الشاهد الصامت ...قصة قصيرة

رولا حسينات
2017 / 4 / 30


كنا صغارا ونحن نتلحف السماء، يتغشانا الليل بظلمته.. نتغامز بيننا من تراه يحصي النجوم عددا فيشتعل رأسه شيبا؟؟

نُسمع أصداء ضحكاتنا حين ينجلي ما تبقى من سهاد، ونقبض على جلابيبنا ونربطها في مئزر لننصب خفافا فخاخا للطير المتسلل من فجاج النور، ليقبض على تلك الديدان المتراقصة على قضيب من حديد..ولكنني كنت على غير طريقتهم، عندما كانوا يتسابقون لنزع رأسه كنت أسارع لأميزه ذكرا كان أم أنثى.. وأحاول أن أستعيد من ذاكرتي لحظة سقوطه من جناح السماء أو سهما من بين أغصان الزيتون و الزيزفون.. فتنطلق من حولي عبارات ساخرة ساذجة:" لا بد أنك عرفت الآن أن الذكر رأسه مرفوعة، وأن الأنثى خفيض رأسها.." كنت يا جين أدرك أن الذكورة هاجس ومرض لا يمكن التخلص منه هكذا ببساطة، وأن جميع وحوش الأرض وبهيمها مشترك في تلك الغريزة، ولكن الرجولة مختلفة يا عزيزتي كل الاختلاف عن تلك المهاترات الصبيانية الحمقاء، وأصدقك القول أنه حينها أسررت في نفسي..:" أن الأنثى أشجع من الذكر ورأسها مرفوعة كما هي أمي.." و لكني لم أشأ إفساد لذة الطير المشوي.

قدر لي منذ صغري أن أجمع الأسرار كحاوٍ، رغم أنها لا تعنيني ولا أتصيدها، لكنها كانت تأتيني على طبق من ذهب..أتصدقين حدوث أمرٍ كهذا؟؟

عندما تعقبت تلك العضاءة الصغيرة التي يصيب قومي فزع مجنون عند رؤيتهم إياها وتتسابق الأحذية والأرجل على حد سواء لدوسها و تعذيبها، حجتهم في أمرهم هذا "أنها هي من نفثت النار على سيدنا إبراهيم في الأخدود.." لقد خفت حينها يا عزيزتي من مقدار الجهل الذي نحن فيه، فقد أطبق بمخلبه على عقولنا وصرنا نتباهى بغباء سديم.. عندما تبعتها لم تكن غايتي قتلها أو إلحاق الأذى بها، بل كانت غايتي عكس ذلك تماما كنت راغبا في التحدث معها لعلي عُلمت قبل أن أُخلق منطق الطير والحيوان فتخبرني عمّا فيها من شقاء، عندما غاصت بذلك الشق في الجدار مودعة إيايّ وعيناها كانتا قد قلبتا المكان وصورتي معه مئات الآلاف من المرات، لتغيب هذه المرة مخلفة لي رؤية سالم بوضعية لم اختبرها من قبل، ولم أعرف إلا حينها أن أناسي هذا المكان يخفون الكثير، ويزيفون لوجوههم أقنعة كثيرة، بالكاد استطعت أن ابتلع الشهقة التي كادت أن تفلت مني، ما كان يفعله سالم ابن الأربعة عشر عاما شيء لم أعرف أنه ممكن الحدوث قبل هذا، أن تلك القطعة اللحمية بين فخدي لها شكل أخر، يفعل فعلته في تلك الخرابة البعيدة عن أرجل أهل القرية وأعينهم، والتي خلفتها أسرة عبد القادر بعد موتهم عن آخرهم، ولم يخلفهم في بيتهم أحد، الذي غدا خرابة تحاك حولها أقاصيص عن السلماني وعن الأعور وعن ذي الرجل المسلوخة، فقط لتجعلنا ننام في فراشنا دون أن نترك أي جزء من جسدنا يتنفس ضوء السراج العويل.

كنت واثقا من رؤيتي لخفاش صغير أو لقط بائس أو هيكلا عظميا لضحية ما، لكنني أسقطت من دائرة تفكيري الصغيرة أن أجد سالم مؤذن المسجد وقائم الدرس فيه بمثل هذه الوضعية المريبة، وجسده لا تبارحه انتفاضة ورعشة، سارعت بلملمة نفسي وأطلقت ساقي للريح وأنا أنفض عن عيني ما خيل إليها من قبح، قد فاض بئري بجحيم الأسرار، لكني أعلم أن السر يموت إذا ذاع، فذرعت إلى الجبال المحيطة بقريتي لعلي أُلقي عن كاهلي من عناء ما حُملّتُ غصبا، أذعت الخبر لكل حجر همسا وصراخا، في المغاور غنيته ولطخت عينيّ بالوحل من تلك المستنقعات كي أبصر السواد هو فقط ما سعيت حقا لأبصاره، ليس به أي صورة تذكرني بسالم.

هجرت المسجد وما عادت تؤلمني لسعات سياط أبي ذي القبضة الخشبية، ولم تذرف من مقلتيّ دمعة واحدة، أتعلمين أقذر شيء في الوجود؟؟ أن يأتي الفاجر قديسا..لقد جاءني سالم مرتديا عمامته مسبغا على جسده عطرا من سواك، ليرشدني ويخرج الجن الذي تلبسني.. نظرتي إليه مليئة بالازدراء وبصاقي الذي جمعته من كل جسدي كان ذو رائحة ولون مائل للصفرة الداكنة، ومضيت أقطع الطريق جريا يطرق سمعي استعاذتهم بالله مني.. وأبي وكل من في البيت صغيرا أم كبيرا يتوعدني بعصا تدمي جسدي فلا أرجو من بعده شفاء.. لم أدر كيف أرتدت فراشي أمنا مطمئنا بعد أن كادت فجاج النور أن تشق طريقها إلى العتمة، إلا أن ضوء السراج كان قويا من حجرة أبي ونشيج عمتي يذوب في أذنيّ بين حين وآخر.. ما أدركته جليا "أن أبي يتوعد عمتي بالعقاب إن هي رفضت، وأمي بينهما تهدئ من روع عمتي وتذكر أبي بالصلاة على النبي..واسم علي المحمود يسقط بين كل كلمة ويذرف مع كل عويل." أدركت حينها أن صيد علي المحمود ذي الستين عاما هذه المرة كان عمتي، بعد أن خرجت القرية قبل بضعة أيام لدفن زوجته الرابعة، والتي لم تتجاوز أوراقها العشرين، تعددت الأقاويل التي تناقلتها الألسن والتي برع خيالنا بتشخيصها.."لقد قتلها ومزقها ولم تستطع الداية أن تمنع بحر الدماء النازفة منها.." لقد كانت تلك المسكينة واحدة من بنات راجح العشر، التي اختارها لتكون زوجة تتبع زوجات قد قضين..

ربما نسيت القرية منظر زينب وقد خرجت من بيته يسترها شبح الليل وقد غشي الغمام نور القمر، وقد حلت شعرها وقد كستها حمرة دامية تقطر من كل جسدها، صراخها وهذيانها أيقظ سراج أهل القرية ونوره يبحر على صفحة من خدوش عميقة ودماء، ولم يستر جسدها إلا رداء أفترسه وحش ضاري، آوتها حينها نسوة القرية لكن النهار أخفى أثرها ولم يدر أحد عنها بعد ذلك شيئا. صراعات تدور رحاها على أرض الضعفاء.. بما كان يفكر أبي؟؟ ما الذي سولته له نفسه فعله؟؟ ولما اختار علي المحمود أن تكون عمتي صفية ضحيته القادمة؟؟

لم تكن عمتي صفية إلا فتاة كبقية فتيات قريتنا، بجديلة طويلة تتعدى خصرها النحيف، و عينين كحيلتين لا تخلوان من أحلام بزوج وبيت.. بحبيب تشعل له حياته بقناديل من نور وحب... لم أعهدها يوما غير غارقة بأعمال البيت، دون ذلك الكم الهائل من الملابس المتسخة وبين القدور وعلى رأس المعجن وعند الفرن تطبع بيديها رغيف الخبز، لم تكن عمتي صفية لتركن في مكان واحد بل كانت الحياة نفسها قبل أن يستحيلها علي المحمود إلى مومس..نعم الحياة مومس، ومن قبل أن تعشق صبري ويرق قلبها له، دون أن تعلم أنه رغم حسن سيرته في القرية فحقيقة عشقه لابنة المختار..لم تظهر للعيان بعد، تتساءلين كيف لي أن أعرف تلك الحقيقة ولم يعرفها أحد؟؟ ألم أقل لك عزيزتي جين أن القدر قد سير لي سيرهم، وقدر لك ذلك ربما قبل أن أمزق كل الحروف المتكدسة في رأسي وأنثرها في بحر يسمى النسيان، أو أصهرها في بركان لتقذف حمما تلسع الناس بأكاذيبهم؟؟

كان تلاقيهما في مغارة الضباع أعلى الجبل تبعد مقدار ثلاث ساعات من النهار للوصول إليها، ليلة السبت عرفت بهما، كان ذلك منذ أمد لا أخال ميعادهما قد تغير!!....

لا أدري كيف عرفت ذلك السر؟؟ لكنني أذكر جيدا أنني كنت أسير بين حجارة الجبل وصخوره لأنقش على كل صخرة لم يصلها أسمي، ربما وحدتي هي من جعلت شرودي بين دمامل وثآليل الجبل أمرا له نكهته، فلم تكن ذات لون واحد وإن أختلف ملمسها وحجمها، كنت مختلفا عن الذين رضوا بالحقيقة على علاتها وسلموا أمر بقاءهم في الأسفل. لم أدر كيف انقض النعاس على ما تبقى من يقظتي ورحت أنبش تحت الصخر وأنبش وإذ بي لا أرى سوى الظلام يتلقفني في تلك الحفرة، وضحكات تنال مني من كل صوب فتقبض قلبي وتقبضني متعثرا إليها.. فقمت من غفوتي فزعا وبيدي قبضة من أشواك، نالني من لسعاتها ما جعلني أقبض على جمرها وقد تنادى إلى مسمعي حينها في الثلث الأول من الليل وهزيعه ضحكات أنثوية، لم يكن في الجبل المترامية أطرافه سوى القسوة والخوف ومقابر الجبناء، نزعت الأشواك من يدي وكلي مشغول بتتبع ذلك الصوت، حتى تراءى لي خيال إنسي على ضوء مشعل صغير. في مغارة الضباع طيف من شراسة وقد كانت شراسة البشر عندي أشد فتكا من شراسة الضباع، عندما اقتربت من تلك الفسحة الضيقة بين الصخرتين المتعانقتين ككبش وقد انقسمتا إلى نصفين، حيث يمكنني أن أرى في ما وهبني إياه المشعل صبري وابنة المختار ، كيف لي ألا أعرفها ووجهها وجسدها الغض تعرفه كل القرية؟؟ لقد غدوت شاهدا على تلك القبلة التي انطبعت على خدها وهي تتماوج بضحكتها، عندها اقشعر بدني فانقضضت على نفسي أهشمها بنحيب عميق وأنا ألعن ذلك اليوم الذي قدر لي فيه أن أتعلم فن الوحدة ..لما عليّ أن أتعذب بحمل أسرار لا تقوى على حملها الجبال؟ عندما رفعت رأسي ثانية لابتلع نشيجي كان النور قد ذهب وذاب السكون في وحشة المكان، خالجني شعور وأنا أنزلق من الجبل ككتلة من الوحل، أني رغم كل شيء اختبر كل موطئ لقدمي حتى في العتمة..منيت نفسي حينها أن ما رأيته كان أضغاث أحلام، و مع الأيام أبصر وهن عمتي صفية وهي ترسل نظرها إلى البعيد، ويزيد شرودها وهي تبتلع غصات وحسرات ثم تبتلع ضحكتها، وتمسح بطرف ثوبها دمعة قد انزلقت من عينيها وهي تراه بعيدا عن البيت عند الشجرة الخروب العتيقة، فتعرج إليه ليتسمرا متعانقة عيناهما كتمثالي تمر عسلي، يصيبه قطر من آمال حين يغلظ لها الأيمان: "أنه لم يعشق امرأة سواها، ثم يسهب بنظم شعر غزلي أوهن من بيت العنكبوت، كم أحمد الله أنه لم يمس شعرة من جسدها!! فعمتي صفية أقدس من العفة ذاتها.. لكني رغم ضعفي وقلة حيلتي لن أقوى على الصمود أمام حزنها وانكسار قلبها.. كم عليّ أن أتحمل وأنا مسيّر في مركب يمخر عباب الرمال بلا أشرعة والهبوب تلفحه.. تقلبه رأسا على عقب؟!! كم عليّ أن أحفظ من الأسرار حتى أحقن نفسي بحقنة من عدم الاكتراث؟!! لكن سر صبري مقيت وجبروت عبد القادر كفر، وأنا بينهما كعفريت يرقص على جمرات..فكيف لي أن أتخير أفضلهما لعمتي صفية؟؟ أي نوع من الرجال سأكون تبسل عليّ العذابات من لهيبها فأصبر..؟؟ دون أن ألعن كل لحظة عرفت فيها أن الحياة عقرب يقرص من لم ينل منه ومن نال..

لكن السرداب الطويل الذي بدا دقيقا معتما أمامي قدر له أن يشرق على أرض لم أرها ولم أحلم بها من قبل، كانت رؤية فريد.. عمي الذي غيرت غربته في المدينة معالمه وأخذت من سحنته الشرقية ما أخذت حتى بدا غريبا قلبا وقالبا.. بملابسه.. بحذائه ذي المربعات البيضاء والسوداء، بصدريته التي يضع بها ساعته الفضية، بقصة شعره ..شاربه الممحو إلا من برادة الحديد.. بكل ما فيه كان غريبا، حتى بمخارجه للحروف فلم تكن ثقيلة بل خفيفة تتهادى لتطرق كياني كله، كان هزة لمرة واحدة.. وكان زفرة للريح ومضت.. لكنها كانت تحملني بين يديه.. لا أدري لما اختارني دون أبناء عمومتي.. دون أشقائي.. دون أناس القرية.. دون الإنس والجن.. اختارني ومضى بي إلى غربته، عندما حملتني سفينة نوح لأعرف أن في الحياة غير قريتنا وأسرارها.. عند ضفاف المدينة البعيدة بت لا أعرف نفسي.. لم أعرف حينذاك أن الملابس قد تغير البشر..رغم أن ذاتها السحنة السمراء والعينان الواسعتان وذاته القوام الممشوق.. ذاتها الخصلة السوداء.. كله ذاته ما تغير، لكني بداخلي قد تغيرت صرت غير ما كنت، لقد كبرت فجأة يا جين.. ربما تلكم السنون التي أفقدتنا الإحساس بأنفسنا هي السبب!! لقد هرمنا ونحن مازلنا صغارا نتهجى معنى الحياة..

لقد افتقدتك عزيزتي.. لا أدري لما أكتب إليك على أوراق قلبي، ليغدو كطوق نجاة وطوق ممات. القلب الذي قدر له أن يكشف صفحاته لك.. وأن يطفو كأشرطة بالية من ذكريات، و لا أخفيك أنني أعيد النظر بحروف وجعي البارزة، وقد تكسرت على أمواج قد قصمت ظهري.. أتدرين ربما لم أخبرك أني زنديق؟ كيف لي أن أسقط حقيقة هزيلة كهذه؟؟ قد تضحكين وأنت تنطقين هذه الكلمة بلكنتك الركيكة فتصبح القاف كافا فتعطيها مذاقا حلوا رغم مرارتها، قد لا تعرفين معناها وصدقيني أنا نفسي لم أعرفه ولم أستطع منع نفسي من الضحك مرارا وتكرارا، كلما تذكرت هشاشة الفكر لدى قومي. كنت يا حلوتي مارا كما كنت أفعل مسبقا، يقتلني حب الفضول لرؤية مقام المبروك الجديد الذي تحج إليه النساء والولدان والرجال من كل صوب، قد تعجبين لكثرة ما مررت وما رأيت!! لا تعجبي فأنا مثل الآلاف من صغار قومي مشردين.. نسرق من حلاوة الأرض وقسوتها ما يديم أودنا، ونصطبغ بسمرتها و نمضغ رمال الطريق، ثم نتفلها فنجدنا قد تعلمنا الكثير وأفنينا باللاشيء الكثير من طاقاتنا، ما زلت مارا كما تعلمين إلى حيث يعيش حسن المبروك.. أتعلمين لم أدر لما ألصقت البركة بالمجذوبين، والدروشة بمن يكثرون الصلاة، وفق أي فقه أحكم؟؟ أهو فقه الجهلة أم التجهيل؟؟ لقد تعلمت مذ خرجت من قريتي يا عزيزتي الكثير وتعلمت أن الله واحد ليس له شريك، بينما ضاقت أنفس الناس عن إلههم الواحد.. ولا أترك فرضا من صلاة أو صيام، لقد تعلمت يا جين عندما كبرت أكثر مما عُلمته صغيرا، لقد كان المبروك منشد الكثيرين يأتونه من كل فج عميق يتبركون بعتهه وجنونه، لا تسيئي فهمي، فلا السخرية مقصدي ولا الاستخفاف..إني أمقت من يضع عقله وماله من أجل غرض دنيوي بل وأشفق عليه، حين أمسك بي رفيق صبي المبروك بقسوة لأنحني.. أبيت، فضربني بيده على رأسي لأفعل فرفعت يده بغلظة وقلت غاضبا:" لست أبله مثلك لأنحني لمجنون.." وما كدت أنطق بذلك حتى كان المبروك أول من رشقني بقذائف من السباب، الذي طال كل نساء قومي وأتبعها بكلمات لم أفهمها.. لكني أدركت أنها أقذع ما سمعت أذناي فرشقته بالسباب الذي كنت أسمعه من الكبار.." يا ابن الق.." وكلت بيدي ما استطعت من حفنات التراب والحجارة، ورشقته بها، ولذت بالفرار على جناح السرعة، وما دريت كم من مجانين قريتي قد لحقني، لكني كنت واثقا أن أيا منهم لن يطالني ولو كنت في بئر مهجورة، وما طالني سوى تلك الكلمة زنديق، التي سبقت اسمي.

عزيزتي جين يموت الكثيرون منا ونحن لكنيتهم جاهلون، نعرفهم بالألقاب التي شربناها حلالا وهي حرام، فإن قدر لك السؤال عني في قريتي، فستعرفين لما لا يعرفونني.. رئيف بالنسبة إليهم قد مات ولي كذلك لأني ولدت من جديد..بلا زندقة أو غيرها..

عزيزتي ينتابني شعور بالغثيان وبالقشعريرة ينتفض لها بدني، حين أمسك بالفرشاة لأصبغ تاريخي، فأبعثر الأوراق أمامي بيضاء كما هي دون سطور، لما علي أن أخبرك بكل أسراري وتلك الجنح التي عرفت بها صغيرا خلاف ما أنا عليه ؟؟ وقد نبتت لي لحية وشاربان.. أعترف أن لعمي الفضل الكبير في نفض الغبار عني، وأقسمت أمام نفسي أن أرد له الدين" بأن لا أعرف له سرا ولكني فشلت أمام أول امتحان لي، بعد سنوات طويلة قد عرفتك فيها وأنت تعملين في مقهى وتكملين دراستك، كيف كان ذلك؟؟ نعم، أعرف أنك تضحكين.. لقد سكبت فنجانا من القهوة على قميصي فلسعت قلبي وجسدي بضربة واحدة، ربما لم يكن خطأك لقد اعتذرت واعتذرت وأنا أتلوى من الألم، لكنه ألم من نوع آخر، لقد فقدت حينها اتزاني يا حلوتي ووقعت أسيرك.. نار الحب تلظى وصرخة المحب تحي من في الأرض جميعا، بل تلك الطاقة الغريزية التي تنشب أظفارها في شرايين ذاك القلب ليفور كالتنور، ويعتلي أدراجا سماوية فيصبح من النبلاء.. وأنا بحبك يا حسنائي أنبل خلق الله ومن وصلت إليه ذرية آدم.. أذكر أنني سألتك لما أجنبية مثلك في بلادي؟؟ نبست ضحكتك عن أجمل ثغر أخفى وراءه عنقودا من اللآلئ.

قلت: أنك تعيشين مع جدتك امتثالا لرغبة والديك في أن تتعلمي لغتك الأم وتتعلمي دينك. فاتخذت عملك في المقهى وسيلة لك لتتعلمي كل ما خفي عنك في الكتب، وعرفنا الحب معا..وصرنا واحدا.. وما أخفيك قلقي.. نعم، ذلك الشعور الذي لا يفارقني ويكاد يقضي على ما تبقى من عقلي ومخاوفي من فراقك.

كنت يا عزيزتي قد عرفت سر عمي الدفين، لقد رأيته وهو يجهز نفسه لشيء ما، لم أشغل بالي كثيرا بادئ الأمر.. لكن الأمور كما تعلمين لا تبقى على علاتها بل تتعقد وتتعقد، فلا تترك طريقا إلا وقد سدته، لم أكن أبالي حينما كان يزوره صحبه في سوقه للمواد التموينية، وكما تعلمين فأنا أعمل محاسبا هناك، كان يمكن للأمر أن يمضي دون أن يثير شكوكي لولا تلك اللحى وذلك الزي الذي كانوا يرتدون، ويمكن لهذا أيضا أن يمضي بسلام، لولا تلك الأدعية التي كان يتلوها في جوف الليل وبكاءه الذي تقشعر له الأبدان، وما كنت لأكترث مع هذا كله كنت سأقول:" شأنه مع الله.." ولكني عندما رأيت على شاشات التلفزة تلك التفجيرات وأشلاء الأطفال والثكالى والأبرياء يقضون في بحر من الدماء لخطيئة لم يرتكبوها، صارت الأشرطة تنزلق إلى ذاكرتي.. تلك الحقيبة الجلدية السوداء التي كان يحملها أحد الملتحين، ومضى دونها والتي صارت بحوزة عمي وما فيها من أسرار.. ساعات وهو مغلق نفسه وبابه.. ما عاد كما كان.. ذا الوجه الأمرد وتصفيفة الشعر.. لقد تغير لقد استحال إلى عضاءة باحثة عن نار لتلتهمها ثم تنفثها من جديد.. نفضت الأفكار من رأسي، لكنها عادت لتطفو من جديد، كل ما مر بي وعرفته من أسرار أدرت له ظهري واكتفيت بكوني الشاهد الصامت، لم أقدم لأحد منهم دليل إدانته أو حتى دليل براءته.. فقط ببساطة أدرت ظهري للجميع..

أرأيت كيف أسوي أمور حياتي؟؟ أدير لها ظهري وحسب.. وألعن الأقدار التي مرجتها إلي ودنت دوني وما أردت، لكني اليوم أمام مئات سيموتون أمام انتحاري متطرف أو إرهابي مجرم وإن كان للأسف عمي، لقد كسرت حروفي ثانية وغدوت كالأبله الذي يمسك بقشة ويطفئ أعواد الثقاب بنظره، لقد احترقت كل آمالي بأن أصنع من نفسي تاريخا وأتمسك بحاضر محاصر، لن أستطيع أن أرسل أي من كلماتي المبعثرة بل علي لزاما إحراقها، وكل أدلة إدانتي بأني مسرف بهتك الأسرار، سأعيدها على مسامعك يا عزيزتي.. أني أحبك وما أحببت امرأة غيرك، وما عرفت أن للعمر أطوارا لها قداستها إلا معك..

جين.. سأودعك إلى حيث لن تريني بعد اليوم، لا أدري أين سأذهب وإلى أي جبل سآوي ليعصمني من الطوفان.. صدقيني إنني خائف مهتز متوتر ترتعد أوصالي.. يحترق قلبي ثم تبترد مفاصلي وأرتجف وما يدعني الجنون لحظة إشفاق، لأرسو إلى شطآن آمنة بلا أسرار.. ها أنا أمضي أسابق عقارب الموت إلى اقرب مركز أمني لاهثا :"إنه هناك.. انتحاري إرهابي."

وأسلمهم إياه متلبسا في العنوان كذا في الشقة السابعة من الطابق الخامس.. أول باب على اليمين له حذوة حصان مكسورة، وأتحلل بعد ذلك من إحرامي..

ولا أدري إن كنت سألجأ إلى سجن ما أم تسجنني الحياة؟؟

مزقيني يا حلوتي كورقة خريف بالية.. وامضي في طريقك فأنا بالكاد أحبو من وجع عظامي..



رولا حسينات