هذا السجان سيقتلني

مروة التجاني
2017 / 4 / 28

خرجت من السجن تواً، قبل أن التقط أنفاسي سأخبركم عن حياتي قبل السجن بإيجاز، أعيش وحيداً مع أبي في منزل متواضع، لا أخوة لدي وماتت أمي قبل خمس أعوام، كنت مجتهداً في حياتي وسافرت لفترة من الزمن خارج قريتنا لدراسة العلوم، عندما انتهيت عدت لأبقى مع والدي العجوز الذي يرفض مغادرة المنزل. لم تكن هناك فرص وخيارات كثيرة متوفرة في قريتنا الصغيرة فعملت أستاذاً في المدرسة الوحيدة الموجودة، قريتنا صغيرة الكل يعرف الكل، لكني كنت منعزلاً عنهم بعض الشئ أمارس هوايتي بالعزف على الجيتار الذي جلبته معي عندما سافرت للدراسة، كان الغناء متعتي الوحيدة في الحياة ورويداً رويداً بدأت أحسن ادائي في الغناء فلحسن حظي كان صوتي جميلاً، لم يكن هذا سراً فسرعان ما عرف أهل القرية بموهبتي وبدؤا يطلبوني في أفراحهم البسيطة وجلسات السمر المسائية وأتحصل بذلك على مبلغ لابأس به من المال إضافة للعائد الذي اتلقاه من التدريس، كنت اذهب إليهم وأتحدث معهم بإقتضاب ولكن الجميع كان يتفق على حسن خلقي وخفة دمي، ذاع صيتي في القرى المجاورة وأصبحت مشهوراً بين الناس، كانوا يتحدثون عن ثقافتي ونجاحي في العلوم، تفوقت على أهل القرى التي أعرفها وكان ذلك مصدر سعادة لي.


شئ ما حدث لن أخوض في تفاصيله. لكن وجدت نفسي أسير إلى السجن لأقضي فيه 5 أشهر. كان الطريق طويلاً والسجن في المدينة الأقرب لقريتنا. انتظرت نصف يوم لإكمال إجراءات دخولي كنت وحدي ففي منطقتنا الصغيرة كان عدد المساجين قليل. بعد أن تحولت لسجين رسمي تم تسليمي إلى السجان عزيز، قابلني بإبتسامة عريضة وقال إنه يعرفني وحضر ذات يوم إحدى حفلاتي المحلية الصغيرة، قادني مباشرة إلى الحمام وطلب مني أن أخلع ملابسي، وقفت امامه عارياً، تفحص جسدي بإبتسامة ساخرة وناولني الملابس الرسمية، في الطريق إلى عنبر السجن قال : أنت هنا في عالمي وغداً ستتعرف على هذا العالم الجديد.



نعم .. تعرفت على هذا العالم جيداً وذقت فيه أصناف العذاب والذل، لكنها قضيت الآن وها أنا ذاهب لمنزلي. وجدت أبي ممدداً على الفراش والمرض يتآكل جسده، لم يدرك وجودي إلا بعد ساعة كاملة، نظر إليّ بفرح خافت وقال إنه كان يشعر بالوحدة فلم يأت أحداً لزيارته وكان بالكاد قادراً على قضاء حاجته، يقول أبي " عندما كنت آتي لزيارتك في السجن كان السجان عزيز يقابلني أولاً ويحرق دمي بكلمات جارحة، لذا أنقطعت عنك في الفترة الأخيرة ، حالما أموت أهرب من القرية فعزيز لن يتركك وشأنك". ومات.


كان عزيز يتردد بشكل مستمر على المدرسة التي أعمل فيها بحجة أن أبنته تدرس بها، كنت أراقبه من البعيد ولم نتحدث مطلقاً، توطدت علاقته مع المدير وبقية الأساتذة، كان عزيز يعرف كيف يتحدث مع الآخرين ويكون الصداقات بسرعة ، كان ينظر إليّ بسخرية مليئة بالشر ويغلفها حقد داخلي عميق. بعد فترة وجيزة وجدت نفسي مطروداً من المدرسة، لم يقل لي أحد كلمة وداع، بعد تسلمي لقرار الفصل ذهبت أبحث في أعين طلابي المفضلين عن رثاء محتمل أو أسى لكن لم أجد شيئاً ، خرجت من باب المدرسة وشعرت كأن الجميع بالداخل كانوا يصوبون السهام على ظهري، كنت أشعر أن دمي يغطي الطريق، تحولت المدرسة، خياري الوحيد في القرية إلى سجن قذفني خارجاً بعد أن هتك روحي. قررت فوراً الرحيل عن القرية ، رحلت عنها غريباً بذات ليل، دون وجهه، دون مقصد، حملت حقيبتي وجيتاري على ظهري وهرولت مسرعاً، لم يكن الجيتار وحده فوق ظهري بل كنت أسير منحنياً وكأن عزيز بجسده الثقيل يمسك بي من الخلف، وكأنني أحمله على ظهري.


وجدت نفسي في إحدى القرى المجاورة، عند قريب لنا، إستقبلني وقضيت عدة أشهر معتكفاً في منزله، كان عليّ أن أساعده في عمله لأكسب بعض المال، ثم كي لا أتحول لضيف ثقيل. كان الناس هنا بسطاء لا يختلفون عن أهل قريتي السابقة، خفت أن أواجه ذات الأحداث السابقة فحدثت قريبي عن دخولي للسجن وما فعله السجان عزيز، تفهم القريب الموقف وقال أن عليّ أن أبدأ حياة جديدة فلا أحد هنا يعرفني. هكذا سارت الأمور لبعض الوقت، بدأت بعدها الاحظ تغيراً على وجه القريب، كان عابس، متجهم، عصبي أكثر من المعتاد، لم أشأ أن أساله إلى أن وجدته يحدثني قائلاً " أهالي القرية يتحدثون عنك كمجرم، أنسان خطير، حاولت أن أشرح لهم أن قضية سجنك غدت من الماضي لكنهم لا يتفهمون، جارنا هو من يقود حملة شرسة لتشويه سمعتك، لكن الأمر يمسني أيضاً وأنا أريد العيش في سلام" ، ما أن أنهى القريب حديثه حتى وجدتني أركض لمنزل الجار وأطرق بابه بعنف، جاء مسرعاً وعندما فتح نزلت عليه بالضرب، حين علا صوتنا كان عزيز يظهر من الداخل يرافقه أبناء الجار، وقفت مذهولاً لفترة، ركضت نحوهم وكنت أصرخ، ثبتني عزيز على الأرض وكانت أنفاسه تخنقني، كنت لا أزال أصرخ إلى أن وجدت نفسي في مستشفى القرية والطبيب يحقنني بالمهدئ، جلت ببصري حول الواقفين فلم أرى عزيز .. هكذا إلى أن استغرقت في النوم. نمت ثلاثة أيام متواصلة كنت أستيقظ لقضاء حاجتي وأتناول قليل من الطعام، ليعود الطبيب ويحقنني مجدداً. بعد الإفاقة رويت قصتي للطبيب نظر إليّ بحده ولم ينصحني بشئ، وجدتني أحزم أمتعتي بهدوء، القريب في الغرفة المجاورة صامتاً، المنزل كله كان مسكوناً بالصمت، حملت حقيبتي وجيتاري. رحلت.


في المدينة، قضيت عدة سنوات في هدوء، بنيت عالم جديد مع رفيق قديم في الدراسة، وظيفة جديدة، غرفة صغيرة تزينها صورة أبي، وبدأت بالغناء بصمت، كنت أخاف أن أغني أمام حشد من الناس فيشتهر إسمي ويجد عزيز طريقاً لعزلتي. تحول الوطن كله في نظري لسجن كبير، كثيراً ما سألت نفسي كيف يحدث أن تغير 5 أشهر حياتك؟، ما هذا الجحيم الذي دخلته؟. لصديقي القديم أخت جميلة (مريم) ، أحببتها، قضيت معها سنوات رائعة، ابتسمت لي الدنيا أخيراً، قررت أن أتقدم لخطبتها، لا أعرف كيف أتصرف في هذه المواقف لكن لبست أفضل ملابسي واشتريت علبة شكولاتة، ها أنا ذاهب لمنزل مريم، حين دخلت وجدت عزيز يجلس مع صديقي وأكواب القهوة الساخنة أمامهم، لم أتكلم، خرجت. في غرفتي الصغيرة حطمت جيتاري، وها أنا أمسك بالسكين تمهيداً لإنتحاري، لكن .. قبل أن أموت أقول لكم " إسمي عمرو، فتذكروني".