ، وتقع على طرفي الشارع السياحي أجمل القرى السياحية ، ولم لا وهي تتكئ على شط الفرات ، ومن هذه القرى وأكبرها ( قرية الحصين ) ، واشتهرت هذه القرية بإنتاج أفضل وأجود أنواع الأعناب العراقية والتمر ، وسبب شهرتها هذه فلاح فطري أطبقت سمعته الأفاق وعرف من قبل وزراء ومدراء دوائر الزراعة العراقية المتعاقبون ، أنه شهيد انتفاضة آذار الخالدة ( الشعبانية ) السيد ( ضايع كريم عباس آل أمجدي الموسوي الحسيني ) ، كان الرجل من وجهاء الحلة ووجيه قرية ( الحصين ) والمتنفذ فيها ، لم تكن خمسينات وستينات القرن الماضي تهتم بلعب الأطفال كالاهتمام بها أيامنا هذه ، وكانت لعب الأطفال عبارة عن ( المرصع والدعبل والكزوة والكلكلي والجعاب ) ، وحتى كرة القدم لم تكن ميسورة آنذاك إلا لأبناء أغنياء المدن ، وظهرت تلك الفترة لعبة لا أعرف من أبتكرها ، وتختلف تسميتها من مدينة لأخرى ، وربما من قرية لقرية ، وأسميناها نحن أطفال الحلة ( الطكاكية ) ، لأنها تصدر صوتا قويا كأنه طلق ناري ( طك أو طق ) ، وصناعتها بسيطة جدا ، نأخذ مفتاحا قديما يكون مجوفا من داخله ونربطه ربطا محكما لعصا بعد أن تشرخ تلك العصا ويوثق عليها ذلك المفتاح بواسطة ( سيم ) أو ( تك كزوة ) ، و( تك الكزوة ) يؤخذ من أنبوب أطار سيارة مستهلك ( جوب ) ، نقطعه بواسطة المقص بأطوال متفاوتة وأفضل الأنواع هو ( الجوب الأحمر ) ، بعد ربط المفتاح على العصا المطلوبة نفتش عن مسمار ندخله لذلك الشق في المفتاح فيحكم فوهته بشكل جيد ، ونربط المسمار أيضا على العصا ولنضمن عدم سقوطه أثناء عملية الإطلاق ، وليس هذه الطريقة الوحيدة ولكنها المثلى ، فمنهم من يستعمل صفيحتين معدنيتين نضع واحدة على الأخرى لكي نمارس لعبتنا ، وقسم أخر يثقب الأسمنت أو قار الشارع بمقدار دخول المسمار ، وطريقة الاستعمال لا تختلف في كل الحالات ، يؤخذ عيدان الثقاب ( الشخاط ) وينزع الكبريت عن عيدانه ونضعه بتلك التجاويف ، ونبدأ بسحنه ليكون أشبه بمادة الطحين ، نضع المسمار فوقه ونحكم غلقه جيدا ، ثم ترفع اليد عاليا ونهوي بها على أي مادة صلبة ( أسمنت ، تيل كهرباء ، بناء حجري ) فينفجر البارود – الكبريت – لأن شرارة نارية أوقدته فيصدر صوتا قويا تبعا لكمية البارود المستعمل ، وتستمر العملية هكذا ، وتسبب إزعاجا لرجال ولنساء وشباب المدينة أو القرية ، أشتكى أبناء قرية الحصين لوجيه قريتهم ( السيد ضايع ) تلك الحال ، أجتمع مجلس وجهاء القرية وقرروا ما أشار به السيد ( ضايع ) فأرسل مناديا يجوب القرية وهو يقول على كل من يملك ( طكاكية ) الحضور الى مضيف السيد ( ضايع ) الساعة الخامسة مساءا ليستلم منه ( شخاطتان ) ، ازدحم المكان بالأطفال مؤملين أنفسهم ( بشخاطتين ) ، قال لهم السيد ( ضايع ) أنكم مصدر قلق وإزعاج لأبناء القرية ، وأشتكى الناس عملكم هذا لذا عليكم أن تجدوا غير هذه اللعبة والآن أذهبوا لبيوتكم لن نعطيكم هذه ( الطكاكيات ) ، حزن الأطفال كثيرا ولم يقنعهم هكذا حل جائر ، أتفق الأولاد بينهم ليذهبوا الى شاعر وخطيب القرية السيد ( سليمان السيد مرزه الحلي ) ليجد لهم حلا بذلك ، وجَد السيد ( سليمان ) تلك المسألة حَرية بأن تكبر لتصبح طرفة أهل القرية ، جمع الأولاد وعلمهم أهزوجة لا يمكن للسيد ( ضايع ) إلا أن ينفذها ويعيد ( الطكاكيات ) لأصحابها الأطفال ، رجع الأطفال جميعهم الى مضيف السيد ( ضايع ) واستأذنوا بالدخول فأذن لهم ، وقف الأطفال متحلقون بدائرة واحدة وهتف أحدهم ممن حفظ الأهزوجة قائلا
طبينه المضيفك هام يردم هام
وأحنه جنود ( عامر ) نطلب أسترحام
نشوفنك ( يضايع ) مثل سيد ( دهام )
( ضاف التركي وكام أيسلب بيه )
( الهام ) بمعنى الرأس ، عامر الولد الوحيد للسيد ( ضايع ) أعتبره المهوال قائدا لهؤلاء الأطفال لكونه بعمرهم ، ضحك الجميع ودفع السيد ( ضايع ) لكل طفل لعبته وأمرهم ترك هذه اللعبة المزعجة للقرية جميعا ، لم تنتهي المسألة على هذا الشكل فقط ، وصل خبر هذه الأهزوجة الى أولاد وأحفاد ( سيد دهام ) فثارت ثائرتهم وحشدوا أبنائهم وأبناء عمومتهم وعشيرتهم لهذه الإهانة الكبيرة التي ألحقها بهم مضيف السيد ( ضايع ) ، ويذكر أن السيد ( دهام ) وهو من أبناء قرى ( المدحتية ) ضيّف بمضيفه ضباطا وجنودا أتراك عام 1914 م فترة الحرب العالمية الأولى ، وبعد أن أكلوا وشربوا ونام أفراد تلك القطعة العسكرية نهب رجال السيد ( دهام ) أسلحة الضباط والجنود الأتراك ، وشاع خب تلك الضيافة بين القبائل والعشائر المتواجدة في تلك المنطقة ، وأعتبرها قسم منهم أنه تصرف غير أخلاقي ، وأعتبره آخرون أن فعل تلك العشيرة يدخل في سياق تجريد العدو من سلاحه ومهما تكن جنسيته .
تدخل رجال العشائر وشيوخها ووجهاء المدينة لإرضاء أبناء وأحفاد السيد ( دهام ) ودفع دية لدرء خطر تلك الفتنة التي أججتها أهزوجة شعبية .